الإرهاب الفكري وتأثيره على الأمن المجتمعي

الجمعة،14 أيار(مايو)،2021

الإرهاب الفكري وتأثيره على الأمن المجتمعي

محمد على الطائي

تعرضت العديد من دول العالم قديماً وحديثاً، إلى هجمات فكرية (إرهاب فكري)، التي لعبت دورا كبير في إحداث تغيرات في العادات والتقاليد والثقافة الاجتماعية مما أدى إلى إضعاف المجتمع وإفساده.
أما الأمن الفكري فهو الحفاظ على عقول الشباب والمجتمع من أي غزو فكري قادم من الخارج، بالإضافة إلى حماية الدولة من أي موجة فكرية تزعزع أمنها واستقرارها. وفي كثير من الأحيان تلجأ إليها الدول الغازية حينما تفشل في عمليتها العسكرية. وطبقت هذه الاستراتيجية في العديد من المجتمعات التي كان ضحيتها المجتمع غير الواعي. فعملية الغزو الفكري معقدة ومتشعبة في العناصر والوسائل، فالإرهاب الفكري شرٌ لا بد من معالجته والحيلولة من وقوعهُ.
تتعدد مصادر تهديد الأمني الفكري. فهي تأتي أحياناً كثيرة من جماعات التطرف والتشدد الفكري، ومثيري الفتن، ودعاة الفرقة والانقسام؛ مستغلين فرصة ضِعف وجود رقابة أمنية أو قلة الضوابط والقيود، فتقوم الجماعات ببث أفكارها من خلال الإعلامي والشبكات العنكبوتية. فتتدفق تلك الأفكار والمعلومات بكثافة وعبر تلك الوسائل.
لذا أصبح اللجوء إلى استراتيجية اجتماعية متكاملة أمراً ملحاً وضرورياً للمساهمة في الحفاظ على عقول الشباب، والحد من هذه الهجمات الفكرية، وغيرها، من الغزو الفكري، وتحصينهم ثقافياً من خلال المعلومات الصحيحة، التي تزيد الوعي الاجتماعي والثقافي. وذلك لإبعادهم عن الوقوع في الجريمة والماء العكر. فضلاً عن الخروج على الأنظمة والقيم والعادات والتعاليم الدينية السليمة.
إن رسم استراتيجية واضحة وقوية لتنمية ودعم الأمن الفكري سبيل لتحقيق طموحات الدولة في توفير الأمن. والسرعة في وضع الإجراءات الوقائية، ومتابعة المتغيرات والنزاعات على الصعيدين الإقليمي والعالمي مصحوبة بالجاهزية، والاستعداد لعلاج المشاكلات والأزمات التي قد تهدد الأمن الفكري.
وللتدليل على خطورة الأمن الفكري، فإننا نعلم أن الغزو العسكري يأتي للقهر وتحقيق أهداف استعمارية دون رغبة الشعوب المُستَعمَرة، أما الغزو الفكري أو الثقافي يكون المراد منه تصفية العقول والأفكار في نهاية تكون تابعة لأفكار الغازي. لذا فقد يكون الغزو الفكري أشد وأقسى لأن الأمة المهزومة فكرياً تسير إلى غازيها طواعية وعن رضا واقتناع، ولا تحاول التمرد أو الخلاص. لذا.. فالغازي عندما لا يجد سبيلاً إلى الغزو العسكري يلجأ بدورة إلى الغزو الفكري.
أهم مصادر الغزو الفكري الفاسدة، التي يرجع إليها بعض الشباب، ويأخذون منها أحكام تصرفاتهم ويعتبرونها المصادر الرئيسية للتلقي، هي وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، ومنها الفضائيات، بالإضافة إلى الشبكات العنكبوتية التي أخذت تشوش وتشوه على أفكار شبابنا، وتدعوهم إلى التطرف؛ إما إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار. فمن السهل أن يروج أي حاقد لما يريده من خلال هذه الشبكات، وكل ذلك بسبب أن القيود  الإعلامية والثقافية أوشكت على التلاشي في ظل العولمة الكونية، وحل بدلا عنها الانفتاح الإعلامي والثقافي، وأصبح الحل الأفضل للحد من هذه المشكلة باستخدام المؤسسات المجتمعية التي تساهم في تحصين الشباب من هذا الغزو بتقوية أمنهم الفكري من خلال تزويدهم بالمعلومات الصحيحة والسليمة التي تزرع في نفوسهم الوعي الثقافي والفكري، للحيلولة دون الوقوع في مخاطر الغزو الفكري الدافع إلى الجريمة، مستخدمين في ذلك مجموع الإجراءات والتدابير النظامية والتربوية، والثقافية التي تتخذها السلطة لصيانة واستتباب الأمن داخلياً وخارجياً انطلاقاً من المبادئ التي تؤمن بها الدولة ولا تتعارض أو تتناقض مع مصالحها العليا وذلك بهدف تحقيق الطمأنينة والاستقرار للفرد والجماعة، مما يزرع الإحساس بالثقة والتحرر من الخوف.
وأهم هذه المؤسسات المجتمعية التي تساهم في صنع جيل صالح مستقيم هي الأسرة، ووسائل التعليم (المدرسة والمعهد والجامعة) والمؤسسات الدينية بدرجة أكبر، ووسائل الإعلام المختلفة، لأهميتها الكبرى في التأثير على نسبة كبيرة من الشباب في الوقت الحاضر – خاصة بعد انتشار القنوات الفضائية العربية والعالمية التي تتحدث بجميع اللغات، وتتطرق في جميع المواضيع الممنوعة وغير الممنوعة والمباحة والمحرمة – وفي ذلك محاولة للتعرف على أفضل طرق تحصين الأمن الفكري لدى الشباب، وبالتالي تسهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية في تحقيق الأمن الفكري بالتعاون مع غيرها من المؤسسات المعنية في حماية الأمن دولة بكل مقوماته.
كما أنه لا بد من التركيز على الثقافة الاجتماعية، والتي هي جزء لا يتجزأ من الأمن الفكري للأمة أو المجتمع، والتي تعني الحصانة الفكرية من خلال التوعية لأفراد المجتمع، وغرس المفاهيم السليمة في عقول الناشئة، بهدف نشر هذه الثقافة ومد جسورها وتدعيم العلاقة بين رجال الأمن والمواطن، بالإضافة إلى نشر أخبار الجريمة وتبصير الجماهير بأخطارها وأضرارها، وتنمية الحس الأمني لدى الناس والتصدي للشائعات التي تضر المجتمع الواعي وتصحيح المعلومات الخاطئة والابتعاد عن الأخبار الكاذبة، من أجل تجنب عوامل البلبلة والاضطراب وإعلام الناس بكل شفافية بما يحدث، والتي يكون الغرض منها  بسط الاستقرار والسلام الاستراتيجي.