تغير مسار النزاعات عالميا واثرها على المجتمعات

السبت،13 نيسان(أبريل)،2019

(الحلقة الأولى)

فهيل جبار جلبي *  

إن عدد وطبيعة النزاعات قد تغير بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة وخصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، ذلك أن معظم النزاعات في وقتنا الحاضر تتم داخل حدود الدولة، بينما كانت اغلب النزاعات فيما مضى تدور رحاها بين الدول، ولم تعد الحروب تجري داخل ساحات القتال بين جيوش من العسكريين المحترفين، وإنما أصبحت تجري داخل المدن والقرى على أيدي الميليشيات والجماعات غير المحترفة نتيجة الأيديولوجيات الدينية والسلالية والعرقية والسياسية والاقتصادية.

لذلك  فان اغلب الضحايا في نزاعات اليوم هم من المدنيين، وكذلك فإنها تتسبب في نزوح وهجرة الآلاف من السكان إلى الدول الأخرى نتيجة للعنف الذي يتعرضون له وانتهاك حقوقهم دون مسوغ.

في السنوات الأخيرة ازداد عدد النزاعات الداخلية حول العالم مبتدئا ب (19) في عام 1997، ثم ارتفع إلى (26) في عام 1998 وهي سنة الذروة، وتراجع الرقم بانتظام بين عامي 1999 و 2005 وحافظ على ثباته في عام 2006. وتجدر الإشارة إلى أن النزاعات نفسها التي كانت قائمة في عام 2005 بقيت قائمة في عام 2006، ولم يسجل نزاع بين الدول للسنة الثالثة على التوالي بل انه خلال الفترة بأكملها (1997_2006) وقعت ثلاثة نزاعات بين الدول فقط: اريتريا_ إثيوبيا (1998_2000)، والهند – باكستان (1997_2003)، والعراق – الولايات المتحدة وحلفائها (2003). وقد نشبت النزاعات أل(31) المتبقية المسجلة في هذه الفترة داخل الدول وكانت تتعلق بالسلطة الحكومية (21) منها، وتتعلق بالأرض (10) منها، وفي عام 2006 صنفت ثلاثة نزاعات داخل الدولة بأنها مدولة… أي تشمل قوات من دولة كانت خارج النزاع الأساسي لمساعدة احد الأطراف: النزاع بين الحكومة الأفغانية وطالبان، والنزاع بين الحكومة العراقية والمجموعات المتمردة العديدة، والنزاع بين الحكومة الأمريكية والقاعدة.

إلى أن كل هذه النزاعات كانت مرتبطة ب (الحرب العالمية على الإرهاب) التي تقودها الولايات المتحدة، وفي الحالات الثلاث ساهمت الدولة الخارجية بقوات في الجانب الحكومي من النزاع. إن للنزاعات آثارها الخطيرة على الدولة سواء من الناحية الإنسانية لإمكانية سقوط العديد من الضحايا بين قتلى وجرحى، كذلك من الناحية السياسية تهدد الدولة في كيانها السياسي إذ قد تؤدي إلى انفصال إقليم من أقاليم الدولة وتكوين كيان سياسي مستقل مما قد يدفع أقاليم أخرى إلى التطلع للقيام بمثل هذه النزاعات أملا في الحصول على استقلالها عن الدولة الأم وهو ما حدث أبان انهيار الاتحاد السوفيتي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، ولا تتوقف آثار هذه النزاعات عند هذا الحد بل قد تكون لها آثارها التدميرية للمنشآت الاقتصادية بالإضافة إلى أنها تعمل على هروب الاستثمارات سواء في ذلك المحلية أو الدولية، ونظرا لخطورة هذه الآثار فإننا سنبينها كما يأتي:

أولا – الاثار الانسانية :- 

إن الآثار الإنسانية للنزاعات الداخلية خطيرة جدا بسقوط العديد من الضحايا المدنيين الأبرياء بين قتلى وجرحى، وهذا ما اعترف به الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق (دي كويار) عندما أعلن بمناسبة احتفال للمنظمة بعيدها الأربعين أن (2) مليون شخص لقوا حتفهم في نزاعات داخلية مسلحة. وتعد الحروب والنزاعات الداخلية من ابرز الأسباب التي تؤدي إلى انتهاكات الحق في الحياة بشكل كبير لأنها توقع عددا كبيرا من القتلى في صفوف المدنيين الأبرياء كما هو الحال في السودان والصومال والعراق. ففي الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 تراوح عدد القتلى مابين (580,625_1,00700) من المدنيين والعسكريين من كلا الجانبين وخصوصا الجانب العراقي.

أما في الحرب الأهلية في السودان والتي استغرقت حرب الجنوب منها (21) عاما وانتهت بسلام هش عام 2005 حصدت التصفيات أكثر من مليون ونصف شخص وتشريد ما يقرب من خمسة ملايين، واتسع نطاق الحرب الأهلية لتظم مناطق جديدة في إقليم دارفور وغيرها.

كذلك الحرب الأهلية في الجزائر التي اندلعت بين القوات الحكومية و الإسلاميين حصدت ما بين (100_200) ألف قتيل، وكانت الحرب الأهلية في سيراليون قد حصدت أكثر من نصف مليون شخص للفترة ما بين أعوام 1991 إلى 2002. بالنسبة للغزو الأمريكي للعراق أو حرب الخليج الثالثة (حرب العراق أو احتلال العراق أو حرب تحرير العراق أو عملية حرية العراق)…هذه بعض من أسماء كثيرة أستعملت لوصف العمليات العسكرية التي وقعت في العراق سنة 2003 والتي أدت إلى احتلال العراق عسكريا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدة دول مثل بريطانيا واستراليا وبعض الدول المتحالفة مع أمريكا حسب تعريف مجلس الأمن لحالة العراق في قانونها المرقم 1483 في 2003. ومن الأسماء الأخرى التي أطلقت على هذا الصراع هي “حرب العراق” وحرب الخليج الثالثة و”عملية تحرير العراق” وأطلق المناهضون لهذا الحرب تسمية “حرب بوش” على هذا الصراع أو حرب احتلال العراق. وهذه أرقام حسب إحصاءات 08 نيسان أبريل 2007 تبين الخسائر البشرية: القتلى من المدنيين العراقيين الذين ثبت وفاتهم بوثائق شهادة الوفاة : 90,149 2008 القتلى من المدنيين العراقين بدون وثائق شهادة الوفاة: 47،016الى 52،142(95% نسبة الدقة) القتلى من القوات الأمريكية: 4000 الجرحى من القوات الأمريكية: 24314 القتلى من القوات الأخرى: المملكة المتحدة (140)، إيطاليا (33)، اوكرانيا (18)، بولندا (17)، بلغاريا (13)، اسبانيا (11)، دانمارك (6)، أستراليا (2) اشارت دراسة مسحية اجرتها مجلة لانسيت الطبية البريطانية إلى أن 655000 عراقي قتلوا منذ بداية الغزو الأمريكي في 19 اذار مارس 2003 وحتى 11 تشرين ثاني أكتوبر 2006 قالت الأمم المتحدة ان نحو 34000 عراقي قتلوا خلال عام 2006 فقط حسب إحصاءات قوات التحالف فإن الخسائر البشرية في صفوفها كانت كالتالي: الولايات المتحدة – قُتل 294 جنديا (114 منهم بنيران العدو، 145 في حوادث، و 35 بنيران صديقة) وجُرح 467. المملكة المتحدة – 47 (38 بنيران العدو، و 9 بنيران صديقة). السعودية – 18. مصر – 11. الإمارات العربية المتحدة – 6. سوريا – 2. فرنسا – 2. الكويت – 1. كما تعرضت 75 طائرة للتدمير، منها 27 طائرة تعطلت لأسباب غير حربية. وتكبدت الولايات المتحدة معظم الخسائر في الطائرات بمجموع 63 طائرة و 23 مروحية. وتعد الحرب الاهلية في كولومبيا من أكثر الحروب الأهلية عنفا فقد استمرت أكثر من أربعة عقود وحصدت الملايين من القتلى، أما الحرب اللبنانية التي وقعت منذ ديسمبر 1975 والتي استغرقت 15 عاما كانت من نتائجها مقتل أكثر من (200) ألف شخص مورست خلالها عمليات القتل على الهوية الطائفية في مراحلها الأخيرة.

بالإضافة إلى ذلك فان الدول التي تشهد نزاعات داخلية تبرز فيها مشاكل اللاجئين والنازحين داخليا ودوليا وهذا ما هو عليه الحال في معظم الدول الأفريقية حيث بلغ عدد اللاجئين في هذه القارة أكثر من (4,3) مليون لاجئ في عام 1997، في حين بلغ عدد العائدين فيها (1,7) مليون، وقد شهدت أفريقيا خلال التسعينات من القرن السابق امتداد النطاق الجغرافي لحالة اللجوء فيها وذلك من حقيقة ارتباط ظاهرة اللجوء بالنزاعات الداخلية في الدول الأفريقية، ومن أمثلة ذلك انجولا وبوروندي وتشاد والكونغو وجيبوتي واريتريا وإثيوبيا وغانا وليبيريا ومالي وموزنبيق والنيجر ونيجيريا ورواندا والسنغال وسيراليون والصومال والسودان وتوجو وأوغندا، ليصبح عدد اللاجئين عند بداية عام 2000 في بلدان شرق أفريقيا والقرن الأفريقي حوالي (1,6) مليون لاجئ، و(475) ألف لاجئ في بلدان وسط أفريقيا، و(575) ألف لاجئ في بلدان شمالي أفريقيا، و(238) ألف لاجئ في بلدان جنوبي أفريقيا، و(834) ألف لاجئ في بلدان غربي أفريقيا، أي أن مجموع عدد اللاجئين في أفريقيا بلغ حينذاك حوالي (3,52) مليون لاجئ. ومن ابرز الأمثلة على النزوح واللجوء إلى الدول الأخرى ما تعرض له التوتسي في رواندا من قبل الهوتو حيث أدت الحرب الأهلية إلى لجوء أعداد ضخمة من السكان في عام 1994 قدر عددهم بين 2 و3 ملايين شخص وهو رقم يعادل ربع سكان رواندا.

وقد أشارت تقارير مركز مراقبة النزوح الداخلي التابع للمجلس النرويجي لللاجئين في نهاية عام 2008 إلى أن عدد النازحين بلغ (11,6) مليون نسمة في أفريقيا، و(4,5) مليون في الأمريكيتين، و(3,9) مليون في الشرق الأوسط، و(3,5) مليون في جنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا، و(2,5) مليون في أوروبا واسيا الوسطى. وقد توالت عدد من حالات النزوح في لبنان منذ الحرب الأهلية التي وقعت بين الأعوام من 1975 و1990 والغزوات والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان طوال 18 عاما، وقد أدى النزاع المسلح العنيف الذي وقع في منتصف عام 2008 في مدينة طرابلس إلى نزوح آلاف الأسر بشكل مؤقت، فقد أدى العنف الطائفي بين الطائفتين السنية والشيعية إلى نزوح العديد من الأسر السنية في المدينة، في حين هربت أغلبية الأسر الشيعية النازحة تقريبا إلى مناطق أخرى من البلاد، وفي نفس الفترة قتل مئات الآلاف من الأشخاص أو أصيبوا بجروح أو عوقوا، كما اخرج أكثر من (800000) شخص من منازلهم.

كما انه في النزاعات قد يترتب عليها عمليات واسعة للتنكيل بالأفراد التابعين لهذا الطرف أو ذاك، إذ يتعرض الضحايا لعمليات التعذيب والاعتداء الجنسي وعمليات هتك العرض، كذلك تؤثر على الأسرة ويتعرض الأطفال لسوء التغذية، حيث بلغ معدل سوء التغذية نتيجة للتشرد (20%) بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن (5) سنوات لدى اللاجئين وخاصة بين الأطفال الروانديين في زائير عام 1994، ووصلت إلى (50%) في الصومال سنة 1992.

———————————————————-

*مدرس مساعد في سكول القانون/ جامعة دهوك