العدالة ومهنة الصحافة في محنتها التاريخية

الإثنين،29 تشرين الأول(أكتوبر)،2018

لم يكن غريباً أن تظهر قيمة العدالة في أشكال وتنويعات مختلفة على أيدي الفلاسفة بغية تحقيق أفضل استفادة من هذه القيمة في حياتنا. فالمذاهب الاشتراكية اعتقدت أنها وجدت ضالتها في تحقيق العدالة من طريق المساواة بين البشر. وهي هنا برغم نبل هدفها كانت تسير في طريق الظلم وبخس حقوق البشر؛ لأنها ساوت بينهم من دون أدنى اعتبار للتمايز في القدرات. الأمر ذاته سعت إليه المذاهب الرأسمالية كونها من أجل تحقيق قيمة العدالة ألغت المساواة وميّزت البشر وفقاً لما يملكون ويستطيعون أن يعطوه بإطلاق قيم كالحرية وغيرها ليفعل هذا الإنسان ما يخدم مصالحه ويطلق إبداعه ليرى النور. وظنت هذه المذاهب أنها انتصرت للعدالة كقيمة ينشدها البشر. وكانت هنا ظالمة؛ لأن الحظوظ والإمكانات ليست مُعطى مسلماً به بالمطلق، فهناك ظروف تصنعها.


فالغني الذي يجد نفسه وارثاً ثروة ربما تكون جاءت بطرائق غير مشروعة في سياق عصر وقوانين جائرة. والعدالة كقيمة كي تتحقق في شكل مثالي يجب أن يعاد النظر إليها من الناحية الفلسفية. وهنا كان انتصار نظرية الفيلسوف الأميركي جون رولز في النصف الثاني من القرن العشرين في ما يشبه رسالة الأنبياء في تنظيره وإعادة الاعتبار إلى مفهوم العدالة، كونها ليست المساواة كما هي عند الاشتراكيين ولا هي إطلاق الحرية، في أن يتكسب كل إنسان وفقاً لقدراته وإمكاناته. فلكي تتحقق يجب أن تكون بين متساوين في الإمكانيات والقدرات والظروف وفي الإطار العام للعمل، فيحدث التمايز بينهم وفقاً لمهاراتهم. فلكي يظهر التمايز يجب الانطلاق من النقطة نفسها بقدرات متشابهة حتى تمكن معرفة فوارق تميزهم. مناسبة هذا الكلام أن مهنة الصحافة في مصر وغيرها من الدول العربية تمر بمحنة بسبب مشكلاتها الاقتصادية التي ترجع في جزء منها إلى غياب منطق العدالة؛ سواء في الإدارة أو صناعة المضمون؛ وهو الأمر الذي أثَّر في الصدقية، ما ساهم في ظل عوامل أخرى مساعدة، في فتح الطريق لتتعطل جرائد عن الصدور في شكل ورقي.

الصحافة في منطقتنا العربية؛ خصوصاً مصر ولبنان، لها شأن كبير بدورها التنويري الذي لعبته في السابق المؤسسات التعليمية الحديثة، فهي مع نشأتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت بمثابة الرئة للمجتمع. كانت بمثابة الإذاعة والتلفزيون والإنترنت في شكل العصر الحالي، بل تعدت ذلك بأن باتت تحمل المضمون المعرفي الذي يغذي ثقافة المجتمع ووعيه، ومن ثم لا يُستغرب أن نجد في تلك الأيام عشرات الصحف التي تصدر يومياً وغيرها أسبوعياً وشهرياً، على مدار عقود عدة، مع ظهور منافسين بعد ذلك كالإذاعة ثم التلفزيون، فالفضائيات والإنترنت؛ لأن المضمون الذي تقدمه الصحافة يستطيع أن يحمل وجبه دسمة من المعرفة والثقافة تعجز هذه الوسائل عن أن تنافسه فيه. وحتى وإن ظهر هذا المضمون على الإنترنت بتطبيقاته؛ فإن طقوس الوسيلة تمنحك فرصة تناول وجبة صحية. بالنسبة إلى الإنترنت، قد يمر القارئ على العناوين من دون أن يقرأ ما تحتها. وعلى رغم ذلك، استطاعت التطبيقات المختلفة للإنترنت أن تجذب فئة كبيرة إلى ساحتها على حساب القراء الحقيقيين للجريدة، فما دام الهدف هو الأخبار والمعلومات فهي متوفرة حتى لو كانت لا تترك التأثير المطلوب. وعدت هذه الوسائل مع ثقافة التجهيل والتسطيح هذه تحدياً كبيراً لمهنة الصحافة، ما جعل بعض الصحف يقتصر على النشر الإلكتروني من دون اعتبار للجوانب السلبية لهذا الأمر. فمن كان يقرأ ثلاث ساعات جريدة لم يعد يحتمل الجلوس أمام الموقع الإلكتروني دقيقة واحدة. وبالنسبة إلى تحدي الإمكانات الاقتصادية، فإن الجريدة الورقية كانت من خلال الإعلانات تغطي التكاليف مع وجود فائض أرباح، وهو ما تراجع الآن في شكل ملحوظ، ما يستوجب التساؤل؛ هل من الممكن ترك وسائل التنوير وتشكيل العقول لمتغيرات سوق العرض والطلب؟ أم إن الثقافة والتنوير بمثابة الغذاء والنور للإنسان التي تحتاج إلى الإنفاق بمنطق لا يخضع للمكسب والخسارة، فهي استثمار في العقول كالتعليم. الصحافة وجدت في بعض المجتمعات العربية كمؤسسات تنافست في دورها التنويري مع الجامعات والمعاهد التعليمية ومن ثم كيف تترك لمشكلاتها من دون أن يكون هناك إدراك بقيمة ما قدمته لمجتمعاته على مدار نحو 150 سنة، وما زالت قادرة على تقديمه، بالبحث عن حلول لمشكلاتها، والتي يأتي على رأسها المكون البشري الذي يعمل في هذه المؤسسات سواء كانوا من الذين ينتجون معرفة من صحافيين وباحثين وموظفين وغيرهم، والذين يديرون هذه المؤسسات.

 وأخيراً نجد أن جزءاً من كوارث مهنة الصحافة أنها وضعت في إطار يظلمها ولا ينصفها بوجود بعض الخلل في الإطار المؤسسي والقانوني الذي يحكم هذه المهنة، يرتبط بالإدارة والتحرير. الإدارة، بأن أصبح هناك من يتولونها وهم فقراء في الرؤية والاستراتجية، فكانوا بلاءً عليها، فعملوا على إفقارها. ومن ناحية اختيار مسؤولي التحرير، بخاصة في الصحف المملوكة للدولة، فإنها تستند إلى منطق غير عادل، بالاختيار المبني على الولاء وليس الكفاءة، بالتالي تنحصر في إمكانات مَن يدينون بالولاء وليس لمعايير موضوعية تفتح الطريق للجميع في شكل متساو في الفرص. ومن ثم، فإن تأميم عقول الصحافة يأتي ليس فقط من السلطة وإنما من هؤلاء الذين لديهم سلطة المنح والعطاء؛ الأمر الذي خلق سلبية عند الكثيرين فهاجر من هاجر ورضخ من رضخ في سبيل ضمان لقمة العيش. ويبقى أن النجاة من أزمات الصحافة لا يكون بتعليق الشماعة فقط على الإنترنت وغيرها، وإنما يبدأ من المضمون الذي أضاعه هؤلاء بعقم عقولهم في التحرير والإدارة، وأحياناً الإطار القانوني الذي يفتقر إلى الرؤية ومنطق العدالة.

* كاتب مصري

الحياة