عودة أمريكا إلى مجلس حقوق الإنسان.. “المية تكذب الغطاس”*

الأحد،2 أيار(مايو)،2021

عودة أمريكا إلى مجلس حقوق الإنسان.. “المية تكذب الغطاس”*

مصطفى أوسو

ليس غريباً أن يلاقي قرار إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، بعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الترحيب الواسع في الأوساط الحقوقية من مختلف أنحاء العالم، وفي منظمة الأمم المتحدة، بعد الانسحاب منه في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2018، وكذلك من عدد أخر من اتفاقيات ومنظمات ومؤسسات النظام الدولي الراهن – في أوقات مختلفة – التي ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية بدور كبير ومحوري في إقامته وترسيخه وتطويره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، واتفاق باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية.. وغيرها.
ومرد الترحيب الذي ذكرناه، أن الولايات المتحدة الأمريكية، هي الدولة الوحيدة القادرة في عالمنا الراهن، بقراراتها ومواقفها وسياساتها، على التأثير في جميع دول العالم وشعوبه في كافة مجالات الحياة ومستوياتها،وضبط الإيقاع فيها – أن أرادت ذلك طبعاً – وبالتالي فأن من شأن عودتها إلى هذه المؤسسة التي تعتبر أهم المؤسسات الدولية المسؤولة عن تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها في جميع أنحاء العالم الذي ينتشر فيه حالياً انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، أن تؤدي إلى إنهاء حالة الخلل في آلية عملها وإعادة التوازن التي فقدها في السنوات الأربعة الماضية إليها، كما حصل عندما فازت دول معروفة بالديكتاتورية والاستبداد والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، مثل: روسيا، الصين، كوبا..، بعضويتها لمدة ثلاث سنوات في الانتخابات التي جرت في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2020. كما أن من شأنها أيضاً أن تؤدي إلى تعزيز الدبلوماسية الأمريكية في العالم، وخاصة ركنها الأساسي الذي شعاره: حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة..، وإكسابها مصداقية أكثر.
يعزز ما ذكرناه، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تجاوز الآثار والإفرازات السلبية للحقبة الترامبية على قضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والديمقراطية في العالم، والبدء بمرحلة جديدة قوامها دعم ومساندة هذه القضايا وحمايتها وتعزيزها..، تصريحات وتأكيدات وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، على أن الفراغ في مجلس حقوق الإنسان استخدمته دول لديها برنامج سلطوي لمصلحتها، وأن عليه عندما يعمل كما ينبغي تسليط الضوء على البلدان التي لديها أسوأ سجل في حقوق الإنسان، وأنه يمكن أن يكون منتدى مهم لأولئك الذين يكافحون الظلم والاستبداد..، وأيضاَ قوله: بضرورة استرجاع الولايات المتحدة الأمريكية لدورها الرائد في الدبلوماسية.
لكن رغم أهمية هذه العودة، والأقوال والتصريحات والتأكيدات.. الجميلة والرنانة من قبل المسؤولين الأمريكيين حولها، خاصة لجهة تعلقها بآليات عمل مجلس حقوق الإنسان خلال الفترة القادمة، وضرورة قيامه بتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في العالم ومكافحة الظلم والقهر والاستبداد..، تبقى العبرة بترجمة الأقوال إلى أفعال على أرض الوقع وتحولها إلى حقائق ثابتة، والتي ربما يكون المحك الأساسي والاختبار الحقيقي للحكم عليها، هو كيفية التعاطي والتعامل الجديد والقادم مع الأزمة السورية – ستكمل عامها العاشر في شهر آذار/مارس الجاري – التي ترافقها انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، ترقي وفق تقارير العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، منها التقرير الأخير للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، من قبل مختلف أطراف الصراع السورية وداعميها.
الأيام القادمة كفيلة بإظهار انعكاسات هذا القرار الأمريكي، وتأثيراته على مجلس حقوق الإنسان، وقضايا حقوق الإنسان ومحاربة الاستبداد والظلم والاضطهاد..، لننتظر ونرى “فالمية تكذب الغطاس”، كما يقول المثل الشعبي المصري.

  • نشر في العدد ٢٩ شباط/فبراير ٢٠٢١ من مجلة (ديوار)