مفهوم خطاب الكراهية في الشرعية الدولية (1/2)

الأربعاء،3 نيسان(أبريل)،2019

إعداد: شيماء الهواري – دكتورة في القانون العام والعلوم السياسية

تطرقت العديد من القوانين والمعاهدات الدولية إلى ضرورة تجريم خطاب الكراهية والرسائل التحريضية بشكل يردع كل من يحاول إثارة الفتن. وقد نص المشرع الدولي على مجموعة من المواد التي تحمي حق التعبير وإبداء الرأي والتدين والمعتقد والمساواة بين الجنسية وبين الأعراق والأصول البشرية…، وتعتبر تلك المواد من أهم ما أقرته المعاهدات والقوانين الدولية، إلا أن تطبيقها هو ما يشكل عائقا نحو إلغاء الكراهية على أسس طائفية أو دينية أو عرقية…، فأغلبية الدول التي صادقت على هذه القوانين والمعاهدات قامت بتشريع قوانين داخلية تدين الكراهية والتحريض، لكن عبر مواد ونصوص ملتوية أو غير متوازنة تتيح المجال لتأويلات متعددة. كما أن أغلب تلك الدول تحاول التغاضي عن مثل تلك التجاوزات خوفا من تفاقم أوضاعها الداخلية أو لكونها مؤيدة ضمنيا لتلك التصرفات أو أنها لا تتوفر على مؤسسات قضائية تستعين بها في حل هذا النوع من الجرائم أو تشريعاتها قاصرة عن التنفيذ.

*المعاهدات الدولية

لقد تطرقت مجموعة من القوانين الدولية والمعاهدات لمفهوم الكراهية وقامت بتحديده وتجريمه ومن أهم هذه القوانين والمعاهدات نجد:

1-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (2) “حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود». وعاود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (3) ضمانة «الحق لكل فرد في الحياة والحرية وسلامة شخصه”.

وأكد الإعلان في المادة (7) على أن “كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أية تفرقة، كما أن لهم الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا”. وفي المادة (18) من الإعلان تأكيد على أن “لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة”. وفي المادة (19) ضمانة كافية “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”. ونفس الشيء يتكرر في كلا المادتين (29) بكلا فقرتيها الأولى والثانية والمادة (30) أيضا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

2-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أعيد التأكيد في الفقرة الأولى من المادة (18) على أن “لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”. وفي الفقرة الثانية من نفس المادة “لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره” وفي الفقرة الثالثة من نفس المادة “لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية

السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية». ونصت المادة (19) على أن: ” 1-لكل إنسان حق في إعتناق أراء دون مضايقة، 2-لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق في حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما إعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة آخري يختارها، 3-تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية: -لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم؛ – لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة”.

وحظرت المادة (20) من العهد وبالقانون “أية دعاية للحرب” و “أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف”.

وبالتوقف أمام مدلولات المفاهيم والمصطلحات التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ نجد أن كل ما ورد من مفاهيم ومدلولات تتسق بطريقة أو بأخرى مع المفاهيم والدلالات المعجمية العربية لكلمة كره وإن جاءت في سياق الإعلان العالمي والعهد الدولي بمفاهيم أوسع وأرحب.

وهناك سلسلة من الضمانات الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على نحو: حرية التفكير والدين والضمير، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة والشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم جماعة، وحرية التعبير والرأي دون تدخل، ووجوب الاعتراف بحقوق الغير واحترامها، ولا تملك الدولة أو أية جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه.

واستخدم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كلمات: الحق في الفكر والوجدان ثم اختيار الدين الذي يدين به وفي إظهاره بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو جماعة وأمام الملأ أو على حدة… وحظرت المادة (20) من العهد وبالقانون أية دعاية للحرب وأية دعوى إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التميز أو العداوة أو العنف. وهذه هي الإشارة الأولى الأكثر وضوحا التي يتم فيها استخدام مدلولات مباشرة تختص بالدعاية للحرب التي تعني في أحد معانيها قتل الأخر وإقصاءه وبث خطاب كراهية ضده لتأليب الرأي العام عليه.

وفي الوقت الذي لم يستخدم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كلمة إكراه، فقد ذهب العهد الدولي لاستخدامها مباشرة في سياق تحريمه وتجريمه لبث الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية.

*مبادئ “كامدن”

وضعت منظمة المادة (19) تعريفا بدأ يأخذ مداه في الأوساط الإعلامية الدولية لخطاب الكراهية التي وضعتها منظمة المادة (19) مع العديد من الخبراء في سياق ما بات يعرف بـ “مبادئ كامدن في القانون والإعلام في العالم”.

أولا: مبادئ “كامدن” لتعريف خطاب الكراهية

بحسب مبادئ كامدن فإن الكراهية هي “حالة ذهنية تتسم بانفعالات حادة وغير عقلانية من العداء والمقت والاحتقار تجاه المجموعة أو الشخص المحرض ضده”. وتنص مبادئ كامدن في المبدأ (12) الفقرة الأولى على وجوب أن تتبنى جميع الدول تشريعا يمنع أي دعوة للكراهية على أساس قومي أو عرقي أو ديني مما يشكل تحريضا على التمييز أو العداء أو العنف. ويجب أن توضح الأنظمة القانونية الوطنية بشكل صريح أو عبر تفسير رسمي ما يلي: 1-أن كلمة الكراهية أو العداء تشير إلى مشاعر قوية وغير عقلانية من الازدراء، العداوة، أو البغض تجاه المجموعة المستهدفة؛ 2-إن كلمة دعوة تعني وجود نية لترويج البغض للفئة المستهدفة وبطريقة علنية؛ 3-إن كلمة تحريض تشير إلى التصريحات حول المجموعات القومية أو العرقية أو الدينية والتي تؤدي إلى خطر وشيك لوقوع التمييز أو العدائية أو العنف ضد أشخاص ينتمون إلى هذه المجموعات؛ 4-إن الترويج الإيجابي لهوية مجموعة معينة لا يشكل خطاب كراهية؛ 5-على الدول أن تمنع الإنكار أو التغاضي عن جرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية وجرائم الحرب فقط عندما تشكل هذه التصريحات خطاب كراهية على النحو في المبدأ ” 1/12″؛ 6-على الدول أن لا تمنع انتقاد أو مناقشة الأفكار أو المعتقدات أو الأيديولوجيات أو الديانات أو المؤسسات الدينية إلا عندما يشكل ذلك خطاب كراهية على النحو المعرف في ” 1/12″؛ 7-على الدول أن تضمن أن الأشخاص الذين تكبدوا أضرارا

حقيقية نتيجة خطاب كراهية كما هو محدد في المبدأ 1/12 لهم الحق في الانتصاف الفعال بما في ذلك التعويض المدني عن الأضرار؛ 8-على الدول أن تعيد النظر بإطارها القانوني لضمان أن أي ضوابط تتعلق بخطاب الكراهية تراعي ما هو مذكور أعلاه.

ولا شك أن هذه المبادئ تشكل أرضية يمكن من خلالها البناء عليها في إعادة تطوير التشريعات الوطنية التي يتوجب عليها إعادة تعريف الكراهية باعتبارها تطورا خطرا إذا تم استخدامها في سياقات سلبية تحض على التحريض والتمييز، دون أن يشكل ذلك أي انتقاص من حرية التعبير تحت ذريعة التشدد في القوانين لحماية المجتمع والفئات المستهدفة من خطاب الكراهية.

ثانيا: مبادئ “كامدن” حول حرية التعبير والمساواة

إن مبادئ كامدن حول حرية التعبير والمساواة ترتكز على فكرة أن حرية التعبير والمساواة هي حقوق جوهرية وأساسية، وأن حرية التعبير والمساواة هي حقوق مكملة لبعضها البعض، وتلعب دورا حيويا في حماية كرامة الإنسان وتضمن الديمقراطية وتعزيز السلم والأمن الدوليين. كما أن مبادئ كامدن أصبحت جزءا أساسيا معتمدا للتفرقة بين حرية التعبير المشروع وبين حرية التعبير الذي يحض على الكراهية والعنف والتمييز. ووصفت المادة (19) مبادئ كامدن بأنها: “تمثل تفسيرا تقدميا للقانون الدولي ومعاييره، ولممارسات الدولة المقبولة، وللمبادئ العامة للقانون المعترف به من قبل المجتمع الدولي”.

ولتبيان الحدود بين حرية التعبير وخطاب الكراهية آثرنا التوقف مع بعض مبادئ كامدن من أجل توضيح المبادئ والقيم الإنسانية الدولية التي تعتمد التفريق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية الذي يتوجب على دول العالم وضع حد له.

تحدد مبادئ كامدن (12) مبدأ تستند إليها في معالجة العلاقة بين حرية التعبير وبين خطاب الكراهية وأين يمكن للحكومات التدخل لمنع خطاب الكراهية، وأين يمكن أن تصمت تجاه منح حرية التعبير مساحة أوسع. ويدعو المبدأ الأول إلى التصديق وإدماج قانون حقوق الإنسان؛ فعلى جميع الدول أن تصدق وتفعل في القانون المحلي عبر الإدماج أو بطرق أخرى المعاهدات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي تضمن حقوق المساواة وحرية التعبير. وتناول المبدأ الثاني الحديث عن الإطار القانوني لحماية حق حرية التعبير؛ قائلة أن على الدول أن تضمن حق حرية إبداء الرأي والتعبير من خلال أي وسيلة اتصال بما في ذلك الحق بالمعلومات مكفول في الأحكام الدستورية المحلية أو ما يوازيها وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى الدول أن تضمن بأن الأحكام الدستورية المحلية تحدد بوضوح نطاق القيود المسموح بها على حق حرية التعبير، على أن تحدد هذه القيود بقانون يعرفها بدقة لخدمة مصلحة مشروعة ينص عليها الدستور وأن تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية هذه المصلحة. كما على الدول أن تنشئ إطارا قانونيا واضحا لحماية حق الحصول على المعلومات بما في ذلك حق الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة وتشجيع النشر الإستباقي لها.

وتناول المبدأ الثالث الإطار القانوني لحماية حق المساواة؛ بمطالبة الدول بضمانة حق المساواة في أحكام الدستور المحلي أو ما يعادلها وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويتوجب أن تتضمن القوانين المحلية النص على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ولهم الحق في حماية قانونية متساوية، ولكل إنسان الحق في عدم التعرض للتمييز على

أساس: الأصل أو النوع أو العرق أو الدين أو المعتقد أو الإعاقة أو العمر أو التوجه الجنسي أو اللغة أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الجنسية أو الملكية أو الميلاد أو أي وضع آخر. وقالت مبادئ كامدن أنه يجب أن: “يحافظ على قيم الخدمة العامة في وسائل الإعلام وتقويتها”، وذلك عبر تحويل أنظمة وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة أو الحكومة إلى نظام هيئات الخدمة العامة، وعبر تقوية شبكات البث العامة القائمة، وتأمين التمويل الملائم لوسائل إعلام الخدمة العامة وذلك ضمانا للتعددية وحرية التعبير والمساواة في مشهد إعلامي متغير.

ورأت مبادئ كامدن أن: “لوسائل الإعلام الجماهيرية دورا أخلاقيا ومسؤولية اجتماعية”، وعليها التأكد من تنوع قواها العاملة وصفاتها التمثيلية للمجتمع ككل، وأن تتناول المسائل التي تثير اهتمام جميع فئات المجتمع قدر المستطاع، وأن تبحث عن المصادر والآراء المتعددة ضمن المجتمعات المختلفة بدلا من تمثيل هذه المجتمعات ككتلة واحدة متجانسة، والالتزام بتوفير المعلومات بأعلى المستويات التي تراعي المعايير المهنية والأخلاقية المعترف بها. كما دعت إلى وضع ضوابط للمرافق الإعلامية العامة تحظر نشر صور نمطية سلبية للأفراد أو الجماعات، على أن يلزمها نطاق عملها تشجيع التفاهم ما بين الثقافات وتعزيز فهم أفضل لمختلف المجموعات والقضايا التي يواجهونها، ويجب أن يشمل ذلك بث برامج تصور مختلف الجماعات على أنهم أفراد متساوون في المجتمع.

وحثت مبادئ كامدن السياسيين وغيرهم من الشخصيات القيادية في المجتمع أن يمتنعوا عن إطلاق تصريحات تروج للتمييز أو تقوض مبدأ المساواة، وعليهم الاستفادة من موقعهم لنشر التفاهم بين الثقافات والاعتراض عند الضرورة على التصريحات والممارسات التمييزية ضد الآخرين. وفيما يتعلق بالتحريض على الكراهية تم دعوت جميع الدول لأن تتبنى تشريعا يمنع أي دعوة للكراهية على أساس قومي أو عرقي أو ديني مما يشكل تحريضا على التمييز أو العداء أو العنف.

*الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والرأي وخطاب الكراهية

يستخدم توصيف خطاب الكراهية عادة للإشارة إلى الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية…، وتتمثل القضية في جوهرها في المدى المناسب أو الحد المقبول للحد من الحق في حرية التعبير، عندما تكون وجهات النظر التي يتم الإعراب عنها تؤيد تحديد حقوق الآخرين أو التعدي عليها. وتمثل إحدى المشاكل في أن الخطاب قد يكون مجرد مسألة وجهة نظر، فخطاب كراهية شخص ما قد يكون الرأي المشروع لشخص آخر، وبالتالي هناك عزوف عام عن فرض قيود على ما يمكن أن يقال:

إن التمييز بين حرية الرأي وخطاب الكراهية هو أمر ينطوي على قدر كبير من المشقة ذلك أن مفهوم خطاب الكراهية من الصعوبة بمكان تعريفه بصورة جامعة، ولكن قد يفيدنا في هذا السياق النظر إلى ما يتم تداوله حاليا بوصفه توصيفا لخطاب الكراهية؛ وتحديدا وجهة النظر القائلة بأنه ضرب من الخطاب قد يتضمن كلمات أو صورا تستهدف بنوع من الانتقائية جماعة ما.

إن الكلمات بحد ذاتها حينما تصدر عن سلطة ما تستهدف ليس فقط جماعة وإنما فردا بعينه فإنها تتحول كذلك إلى خطاب للكراهية، وهو خطاب لا يحتوي على كلمات فقط بل كلمات لها قوة الأفعال نفسها، وذلك الأمر يعود بنا مرة أخرى إلى تبين المأزق الحقيقي في رسم الحدود الفاصلة بين حرية الرأي وخطاب الكراهية، إذ لا تبدو فكرة إصدار تشريعات محددة للقضاء على خطاب الكراهية ناجعة فذلك يتطلب في حالات كثيرة وضع قيود على الكلمات وفرز وتعيين للأشخاص الذين يتمتعون بسلطة ما والذين يبرهنون على صدق مقولة. الكلمات ليست فقط محض ألفاظ بل هي أفعال.

وتلك في حقيقة الأمر ليست المعضلة الوحيدة في هذا السياق، إذ أن حرية الرأي ليست محددة فقط بالفضاء السياسي بل إنها تتحرك في فضاءات مختلفة مثل وسائل الإعلام المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي والمنجز الأدبي والفني والموسيقي وكذلك الأفعال الرمزية. وسيتطلب الأمر أكثر من مجرد سن تشريعات وضوابط لتقييد حرية الرأي أو القضاء على خطاب الكراهية. وفي حين تلوح هذه المعضلة بأنها مرشحة للبقاء أمدا طويلا فإن البعض ينظر إلى مبدأ حرية الرأي وخطاب الكراهية بوصفهما محددين مهمين للدرجة التي بلغها المجتمع في تمدنه وتحضره وقيمه الأخلاقية.

ولعل أول تعريف أمريكي لخطاب الكراهية صدر في الولايات المتحدة سنة 1993 ضمن قانون لـ “الاتصالات السلكية واللاسلكية وإدارة المعلومات”، أصدره الكونغرس الأمريكي، وعرف خطاب الكراهية فيه بأنه: “الخطاب الذي يدعو إلى أعمال العنف أو الجرائم الكراهية الخطاب الذي يخلق مناخا من الكراهية والأحكام المسبقة التي قد تتحول إلى تشجيع ارتكاب جرائم الكراهية”.

وفي أغلب الديمقراطيات، لا يعتبر خطاب الكراهية شكلا من أشكال حرية التعبير التي تحميها القوانين، كما أنه لا يأخذ شكلا معينا وهو الكلام المباشر الواضح، فقد يكون بالتصرف أو الإيحاء أو الكتابة أو حتى الإشارة. ولكن تعريف التحريض أو خطاب الكراهية بشكل دقيق علميا هو أمر عقيم وهذا يرجع تحديدا لأنهما يتقاطعان ويغطيان طيفا واسعا من السلوكيات اللفظية والرمزية.

وترى مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “نافي بيلاي” أن: “التوصل إلى تعريف قوي وواضح ومشترك لخطاب الكراهية، إذا كان مرغوبا فيه على الإطلاق، تزيده تعقيدا حقيقة أن الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يتناولان المسألة بطريقتين مختلفتين”. ورأت أن: “من الضروري إجراء تمييز دقيق بين أشكال التعبير التي ينبغي أن تشكل جرما بموجب القانون الجنائي؛ وأشكال التعبير غير المعاقب عليها جنائيا ولكنها قد تبرر رفع دعوى مدنية؛ وأشكال التعبير التي لا تستوجب إنزال جزاءات ولكنها قد تثير شواغل فيما يتعلق بالتسامح والكياسة والاحترام، مثل العنصرية في الرياضة”. وتؤكد “بيلاي” على صعوبة “التمييز بين خطاب الكراهية والخطاب الذي لا يتعدى كونه مجرد كلام مسيء”، لأنه لا يوجد تعريف لخطاب الكراهية متفق عليه بشكل جازم في القانون الدولي، وربما ينبغي ألا يكون هناك تعريف له، ولدينا، بدلا من ذلك عدد من النهج الإقليمية والوطنية المختلفة اختلافا طفيفا، وبعض البلدان تحمي خطاب الكراهية إلا إذا كان الخطاب يحرض فعلا على عنف وشيك، بينما توجد، في الجانب الآخر، تقييدات صارمة مفروضة على الكلام في بعض البلدان في سياق إنكار محرقة اليهود، أو في بلدان أخرى لحماية العقيدة أو الرموز الدينية.