مفهوم خطاب الكراهية في الشرعية الدولية (2/2)

الخميس،4 نيسان(أبريل)،2019

إعداد: شيماء الهواري – دكتورة في القانون العام والعلوم السياسية

*مجابهة خطاب الكراهية في الشرعية الدولية

لم تترك الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان خطاب الكراهية والتحريض على التمييز وعلى إلغاء الآخر دون معالجة، ولكن من المؤكد تماما أن حدود خطاب الكراهية تتداخل بطريقة أو بأخرى مع حق الحرية في التعبير، مما يخلق مشكلة كبيرة في تحديد أين تبدأ حدود التعبير وأين تنتهي، ومتى يتحول التعبير إلى خطاب كراهية، ولماذا منحت الشرعية الدولية الدول الحق بوضع قوانين تحدد وفي حالات محدودة جدا حرية التعبير.

1-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

لقد منحت المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة”. أم أن هذا الحق غير قابل بالمطلق للانتقاص من قيمته الأخلاقية والقانونية؛ يعني وبالضرورة عدم السماح لأية سلطة أو جهة أو شخص بالاعتداء على هذا الحق بأي شكل من الأشكال سواء بالاعتداء المباشر أو بالاعتداء بالكلمات وبالتحريض وبالانتقاص من قيمة هذا الحق؛ مما يعني وبالضرورة عدم إفساح أي مكان لخطاب الكراهية في هذا الحق. وعاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (19) للتأكيد على هذا الحق بأن: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقييد بالحدود الجغرافية”.

إن هذه المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تضمنت أولا – تشديدا على مبدأ حرية الرأي، وثانيا – فإن النص نفسه يقارب في حقيقة الأمر وجها واحدا من وجوه خطاب الكراهية وتحديدا ذلك الذي يتمظهر في الفضاء الدعائي، وربما كان ذلك تفاعلا مع الآثار المدمرة التي خلفتها أيديولوجيات الكراهية في منتصف القرن المنصرم. غير أن خطاب الكراهية في زمننا الراهن أصبح قوامه الكلمات الجارحة التي تلحق أذى معنويا ونفسيا بالأفراد، ما جعلنا نشهد انتقالا من فكرة الدعاية إلى فكرة الإهابة، أي بمعنى آخر؛ تحول خطاب الكراهية إلى عملية تستخدم فيها الكلمات لمهاجمة شخص ما بصورة مباشرة بدلا من خطاب دعائي يعمل على تحريض طرف ثالث على الكراهية.

2-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أكثر وضوحا في استخدام مصطلح الكراهية وتجريمه وأكثر وضوحا مما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فقد تم تحديد المعايير الدولية بشأن مسألة خطاب الكراهية من خلال التوازن في المادتين (19) و (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والضمانات السابقة هي الحق في حرية التعبير؛ ويشمل هذا الحق الحرية في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها، والتماس الأفكار من جميع الأنواع بصرف النظر عن الحدود.

لقد أعيد التأكيد في العهد الدولي في الفقرة (1) من المادة (18) على أن: “لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”. وفي الفقرة (2) من نفس المادة “لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره”. وحظرت المادة (20) من العهد وبالقانون «أية دعاية للحرب وأية دعوة إلى الكراهية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف”.

ويلاحظ أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد ضمن في مادته (19) الحق في حرية الرأي والتعبير، لكن الحق في حرية التعبير على خلاف القانون المتعلق بالإبادة الجماعية والتعذيب والرق والجرائم ضد الإنسانية على سبيل المثال، ليس مطلقا، ومن ثم فإن المادة (19) من العهد الدولي تسمح بفرض قيود معينة عندما تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وبالإضافة إلى ذلك فإن المادة (20) من العهد تقضي فعلا بحظر أية دعاية للحرب وأية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداء أو العنف.

3-خطة “عمل الرباط”

إن وثيقة عمل الرباط تعتبر حتى الآن من أفضل إستراتيجيات العمل الدولية المتعلقة بمكافحة خطاب الكراهية. وقد رأت الوثيقة أن أنحاء مختلف من العالم قد شهدت في السنوات الأخيرة عدة أحداث سلطت الضوء مجددا بمسألة التحريض على الكراهية. كما أن الكثير من النزاعات التي حدثت خلال العقود الماضية قد تضمنت عنصر التحريض على الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية. ورأت الوثيقة أن احترام حرية التعبير هو عامل حاسم  لضمان الديمقراطية والتنمية البشرية المستدامة وكذلك لتعزيز السلام والأمن الدوليين.

ووصفت الوثيقة معظم القوانين المناهضة للتحريض في البلدان المختلفة في أنحاء العالم بالمتباينة وأحيانا قاصرة جدا أو فضفاضة. كما أن الاجتهادات القضائية حول التحريض على الكراهية هي حتى الآن نادرة ومرتجلة، وأن معظم تلك السياسات تتسم بالعموميات ولا تتبع بصورة منهجية وتفتقر إلى التركيز على المحرومين وتنقصها التقييمات المناسبة. وقسمت وثيقة عمل الرباط نتيجة أعمالها ومناقشاتها إلى مجموعة من الأقسام:

*الجانب التشريعي

خلصت وثيقة عمل الرباط في الجانب التشريعي إلى عدم وجود أي حظر قانوني للتحريض على الكراهية في العديد من الأطر القانونية الوطنية عبر العالم، كما أن التشريعات التي تحظر التحريض على الكراهية تستخدم مصطلحات متفاوتة وهي غالبا غير منسجمة مع المادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وكلما توسع تعريف التحريض على الكراهية في القوانين الوطنية، ازدادت الاحتمالات بفتح باب التطبيق التعسفي لتلك القوانين. كما أن المصطلحات المتعلقة بمخالفات التحريض على الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تختلف باختلاف البلدان مما يزيد في غموضها نوعا ما. في حين يجري تضمين التشريعات الوطنية أنواعا جديدة من القيود على حرية التعبير. وينجم عن ذلك مخاطر الوقوع في خطأ تفسير المادة (20) من العهد الدولي، وإضافة قيود على حرية التعبير غير وارد في المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ودعت خطة الرباط الدول للتصديق على الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان ذات العلاقة وتطبيقها بفعالية، وإزالة أي تحفظات بشأنها، واحترام التزامها بتقديم التقارير بموجبها. كما ينبغي على الدول التي لديها قوانين ازدراء الأديان أن تلغي تلك القوانين لما لها من تأثير خانق ويكبت التمتع بحرية الدين أو المعتقد وتعيق إقامة حوارات ونقاشات صحية حول الدين، وعلى الدول أن تتبنى تشريعات شاملة مناهضة للتمييز تتضمن إجراءات وقائية وعقابية لمكافحة التحريض على الكراهية بكل فعالية.

*الجانب القضائي

خلصت خطة عمل الرباط في الجانب المتعلق بالقضاء إلى جملة نتائج من بينها؛ ضرورة وجود هياكل أساسية قضائية مستقلة يتم إحاطتها دوريا بمستجدات المعايير والسوابق القضائية العالمية، وأن يتصرف أعضاؤها على أساس النزاهة والموضوعية واحترام قواعد الإجراءات القانونية الصحيحة، وذلك لضمان تقييم وقائع أي حالة فردية وشروطها القانونية بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وينبغي أن يستكمل ذلك بضوابط وتوازنات أخرى لحماية حقوق الإنسان مثل المؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان المنشأة وفقا لمبادئ باريس.

وأشارت إلى أنه نادرا ما يتم اللجوء إلى الآليات القضائية وشبه القضائية في إدعاءات التحريض على الكراهية، ويحدث كثيرا أن يكون الضحايا من الجماعات المحرومة أو المستضعفة، لكن السوابق القضائية بشأن حظر التحريض على الكراهية ليست متوافرة في جميع أنحاء العالم.

السياسات العامة

وفي النتائج التي توصلت إليها خطة عمل الرباط فيما يتعلق بالسياسات العام قالت؛ إذا كان اتخاذ الإجراءات القانونية كرد فعل أمرا هاما فالتشريع ليس سوى جزء من جملة أدوات أوسع للرد على تحديات خطاب الكراهية، لذا ينبغي استكمال أي تشريع في هذا الشأن بمبادرات نابعة من مختلف قطاعات المجتمع وهادفة لتحقيق مجموعة متعددة من السياسات العامة والممارسات والتدابير التي تعزز الوعي الاجتماعي والتسامح وتفهم المزاج العام، ويكون ذلك بقصد إيجاد ثقافة السلام والتسامح والاحترام المتبادل بين الأفراد والموظفين العموميين وأعضاء السلطات القضائية وتعزيز تلك الثقافة، بالإضافة إلى رفع مستويات الوعي الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية في أوساط المؤسسات الإعلامية والقيادات الدينية والاجتماعية. وثمة مسؤولية جماعية على الدول ووسائل الإعلام والمجتمعات في تأمين التحدث علنا ضد أعمال التحريض على الكراهية والتصدي لها بالتدابير الملائمة وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

واقترحت خطة الرباط على الدول دراسة إنشاء هيئات معينة بالمساواة أو تعزيز هذه المهمة في إطار المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان المنشأة وفقا لمبادئ باريس مع صلاحيات موسعة في مجال رعاية وتعزيز الحوار الاجتماعي، وكذلك في ما يتعلق بتلقي الشكاوى حول حالات التحريض على الكراهية. ولضمان فعالية مثل هذه المهمات يجب اعتماد مبادئ توجيهية جديدة ومعايير وممارسات فضلى، وذلك لتلافي الممارسات التعسفية وتدعيم التماسك الدولي.

4-الإعلان العالمي الأممي المشترك حول التشهير بالأديان

صدر الإعلان المشترك بشأن تشويه صورة الأديان ومكافحة الإرهاب والتشريعات المكافحة لتطرف في الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأعرب الموقعون على الإعلان المشترك عن قلقهم بشأن القرارات المتعلقة بالتشهير بالأديان التي تم تبنيها من قبل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وخليفتها مجلس حقوق الإنسان منذ 1999 والجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 2005. وأكد الموقعون على أن هناك فرقا هاما بين انتقاد الدين أو المعتقد أو المدرسة الفكرية والهجوم على الأفراد بسبب التزامهم بذلك الدين أو المعتقد، ومعبرين عن قلقهم بشأن انتشار قوانين مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف في القرن الحادي والعشرين وعلى الأخص بعد هجمات أيلول/ سبتمبر 2001، التي تفيد بشكل غير لازم حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. وقال الموقعون أن مفهوم التشهير بالأديان لا يتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة بالتشهير والتي تشير إلى حماية سمعة الأفراد، بينما لا يمكن أن يقال أن الأديان مثلها مثل كافة الإعتقادات لديها سمعة بحد ذاتها.

ويلاحظ أن الإعلان المشترك ربط بين خطاب الكراهية والإرهاب ومكافحتهما باعتبارهما يشكلان خطرا واحدا وأنهما صورتان لعملة واحدة، ولذلك دعا الإعلان المشترك إلى تقييد تعريف الإرهاب على الأقل من حيث علاقته بالقيود على حرية التعبير وحصره في جرائم العنف التي تكون دوافعها أيديولوجية أو دينية أو سياسية أو جريمة منظمة والتي تستهدف التأثير على السلطات العامة من خلال ترويع المواطنين. وطالب الإعلان المشترك باحترام دور الإعلام كأداة رئيسية لتحقيق حرية التعبير وتوعية الجمهور في كافة قوانين مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف، فللجمهور حق معرفة الأعمال الإرهابية التي ترتكب أو المحاولات الإرهابية ولا ينبغي معاقبة وسائل الإعلام بسبب تقديم تلك المعلومات.

كما دعا الإعلان المشترك إلى تطبيق القواعد الاعتيادية المتعلقة بحماية سرية المصادر الصحفية للمعلومات بما في ذلك النص على أن تلك القواعد يمكن إبطالها فقط بقرار من محكمة باعتبار أن الوصول إلى ذلك المصدر يعتبر أمرا هاما لحماية مصلحة عامة طاغية أو حق خاص لا يمكن حمايته بطرق أخرى في سياق إجراءات مكافحة الإرهاب كما هو الحال بالنسبة للظروف الأخرى.

لخاتمة

لقد كان لخطاب الكراهية الذي تبته بعض وسائل الإعلام بدعم حكومي مباشر وغير مباشر الضربة القاضية التي دمرت الشرق الأوسط ونسفت قناعات وقيم جيل بأكمله باسم الله، يقول جبران خليل جبران “أيها المراؤون… توقفوا عن الدفاع عن الله بقتل الإنسان ودافعوا عن الإنسان كي يتمكن من التعرف إلى الله”.