تصريحات تركيا وممارساتها محاولات لطمس الهوية الكردية*

السبت،20 تموز(يوليو)،2019

تصريحات تركيا وممارساتها محاولات لطمس الهوية الكردية*

بقلم القاضي: رياض علي
لا شك إن الهجوم المسلح الذي تم في أحد مطاعم هولير/أربيل في عز الظهيرة بتاريخ 17 من هذا الشهر، والذي نتج عنه مقتل ثلاثة أشخاص من بينهم نائب القنصل التركي في كردستان العراق، هو عمل جبان ومدان بكل المقاييس، وقد سارعت حكومة الإقليم على الفور، وعلى لسان المتحدث الرسمي باسم الحكومة “جوتيار عادل” إلى إدانة هذا العمل ووصفته بالعمل الإرهابي المدبر والمقصود، وفي اليوم التالي قامت مؤسسة مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان، بنشر صورة لأحد الأشخاص المطلوبين على خلفية الهجوم المذكور، وهو من مواليد مدينة ديار بكر التركية، وطالبت المواطنين إلى إبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي معلومات تتوفر لديهم حول هذا الشخص المتهم، وهذا الأمر يعتبر من بديهيات العمل الدبلوماسي المتعارف عليه بين الدول، كما يعتبر من واجب حكومة الإقليم أيضا كون الجرم وقع على أراضيها، وهي المسؤولة عن حماية كل من يعيش على هذا الإقليم أو يزوره، ناهيك عن إن حماية موظفي القنصليات تحكمها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1963.
ولا شك أيضا إن حدوث هذا الأمر على الرغم من فداحته هو ممكن الحدوث في أي دولة في العالم وان كانت تتمتع بالتطور التقني والخبرة الأمنية، والحوادث المشابهة كثيرة على مر الزمان ولانريد ذكر الكثير من الأمثلة بهذا الخصوص، بعضها قديمة وأخرى حديثة، ولعل أكثر الأمثلة العالقة في الذهن حديثاً هو مقتل السفير الروسي في تركيا “أندريه كارلوف” بالرصاص في كانون الثاني 2016 بينما كان بمؤتمر صحفي تخلل زيارته لمتحف فني في أنقرة، وكان مطلق الرصاص هو شرطي تركي من بين المكلفين بحماية موكب السفير، وتعتبر حادثة الاغتيال هذه (السفير الروسي) أكثر تأثيرا وأكبر وقعاً من حادثة أربيل، لأسباب كثيرة سواء من حيث مرتكب الفعل، إذ أن الفاعل في حالة أنقرة هو من عناصر الحماية الشخصية للسفير، ومن المفترض أنه مُنتقى بعناية، أو من حيث الضحية إذ أن الضحية في تلك الحادثة هو سفير بينما في هذه هو نائب قنصل، على الرغم من قناعتنا بان التمييز على أساس المنصب الوظيفي أو أي أساس آخر غير مبرر، لكن المواثيق والأعراف الدبلوماسية تضع هذا النوع من التمييز ولا سيما فيما يتعلق بدرجات ومستويات الحماية، أو من حيث موقع الجريمة وظروفها فحادثة اغتيال السفير حدثت أثناء مؤتمر صحفي وبزيارة رسمية بعلم الحكومة التركية ومن المفترض أنه قد تم التحضير لها وأخذ الاحتياطات الأمنية والاستخباراتية اللازمة، أما حادثة أربيل فكانت أثناء زيارة نائب القنصل لمطعم عام، وحسب تتبعي للخبر، فأغلب الظن إن الزيارة تمت دون إبلاغ سلطات الإقليم بها، ومع كل ذلك فان حكومة الإقليم ملزمة قانونيا وأخلاقيا ببذل قصارى جهدها في التحقيق في الجريمة وتقديم الجاني/الجناة إلى القضاء.
لكن ما أثار استغرابي هو أن الرئيس التركي غرد على التويتر بعد تقديم التعازي لأهالي المقتول، بأنه “يسعى إلى التوصل بشكل سريع إلى معرفة الجاني بالتعاون مع حكومة بغداد والسلطات المحلية”، وهو يقصد بالسلطات المحلية هنا حكومة إقليم كردستان، وكان من المفترض دبلوماسيا أن يحترم الدستور العراقي ويذكر الإقليم وفق التسمية الواردة في هذا الدستور ولاسيما المادة (117) حيث أقرّتَ صراحة إقليم كردستان، وإن كان الرئيس التركي قد سهى عن هذا الأمر، وهذا ما استبعده كونه من الرؤساء المشهود لهم بالحنكة والبراعة السياسية، فهذا خطأ فادح وزلة دبلوماسية غريبة، وإن كان قد تقصد عدم ذكر كلمة كردستان، وهذا هو الاحتمال الأقرب للصواب، فهذا يعني أنه غير راغب في التلفظ بهذه الكلمة خوفا من تداعياتها على المجتمع الكردي التركي، ورغبة منه في طمس كل ما يمت لكردستان بصلة، وظناً منه بأنه قادر على إزالة هذه الكلمة من أذهان الكثيرين ولا سيما الشعب التركي بتركه وعربه وكرده ولازه.
ونميل إلى الاحتمال الثاني كون هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها الحكومة التركية بأفعال تنم عن رغبتها في إخفاء كل مايمت إلى الهوية الكردية بصلة، ومنها على سبيل المثال رفضها للاستفتاء الذي تم في كردستان العراق في أيلول 2017، هذا الرفض الذي وصل إلى حد وضع الحشود العسكرية على حدود الإقليم، والتهديد باجتياحه، ومحاصرته اقتصاديا بالتعاون مع حكومتي بغداد وإيران، وقطع المواصلات البرية والجوية والصلات التجارية مع الإقليم، الأمر الذي تسبب في حصار خانق للإقليم لأكثر من عام، بالإضافة إلى خسارة الإقليم للكثير من المناطق المتنازع عليها لصالح الحكومة المركزية، التي لم تف بالتزاماتها الواردة في الدستور العراقي بخصوص المناطق المذكورة، حيث نصت المادة (140) على “وجوب إجراء الاستفتاء في محافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها في موعد أقصاه 31/كانون الثاني 2007”، كما طالبت تركيا في عام 2018 إدارة محرك البحث غوغل بالغاء كلمة كردستان من موقع الخرائط، وكانت غوغل قد نشرت خريطة لكردستان شملت أجزاء من تركيا وإيران والعراق وسوريا، وعرفتها بأنها منطقة جغرافية ثقافية يشكل الكرد فيها غالبية سكانية واضحة وفقاً للخرائط والبيانات التاريخية.
وكذلك تغاضيها عن الجرائم والانتهاكات التي تتم في منطقة عفرين من قبل الفصائل المسلحة المعروفة بولائها لتركيا، وكان من الواجب على الحكومة التركية أن تضع حدا لتلك الانتهاكات كون تلك الفصائل تتلقى دعمها المادي واللوجستي منها، ولا يتوقف الدعم التركي المادي عند حد الفصائل العسكرية بل تتعداها إلى المجالس المحلية وقضاة المحاكم وموظفيها، وموظفي أمانات السجل المدني والشرطة، فإضافةً إلى دفع رواتبهم تقوم الحكومة التركية بتعيين القضاة ورؤساء المجالس المحلية وقائد الشرطة في هذه المنطقة، ولم تقتصر انتهاكات الفصائل على القتل والاعتقال والتعذيب الممنهج لأهالي وسكان المنطقة، بل تعدتها إلى محاولة إلغاء الهوية الكردية التي كانت تتمايز بها عفرين، وذلك عبر عمليات التغيير الديموغرافي المنظم من خلال تهجير سكان المنطقة الأصليين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر تضييق الخناق عليهم بوسائل شتى، وإسكان نازحي الغوطة في بيوتهم، ولا يفهم من هذا الكلام بأن استقبال النازحين أمر مستهجن بل على العكس هو واجب أخلاقي على كل سوري، لكن القصد هنا أن لا يتم توطينهم على حساب تهجير الأهالي وانتزاع بيوتهم وممتلكاتهم.
وبالعودة إلى السياسة التركية الاقصائية ومحاولتها إلغاء وطمس الهوية الكردية وعدم الاعتراف بالآخر وعدم تقبله إلا بالصورة التي تتخيلها تركيا، على مبدأ الكردي الجيد هو من يكون معنا ولا يعترف بغير القومية التركية، أما غير ذلك فهو الكردي السيئ أو حتى الإرهابي، نرى بأن الكثير من المحاولات التي استهدفت الوجود الكردي في تركيا وكذلك في العراق وإيران وسوريا، وبعضها كانت عسكرية وصلت لحد استخدام السلاح الكيماوي والطائرات الحربية ضد هذا الشعب، وبعضها الآخر كان عبر سياسات وقوانين استثنائية، وكل تلك المحاولات كان مصيرها الفشل بل على العكس زادت من تمسك الكردي بهويته الكردية، لذلك ليس أمام تركيا إلا أن تتخلص من عقليتها الاقصائية تلك وتقبل بوجود شعب كردي أصيل في هذه المنطقة ويشكل ما يقارب ربع سكان تركيا، مع الاعتراف بحقوقه والسعي لحل قضيته في تركيا عبر الحوار والوسائل السلمية بعيدا عن لغة السلاح والسياسات العنصرية.

*المادة منشورة في وسائل التواصل الاجتماعي الـ “فيس بوك”