رئاسة الجمهورية في الدساتير السورية نحو الانتقال السياسي الديمقراطي

الإثنين،4 تشرين الأول(أكتوبر)،2021

رئاسة الجمهورية في الدساتير السورية نحو الانتقال السياسي الديمقراطي

د. نائل جرجس*

تعتبر دمقرطة عملية انتخاب الحاكم، إضافة إلى تحديد صلاحياته في المنطقة العربية عموماً، وفي سورية، خصوصاً، من أهم أركان الانتقال الديمقراطي. فقد رزحت ولاتزال بعض دول هذه المنطقة تحت نير الديكتاتورية التي تمثّل أبرز وجوهها بتغييب الانتخابات الديمقراطية لرئيس الدولة، فضلاً عن إعطائه صلاحيات مطلقة ومهيمنة على مفاصل الحياة السياسية والتشريعية. وهكذا كان أبرز مطالب انتفاضات السنوات الأخيرة في المنطقة العربية إسقاط الحكّام العرب وتحقيق انتقال سياسي للسلطة، الأمر الذي لن يتحقق الا في الدول التي شهدت تغييراً ديمقراطياً لرأس النظام كما في تونس التي أسفرت انتخاباتها الرئاسية الأخيرة لعام ٢٠١٩ عن وصول رئيس منتخب ديمقراطياً وذو صلاحيات محدودة في حال فريدة وغير معهودة في دول المنطقة العربية.
تسلّمَ بشار الأسد منصب الرئاسة في سورية عام ٢٠٠٠ إثر تعديل دستوري لتخفيض السنّ القانوني لرئيس الجمهورية من الأربعين إلى الأربعة والثلاثين (لينطبق عليه آنذاك)، وذلك خلفاً لوالده حافظ الأسد الذي شاركَ في انقلاب الثامن من آذار عام ١٩٦٣ بوصفه عضواً في اللجنة العسكرية للفرع الإقليمي السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي. سرعان ما فتكَ الأسد الأب بخصومه في انقلاب ١٦ تشرين الثاني ١٩٧٠، أو ما سمي بـ”الحركة التصحيحية”، لينفرد بالسلطة، ويتبوأ منصب رئاسة الجمهورية بشكل رسمي في آذار ١٩٧١). ما لبث أنّ قامَ الأسد بتفصيل الدستور السوري لعام ١٩٧٣ الذي كان له أكبر الأثر في انتقال سورية إلى مرحلة ديكتاتورية طويلة الأمد تركّزت فيها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد رئيس الجمهورية.
دستور عام ١٩٧٣: صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية في ظلّ تغييب الانتخابات الديمقراطية
غابت تعددية المرشحين لرئاسة الجمهورية خلال حكم حافظ الأسد، بل تولى مجلس الشعب ترشيح رئيس الجمهورية (المادة ٧١ من دستور عام ١٩٧٣) ليصار إلى إجراء استفتاء شعبي كل سبع سنوات في ظلّ جو من القمع السياسي وانعدام النزاهة في التصويت. وقد تضمّن دستور عام ١٩٧٣ صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية الذي يمارس السلطة التنفيذية بحسب المادة ٩٣، ويحدد السياسات العامة للدولة ويشرف على تنفيذها (المادة ٩٤)، ويعيّن نواب الرئيس ورئيس مجلس الوزراء و الوزراء ونواب الوزراء ويعفيهم من مناصبهم، ذلك بموجب المادة ٩٥ من الدستور السوري. و يكون لرئيس الجمهورية حق تعيين الموظفين من مدنيين وعسكريين وإنهاء خدماتهم بموجب المادة ١٠٩ من هذا الدستور، وتتيح له المادة ١٠٢ إعتماد رؤساء البعثات السياسية والدبلوماسية، إضافة لتشكيله المجالس و الهيئات واللجان المتخصصة بموجب المادة ١١٤. كما أنّ رئيس الجمهورية هو القائد العام للجيش والقوات المسلحة بحسب المادة ١٠٣، ومن يحق له أنّ يعلن الحرب و التعبئة العامة و يعقد الصلح بموجب المادة ١٠٠، وهو من يعلن ويلغي حالة الطوارئ في البلاد بحسب المادة ١٠١ ويتخذ إجراءات سريعة “بحال وجود خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية” (المادة ١٢٣)، ويبرم و يلغي المعاهدات و الاتفاقيات الدولية بموجب المادة ١٠٤، كما يمنح الأوسمة سنداً للمادة ١٠٦، ويمكنه بحسب المادة ١١٢ أن يستفتي الشعب في القضايا الهامة، وتخوله المادة ١٠٥ استصدار العفو الخاص. وتتجاوز هذه الصلاحيات ما يتمتع به رؤساء الجمهوريات في أغلب الأنظمة الرئاسية الحديثة.
وعلى صعيد السلطة التشريعية، تخوّل المادة ١١١ من دستور عام ١٩٧٣ رئيس الجمهورية صلاحيات تشريعية واسعة سواء أثناء انعقاد دورات مجلس الشعب أو خارجها أو حتى في المدة الفاصلة بين ولايتي مجلسين. كما يملك الحق بالاعتراض على القوانين التي يقرها مجلس الشعب بحسب المادة ٩٨ من الدستور، ويمكنه بحسب المادة ١١٠ إعداد مشاريع القوانين و إحالتها إلى مجلس الشعب الذي يمكن لرئيس الجمهورية حلّه بمقتضى المادة ١٠٧ من الدستور. كما لرئيس الجمهورية إلغاء أي تعديل للدستور “يمكن أن يقره مجلس الشعب بأكثرية ٣/٤”، وذلك بحسب المادة ١٤٩ من الدستور. وفي مجال السلطة القضائية، فإنّ رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس القضاء الأعلى وذلك بموجب المادة ١٣٢ من دستور عام ١٩٧٣، وبالتالي تعرّض مبدأ استقلالية القضاء وحصانة القضاة للانتهاك حيث أتاحت هذه المادة لرئيس الجمهورية التدخل في تعيين القضاة وعزلهم. كما أن المادة ١٣٩، نصّت على إنشاء المحكمة الدستورية العليا التي من صلاحياتها البت في دستورية القوانين، ولكنّ ذلك لا يتم إلا من خلال تحريكها من طرف رئيس الجمهورية نفسه أو بطلب من ربع أعضاء مجلس الشعب (المادة ١٤٥). وبحسب المادة ٩١، لا يجوز محاسبة رئيس الجمهورية عن جميع تصرفاته في إطار ممارسة صلاحياته إلا في حالة الخيانة العظمى التي تختصّ بالنظر بها المحكمة الدستورية العليا، مع أنّ “رئيس الجمهورية” هو الذي يعيّن جميع أعضاء هذه المحكمة بمرسوم (المادة ١٣٩)، وذك بانتهاك لمبدأ فصل السلطات.
وهكذا كان لرئيس الجمهورية سلطات مطلقة ومهيمنة بحسب دستور عام ١٩٧٣ وما انبثق عنه من ترسانة تشريعات، لاسيما المرتبطة بحالة الطوارئ، وذلك في ظلّ غياب التشريعات المناسبة للتعددية الحزبية ولتداول السلطة، وقمع كافة أشكال المعارضة السياسية والمجتمع المدني. وقد استمر العمل نظرياً بدستور عام ١٩٧٣ وحتى بحالة الطوارئ إلى حين اندلاع الانتفاضة السورية عام ٢٠١١ التي اضطرت النظام إلى رفع حالة الطوارئ واعتماد دستور عام ٢٠١٢.
دستور عام ٢٠١٢: الاستمرار بنظام الحكم الرئاسي وعدم فصل السلطات
فضلاً عن رفع حالة الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة واستبدالهما بقانون ومحكمة خاصة “بمكافحة الإرهاب”، اعتمدَ الأسد دستور عام ٢٠١٢ في محاولةً منه لامتصاص غضب الشارع والإلتفاف على الانتقال السياسي الذي طالبت به الانتفاضة الشعبية ضدّ نظامه في آذار/مارس ٢٠١١. صحيح أنّ هذا الدستور الجديد قد ألغى المادة الثامنة المتعلقة بسطوة حزب البعث العربي الاشتراكي، بالإضافة إلى تضمينه إمكانية تعدد المرشحين لمنصب الرئاسة (المادة ٨٥) وعلى العديد من الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، غير أنّه يحوي أبرز عيوب الدستور السابق. فقد حافظَ الدستور الجديد على النظام الرئاسي وعدم فصله للسلطات، على الرغم من المطالبات بالانتقال إلى نظام برلماني أو شبه رئاسي وتقييد صلاحيات الرئيس.
فاستمرّ تركيز صلاحيات واسعة تشريعية وتنفيذية وقضائية بيد رئيس الجمهورية. ونصّت مادته ١٠٥ على أنّ “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة، وله التفويض ببعضها”، وذلك بنصّ شبه مماثل للدستور السابق. كما يُعيّن الرئيس الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم وفقاً للقانون (المادة ١٠٦)، ويُبرم المعاهدات والاتفاقيات الدولية (المادة ١٠٧)، ويمنح العفو الخاص (المادة ١٠٨) وله الحق بمنح الأوسمة (المادة ١٠٩) وحلّ مجلس الشعب (المادة ١١١) وإعداد مشاريع القوانين وتولي سلطة التشريع (المادتين ١١٢ – ١١٣)، ويرأس كذلك مجلس القضاء الأعلى (المادة ١٣٣). واستمرت حصانة رئيس الجمهورية المطلقة، فتضمن المادة ١١٧ عدم مسؤوليته عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، وفي هذه الحالة لابدّ من أن يتم اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل، وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا. ولم يغفل رئيس الجمهورية إمكانية هكذا اتهام في حال حدوث تغييرات سياسية، الأمر الذي دفعهُ إلى ضمان ولاء جميع قضاة المحكمة الدستورية العليا، فيسميهم جميعاً بمرسوم رئاسي (المادة ١٤١) ويدلون بالقسم أمامه (المادة ١٤٥)، كما يمكن له حلّ مجلس الشعب الذي يصدر قرار الاتهام، كما ذكرنا أعلاه.
وأمّا المادة ١٠٣ الخاصة بحالة الطوارئ والمادة ١١٤ المتعلقة بصلاحية رئيس الجمهورية باتخاذ الإجراءات السريعة التي تقتضيها الظروف لمواجهة الخطر الجسيم، فقد جاءتا مماثلتين تقريباً لنصوص المواد ١٠١ و١١٣ من الدستور السابق والمٌشار إليهما أعلاه. ويكمن الاختلاف، الشكلي وليس الجوهري، بأنّ المادة ١٠٣ الجديدة قد أشارت إلى لزوم عرض حالة الطوارئ، بعد إعلانها من طرف رئيس الجمهورية بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسته وبأكثرية ثلثي أعضائه، على مجلس الشعب في أول اجتماع له. كحال الدستور السابق، أغفلَ دستور عام ٢٠١٢ تحديد شروط تطبيق حالة الطوارئ والإجراءات السريعة المُشار إليها، وذلك بخلاف دساتير العديد من الدول، كجنوب أفريقيا، التي تضمنت استفاضة في هذا المجال.
آفاق الإصلاح الدستوري والانتقال الديمقراطي في سورية: نحو تغيير شكل الحكم وتعزيز مبدأ فصل السلطات
يؤكّد الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، في كتابه روح القوانين الصادر عام ١٧٤٨، على جوهرية الفصل بين السلطات في أنظمة الحكم المختلفة، وبأنّ السلطة توقف تعسف السلطة. وهكذا تأصّل تدريجياً هذا المبدأ في دساتير الدول المعاصرة، بل ويمثّل تطبيقه مقياساً لمدى ديمقراطية الدول. فلابدّ من إدراج مبدأ فصل السلطات وإعماله في كافة نصوص الدستور السوري والقوانين المنبثقة عنه بما فيها تلك الناظمة لعمل المحكمة الدستورية. ومهما كانت طبيعة نظام الحكم، يتوجب عدم إعطاء رئيس الجمهورية أية صلاحيات قضائية وتشريعية، إنما حصرها في مجال السلطة التنفيذية.
يمكن تقاسم السلطة على مستوى الرئاسة من خلال ثلاث أنواع رئيسية لأنظمة الحكم. يتمثل أولّها بالنظام الرئاسي الذي يمارس فيه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية، في حين تقع السلطة التشريعية تحت وصاية البرلمان. يمكن القول بأنّ هكذا نظام قد يسهم في استقرار البلد أمنياً وتوحيده، لا سيما في سياق الصراعات والانقسامات الشديدة وغياب الأمن، لكنّ نجاحه يعتمد على وجود رئيس منتخب ديمقراطياً ويحمل أجندة وطنية ويرغب في السير باتجاه التغيير الديمقراطي. مع هذا قد يؤدي النظام الرئاسي في سياق ما بعد الصراع إلى ظهور شكل جديد من الديكتاتورية. كما قد يعتمد الرئيس على طائفته الدينية أو جماعته العرقية بشكل يؤدي إلى استمرار الاحتقان الديني والأثني وتهميش الجماعات الأخرى المنتمية إلى غير طائفته أو جماعته. ونعتقد بأنّه يجب تجنّب النظام الرئاسي في الحالة السورية، لاسيما في ظلّ الانقسامات الدينية والعرقية التي تشهدها سورية، من ناحية، ومعاناة الشعب السوري من نظام الحكم الرئاسي الديكتاتوري القائم على ثقافة الشخصنة وتقديس الحاكم، من ناحية أخرى.
يتمثّل الخيار الثاني باعتماد نظام حكم شبه رئاسي حيث تُقسّم السلطات فيه بين الرئيس المنتخب والحكومة التي تعيّن رئيس الوزراء. وقد يحدث أن يأتي رئيس الجمهورية وورئيس الوزراء من حزبين سياسيين مختلفين. ومن أهم مزايا هكذا نظام منعه تركيز السلطات بيد رئيس الجمهورية، كما يُتيح المشاركة السياسية وتداول السلطة. غير أنّ أبرز عيوبه تظهر بحال هيمنة الحزب السياسي للرئيس على غالبية مقاعد البرلمان – وهو ما يحدث في الغالب في الدول الديمقراطية القوية – وبالتالي تطغى السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وقد تحول البلاد إلى حكم الحزب الواحد. هناك أخيراً نظام الحكم البرلماني الذي لايكون فيه لرئيس الجمهورية غير صلاحيات هامشية أو شكلية كالحق في إبداء آراء استشارية. في مثل هذا النظام، سيقلّ الخلاف على منصب الرئاسة حيث سيتولى البرلمان السلطة الرئيسية في البلاد من خلال تشكيل الحكومة ومحاسبتها. تتعزز الميزة الرئيسية لهذا النظام في بلد، مثل سورية، يخرج من النزاعات ويحتاج إلى إصلاح عميق، لأنه سيؤدي إلى سلاسة في عملية إعادة هيكلة ترسانة التشريعات السورية. كما أنه يتجنب تركيز السلطات بيد شخص واحد أو حزب سياسي واحد، وهو أمر ضروري في بلد مثل سورية يضم العديد من الطوائف الدينية والأثنية. مع ذلك، قد يهيمن على البرلمان تيار سياسي واحد أو حتى جماعة دينية أو عرقية معينة، مما قد يؤدي إلى تهميش الجماعات الأخرى وبزوع شكل جديدة من أشكال الاستبداد والهيمنة البرلمانية في ظلّ ضعف المعارضة. بالتأكيد هناك خياات أخرى لشكل الحكم مثل إنشاء مجلس رئاسي اتحادي يضم ممثلين عن التيارات السياسية والشرائح الشعبية السورية، كما هو حال النظام الفدرالي السويسري.
إنّ دمقرطة شكل الحكم وضبط صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور هو شرط لازم، ولكنه غير كافٍ لتحقيق عملية الانتقال الديمقراطي. فيشكّل تحديد شروط ترشّح رئيس الجمهورية للرئاسة وطريقة انتخابه أمراً جوهرياً في سورية. ونعتقد بأنّه لابدّ من تضمين الدستور السوري المقبل نصوصاً بهذا الإطار أبرزها تحديد ولايتين كحدّ أقصى لمن يشغل منصب الرئاسة، وأن لا يكون المرشح ممن شغلَ هذا المنصب لمدة تزيد عن الأربعة عشر عاما. وفي إطار مشابه، جاء في المادة ٧٢ من دستور سورية لعام ١٩٥٠، بأنّ “مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات كاملة تبدأ منذ انتخاب الرئيس. ولا يجوز تجديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء رئاسته”. وأخيراً تنبع شرعية الدستور من كونه عقد اجتماعي يتمّ وضعه من طرف مواطني الدولة المعنيّة بواسطة ممثّليهم الشرعيين المنتخبين مباشرة أو المعيّنين ديمقراطياً. وستبقى النصوص الدستورية عديمة القيمة بدون تطبيقها على أرض الواقع، الأمر الذي لن يحدث في ظلّ استمرار النظام السياسي السوري في الحكم وغياب ضمانات لوجود معارضة سياسية ومؤسسات ديمقراطية وطنية قادرة على ردع تعسّف السلطة التنفيذية وتغوّلها في الاستبداد.

  • كاتب سوري مختص في مجال حقوق الإنسان