تطور مفهوم بناء السلام: دراسة في النظرية والمقاربات

السبت،9 آذار(مارس)،2019

حمدوش رياض

مقدمة

لقد ظهرت مع نهاية الحرب الباردة وبروز النظام الدولي الجديد، أشكال جديدة من النزاعات ساهمت

في تطوير حقل حل النزاعات الدولية الذي يعنى بدراسة أسباب الحرب و النزاع و العمل على

حلها،وهذا التطور في حقل النزاعات عرف نقاشات فكرية ونظرية من طرف المحللين، السياسيين

واألكاديميين الذين أبدو اهتمام بالغ، ومحاولة لتوضيح الغموض المفاهيمي وتدارك بعض العجز في إيجاد نظرية تلم بكل جوانب وحيثيات مفهوم “بناء السالم”،وهذا راجع إلى التشابك والتداخل في المفاهيم والرؤى حول هذا الموضوع.

إن مفهوم بناء السالم الذي ارتبط بمرحلة الحرب الباردة يعتبر من المواضيع المهمة والمثيرة

للنقاش، ألنه يعبر عن اهتمام الدول الأفراد على حد سواء في توفير السلم والاستقرار. كبديل للحروب وإصلاح فترة ما بعد النزاعات، الشيء الذي أدى إلى تكثيف الجهود وتنسيقها من أجل إنجاح هذه العملية وتحقيق غاياتها المنشودة التي من شأنها مساعدة الإنسانية وإرساء دعائم السلم والأمن الدوليين.

إن فهم أسباب النزاع والعوامل التي تؤدي إلى تصاعده تتطلب تحديث طرق لحل هذا النزاع، إلى إيجاد بديل لتجنب الوقوع فيه مجددا. وقد تتخذ برامج خاصة لتنفيذ هذه الطرق من خلال إتباع خطوات طويلة الأجل بغرض إصلاح النزاع، وتتطلب هذه العملية تدخل طرف ثالث لتسويته عبر

أساليب مختلفة مثل حفظ السلام، صنع السلام، بناء السلام.

ولكن توطيد السلام الدائم. يتطلب تشييد البنية السياسية الهيكلية وتوفير الأمن الإنساني، وحماية حقوق الإنسان والدفع بعجلة التنمية ومعالجة الاقتصاد المنهار نتيجة الحروب ،كذلك إزالة الأسباب العميقة للنزاع بحيث يتمكن الأطراف من إصلاح علاقاتهم مع بعضهم البعض وإصلاح الادراكات الخاطئة تجاه الآخر عبر إعادة بناء الثقة، فعملية بناء السالم تتضمن مثل هذه الأنشطة، فلقد أصبح هذا المفهوم الجديد محط اهتمام كل الدول إذ أنه يعبر عن أولوياتهم وخططهم لتحقيق الديمقراطية والمصالحة.

فبناء السالم جاء ليكمل عمليات حفظ السالم وصنع السالم وهذا لتأسيس السالم الدائم والحفاظ على

النظام الدولي.

1ــ تعريف مفهوم بناء السالم.

يمكن القول أن الملامح الأولى لهذا المفهوم بدأت مع مبادئ ويلسون الأربعة عشرة التي كان ينظر إليها على أنها ركائز لديمومة السالم بعد الحرب العالمية الأولى، ووسيلة للحفاظ على المكتسبات التي تم إحرازها على طريق إرساء السالم، وذلك بواسطة إقامة سالم توفيقي وضمان ديمومته بإقامة مؤسسة دولية راعية له وهي عصبة الأمم، لكن هذا المفهوم بدأ

يتبلور مؤسساتياً مع تقرير الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي الصادر عام 1992 المعروف بخطة للسالم والذي قدم فيه رؤيته حول تعزيز وزيادة قدرة الأمم المتحدة على تحقيق مفهوم شاملٍ متكاملٍ إرساء السلم الأمن الدوليين، مضمناً إياه أربعة مصطلحات رئيسية تشكل حلقة متكاملة تبدأ بالدبلوماسية الوقائية و تستمر مع صنع السالم وحفظ السالم لتصل إلى مرحلة بناء السالم، ومنذ ذلك التاريخ والمفهوم متداولٌ في أدبيات السلم الأمن الدوليين (1)

وفي تقريره المقدم عام 1998 عن” أسباب الصراع والعمل على تحقيق السالم الدائم والتنمية

المستدامة في أفريقية “ذهب إلى القول: ” ما أقصده بعبارة بناء السالم بعد انتهاء الصراع هو

 

1 الإجراءات المتخذة في نهاية الصراع لتعزيز السالم ومنع عودة المجابهة المسلحة

(2)وكان تقرير الفريق رفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير الصادر عام2004 ، بأن بناء السالم يحقق انسجام عمل الأمم المتحدة مع التحديات الجديدة التي أضحى الأمن الدولي عرضةً له وفي هذا التقرير انطلقت فكرة إنشاء هيئة

مستقلة في منظومة الأمم المتحدة يوكل إليه مهمة بناء السالم، ولعل أبرز التحديات التي تعترض دراسة هذا المفهوم تتمثل في الافتقار لتعريف محدد متفق عليه لبناء السالم في حين أنه ثمة اختال فا على الصعيد الدولي في أسس وطبيعة عملية بناء السالم وفقاً للجهة التي تتناول هذا الموضوع ، فعلى سبيل المثال ترى الولايات المتحدة المريكية في بناء السالم عملية سياسية – اقتصادية وفقاً لمفاهيمها المتعلقة بكل جانب من هذه الجوانب ، في حين تؤكد بعض المنظمات الدولية ، كبرنامج المم المتحدة للتنمية في أن أولويات هذه العملية هي تحقيق التنمية وخلق ثقافة تُتيح مشاركة المجتمع المدني ،UNDP للوصول إلى حلول سلمية للنزاعات(3).

Galtung Johan :عمل على الدراسات الميدانية للسالم، ومنع نشوب الصراعات، “ويركز على مستويات حل النزاع خارج وداخل الدولة من قبل مجموعات بناء السالم ، ويهتم بدور النخب في هذه العملية بالتركيز على الأبعاد النفسية، الاجتماعية، الدينية وغيرها من الأبعاد في عملية بناء السالم على الصعيد المحلي و المستوى المجتمعي”.

Tshirgi Necla”: بناء السالم في جوهره يهدف إلى منع وحل النزاعات العنيفة، بتعزيز السالم بعد إن يكون العنف قد انقص منه ، وعادة بناء السالم لفترة ما بعد النزاع يهدف إلى تجنب الوقوع فيه مجددا، فبناء السالم يسعى لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، بما فيها من أسباب سياسة، هيكلية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية …”

ويجمع بين الوقاية من الحرب، حل النزاع وإعادة الاستقرار لما بعد النزاع ويوضح ان بناء السالم هو أفضل تصور لنشاطات موجهة نحو الأهداف المشتركة، وجوهره تعريف بناء السالم كأداة لبناء المؤسسات والبنى التحتية للدول التي عانت من الحروب ألأهلية والنزاعات، وبناء علاقات سلمية تقوم على أساس المنفعة المتبادلة بين الدول التي كانت في حالة حرب، وهذا بمعالجة الأسباب 1 العميقة للصراع.

كما يعرف جون بول ليدراخ بناء السالم “” بأنه مفهوم يضم العمليات التي يقوم بها الفواعل المحلية التي هي كل قوى المجتمع فردا وجماعة وكذا السلطة ،والفواعل الدولية من مؤسسات دولية ومؤسسات غير دولية ودول التي تهدف إلى إنعاش المجتمع المدني وإعادة بناء البنية التحتية واستعادة المؤسسات التي حطمتها الحرب أوالنزاعات الأهلية للمجتمعات،

وقد تسعى هذه العمليات إلى إقامة هذه المؤسسات إذا لم تكن موجودة بما يمنع نشوب الحرب مرة أخرى من شأنها تدفع  لتمتين عملية بناء السلام (4) “.

من خلال تحليل تعريفه نرى أنه حدد الفواعل في عملية بناء السالم أن بناء السالم ينطوي على البحث في الأسباب العميقة للنزاع من خلال إعادة بناء البنى التحتية ككل وهذا ما يدفع إلى انهاء النزاع ككل.

– حدد Lederach الفترة الزمنية لبناء السالم والتي يجب أن تكون طويلة المدى. كما يؤكد lederach ان بناء السالم شكل اساسي يعتمد على الدخول في عالقات.

—————————————

1 – رياض الداودي، تاريخ العالقات الدولية : مفاوضات السالم، دمشق، منشورات جامعة دمشق، الطبعة الخامسة،  1998 ،ص39؛

2-رياض الداودي، مرجع سابق الذكر،ص29؛

3- خولة محي الدين: دور الأمم المتحدة في بناء السالم ،مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية – المجلد – 27 العدد الثالث )2011.)ص491.

4- محمد احمد عبد الغفار، فض النزاعات في الفكر والممارسة الغربية، الجزائر، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،2003.ص22.

حمدوش رياض. أستاذ محاضر

دكتوراه في (علاقات دولية)

جهة العمل: كلية العلوم السياسية – جامعة قسنطينة 3 الجزائر