مداخل محفزة لـ “بناء السلام” في مناطق الصراعات

الأربعاء،20 آذار(مارس)،2019

(الحلقة الأولى)

 

د. خالد حنفي علي

باحث في الشئون الإفريقية

 

تشكل قضية “بناء السلام” إحدي أبرز المعضلات التي تواجه الدول المأزومة بالصراعات، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب. ذلك أن السلام -كمعني يستهدف أمن ورخاء وسكينة المجتمعات- ليس خيارا يسيرا كما إشعال الحرب، لأنه

يتطلب إحداث تغييرات عميقة في سلوك الأطراف المتنازعة، وأبنيتهم الاجتماعية المنتجة للعنف، بما يدفعهم إلي التعايش والتفاعل السلمي مع آخرين يختلفون عنهم في الأهداف والمصالح.

وبرغم أن ثمة اتفاقا في الأدبيات والممارسات العملياتية في مناطق الصراع حول أن “بناء السلام” Peacebuilding يستهدف بالأساس إقامة علاقات سلمية بين أطراف الصراع، بما يمنع أي ارتداد في المستقبل عن اتفاقات  وقف العنف، فإن ثمة اتجاهين أساسيين في هذا الشأن، هما:

1-  الاتجاه الأول، وهو الأكثر ذيوعا، ويحصر “بناء السلام” زمنيا وبرامجيا في ترتيبات ما بعد وقف الصراع المسلح، ويعني تشييد الهياكل والمؤسسات التي تساعد المجتمعات الخارجة من الحروب علي إزالة عوامل العنف. وفي هذا  الإطار، تظهر جملة من القضايا، والبرامج، والأنشطة، مثل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح البني التحتية المدمرة، وتسريح المقاتلين، وإعادة إدماجهم، وبناء المؤسسات القضائية والعدالة الانتقالية، وغيرها. وغالبا ما تتبني المنظمات  الأممية والإقليمية هذا الاتجاه لتمييزه عن مفاهيم أخري، كالدبلوماسية الوقائية، وحفظ السلام، وصنع السلام، كما تقضي “أجندة من أجل السلام” التي طرحها الدكتور بطرس بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في عام  .1992

2- الاتجاه الثاني والأخير، ويري بناء السلام من منظور أكثر شمولا وامتدادا في مراحل ومستويات الصراع المختلفة. إذ قد يسهم في جهود الإنذار المبكر، أو تهيئة وتأهيل المتنازعين لتقبل السلام، كما قد يستمر بعد توصل المتنازعين إلي  اتفاق لوقف العنف، عبر بناء الأطر والبرامج المختلفة لمنع الارتداد للصراع المسلح، كما يشملها الاتجاه الأول. وبهذا المعني الواسع، فعملية بناء السلام تشكل مسارا رابطا بين الأبنية القاعدية والفوقية في الصراعات من أسفل إلي أعلي  والعكس. أي بمعني أوضح، تخلق حواضن متدرجة دافعة للسلام في مراحل ومستويات الصراع المختلفة.

هنا، يتداخل بناء السلام مع مقاربات أخري، مثل منع الصراع، بل تسويته وتحويله، وإن كان يركز أيضا علي معالجة جذور العنف، ولعل ظهور الاتجاه الثاني جاء انعكاسا لتصاعد دور منظمات المجتمع المدني، سواء أكانت محلية أم  أجنبية، في مناطق الصراع، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وتعزي أهمية هذا الفهم لبناء السلام إلي أن الصراعات الداخلية صارت من التعقيد، والتمدد، والتقلب في دينامياتها داخل أبنية المجتمع وقضاياه (العدالة، الثروة، الهوية)، بما يصعب من تصور أن الاتفاقات السلمية لوقف العنف قد تكون  نقطة

بدء زمنية لمرحلة بناء السلام. فتلك الأخيرة قد تظل “عالقة”، أو حتي تبدأ برامجها وأنشطتها دون فعالية، لأن اتفاقات وقف العنف ذاتها قد تعاني تعطيلا عند إنفاذها، إذا ما نالت رفضا من بعض أطراف الصراع.

ويمكن الجمع بين اتجاهات فهم بناء السلام في مناطق الصراعات، والتي تقوم عليها فواعل رسمية وغير رسمية، عبر أكثر من منظور، الأول: ذو طبيعة بنائية، وتتعلق بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الأمنية، والسياسية، والقضائية،  والاقتصادية المدمرة في مرحلة ما بعد الحرب. الثاني: ذو طبيعة وقائية مستمرة تعمل علي بناء آليات للإنذار المبكر، تمنع تفجر العنف مجددا، كتدفق الأسلحة الصغيرة، وندرة الموارد، والهجرة، والنازحين وغيرها. الثالث: ذو طبيعة  تحفيزية وتأهيلية للسلام، وتتعلق أكثر بحفز وإعادة تأهيل البني المجتمعية قيميا، ونفسيا، وثقافيا باتجاه تكريس علاقات تعايش واستيعاب للآخر، وهو أمر يمتد في مراحل الصراع، وليس مقصورا علي لحظة وقف العنف.