الجابري وقضية حقوق الإنسان

الجمعة،29 نيسان(أبريل)،2022

الجابري وقضية حقوق الإنسان

أحمد شحيمط

كتب الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري في التراث والتعليم والثقافة، كتب عن هموم الذات وشروط النهضة بمنظور فلسفي ورؤية نقدية وموضوعية دون أن يكون هاجسه إسقاط الحاضر على الماضي، رغبته كغيره من رواد الفكر العربي يمكن إجمالها في تفكيك بنية العقل العربي، وبنية الثقافة، ومن الأهداف محاولة تغيير العقليات. الجابري مشرح العقل العربي في تجلياته الكبرى: البيان والعرفان والبرهان، وتحليل مستفيض للعقل السياسي والأخلاقي على خطى كبار الفلاسفة في التزامه بالقضايا الكبرى للفلسفة من الوجود والمعرفة والقيم، معبرا دائما عن رغبته في الفهم والتحليل للعوائق والكوابح التي ساهمت في تعطيل التنمية وبناء الإنسان، يعود للتاريخ ويسترشد بالمنهج العلمي، ويقدم الفكرة بنوع من الحذر والاحتياط، وغالبا ما يقول بتواضع إنه يؤرخ لماضي الأشياء والحقائق وليس لحاضرها، التفاف على الأفكار والأحداث ودعوته الدائمة إلى طرح الجمود والاحتكام للعقل والمنطق حتى لا يحاكم الجابري على أفكاره ومواقفه أو يقال عنه ما لم يرغب في قوله أو سكت عنه قصدا وسهوا.
التمس الجابري من الفلسفة مباحثها الكبرى موليا قيمة لابن رشد وفلسفته، ومن التاريخ الرؤية الخلدونية، ومن العلم القراءة الإبستيمولوجية، واليات أخرى كالحفر في ترسبات المعرفة والنبش في الذاكرة على الطريقة الفوكوية إضافة للتجربة العملية في مجال السياسة والعمل الحزبي داخل الاتحاد الاشتراكي، ومختلف الأنشطة الأكاديمية، وما يتعلق بالندوات والمحاضرات. يقارب المفاهيم بالتقريب والتفنيد، ويترك مساحة مهمة للنقد الخاص بالقارئ حتى يلتمس المعنى والحقيقة في دروب التاريخ والواقع معا. يرغب الجابري في استنبات الديمقراطية في الفكر والسلوك، ويسعى نحو تكريس فلسفة حقوق الإنسان في ثقافتنا بالكشف عن مضامينها المعرفية وخلفياتها الأيديولوجية، يقرب المعنى من ثقافتنا على ضوء ما تمتلك شعوبنا من مفاهيم ذات مضمون مشابه، وما يرمي إليه الجابري الذي خبر المكان ونهل من قيمه، فلا جدوى من الاحتراس والتقوقع أمام الآخر بعيدا عن الصدمة الايجابية، واقتباس ما نراه مفيدا وعمليا. يبدو التأثير الرشدي قائما في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة أو محاولة من الجابري تقريب الناس والقراء بالتجانس بين عالمية حقوق الإنسان في الغرب، وعالمية الحقوق في المرجعية الإسلامية، ويستشهد على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لكنه يرغب في تأصيل حقوق الإنسان في ثقافتنا بناء على استلهام الديمقراطية أولا والتي يعتبرها الجابري قناعة وليست رغبة، يمكنها أن تكون أداة للعبور والانتقال نحو المدنية والحكم الرشيد، الديمقراطية هنا حق من حقوق الشعوب، وحقوق الإنسان التي نعتبرها كونية وشمولية من خلال مضامينها ومرجعيتها الأصلية في الفكر التعاقدي، لا تعني أنها غائبة في الخطاب الإسلامي لكنها اتخذت أشكالا أخرى في التعبير والقول والإقرار، حقوق الإنسان في الإسلام تستلزم النظر إليها من خلال ثلاث مفاتيح: الكليات، وما تنص عليه أحكام الشريعة من جزئيات، وأسباب النزول، وعندما يرغب الجابري في عملية تأصيل حقوق الإنسان داخل الفكر الإسلامي يشترط العودة للكليات وليس للجزئيات، بمعنى أن الدين جاء لصيانة الحياة وحفظ النفس وما تعنيه الضرورات الخمس.
يناقش الجابري في كتابه ” الديمقراطية وحقوق الإنسان” مجموعة من الحقوق التي يمنحها معنى ويرفعها نحو الأعلى حتى يظهر للقارئ المبادئ العامة والكليات الضرورية التي تشير إليها مقاصد الشريعة الإسلامية من صيانة الحق الطبيعي والحقوق المدنية، ومن قبيل ما يعالجه الجابري برؤية فلسفية كالحرية في الاعتقاد، والحق في المعرفة، والحق في الاختلاف، ومن الحقوق الشمولية هناك الحق في الشورى والمساواة، وحق المستضعفين من الفقراء في أموال الأغنياء، ويعتبر القضية أشبه بصندوق الضمان الاجتماعي، وما يتعلق بالحق في العلاج وتعويض البطالة وحق التقاعد، ويميز بين الردة والحرية، وما يتعلق بالمرتد المحدد بمرجعية الخيانة للوطن وليس بمرجعية حرية الاعتقاد، كذلك المساواة بين الرجل والمرأة، وعندما يزداد الاعتراض من قبل المعترضين على نفي حقوق الإنسان في قيمنا من خلال مجموعة من الحقائق والقضايا الشائكة من قبيل الطلاق والردة والرق والميراث والشهادة يعود الجابري للتذكير مرة أخرى بالفرق بين الكليات والجزئيات، ويدعو إلى الاجتهاد. رصيد الجابري في مجال حقوق الإنسان قليل إلا أنها مساهمة معقولة لإغناء للتفكير في كيفية تأصيلها داخل ثقافتنا لأن الخصوصية لا تنفي الكونية، إنها قاعدة مشتركة في التقاء العالم من خلال مرجعية معينة كالتي تشملها ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هذه الحقوق لا تنفي الدين وتلغيه، بل إن الجابري دافع عن التنوير وقدم مجمل مواقف رواد الفكر التحرري في الغرب وما نسميهم برواد الفكر التعاقدي الذين وضعوا أسس الدولة الحديثة، ومعالم فلسفة حقوق الإنسان، حتى أن الجابري يسوق مثالا من جون لوك الذي وجد في الإنجيل شرطين للخلاص وهما يسوع المنقذ والاعتقاد في الحياة الفاضلة، أما أساس الاجتماع البشري في المجتمع الجديد حسب روسو يؤسسه المبدأ الأخلاقي والقانون الوضعي، هذا يعني أن المرجعية الفكرية للحقوق موجودة في الطبيعة الخاصة بالإنسان، لا تلغي الدين لكن تعري استغلال الدين من قبل الكنيسة.
يقرأ الجابري في الخلفية التاريخية لحقوق الإنسان بالعودة للقرنين السابع عشر والثامن عشر، الدين الطبيعي القائم على أشياء أن هناك إله وهناك حياة أخرى، إله يطلب من الناس إطاعة إرادته، وهنا يعثر الجابري على فكرة مشابهة في الإسلام وهي حقوق الله وحقوق الناس، كما يرغب الجابري في نقد الآراء التي تعتبر أن حقوق الإنسان صادرة من العلمانية، وحقوق الإنسان في الإسلام صادرة من الدين، بمعنى أن الأسس النظرية والخلفية المرجعية ترسم خطوطا فاصلة بين الخصوصية والكونية، بين عالمية الحقوق في الغرب وعالمية الحقوق في الإسلام، حقوق الإنسان كفلسفة لا بد أن تعتبر الإنسان مواطنا كامل المواطنة بقطع النظر عن الجنس والدين واللغة والعرق، إنها فلسفة في تذويب التناقضات، والتمييز بين المجال الخاص والمجال العالم، والتمييز بين مجال العقل ومجال الوحي. فالجابري كعادته لا يركن نحو الاستسلام والقول بالفكر الواحد، بل يعود للتاريخ ويتتبع الخلفية الفكرية لحقوق الإنسان، يعتبر أن هذه الحقوق ليست منفصلة عن الدين، إنها حقوق منفصلة عن سلطته الكنيسة وخطاب رجال الدين، يعني الاستغناء عن سلطة الكنيسة وهيمتها على الحياة، واثبات معقولية المسيحية دون دعوة الناس للتنصل من قيمهم، حق الملوك الإلهي الذي يعطي الصلاحية المطلقة للحاكم دون الخروج عليه أو اعتراض قراراته، هذا النوع من الحق لم يقبله الفلاسفة وخصوصا جون لوك لأنه من رواسب الحكم الخاص بالعصور الوسطى، وما يجعل هذه المفاهيم والأسس غائبة في ثقافتنا  هو عدم حضور الديمقراطية كفكر وممارسة، دلائل الغياب في التداول السلمي للسلطة والحرية الفردية وغياب فلسفة حقوق الإنسان، هذه الحقوق الكونية والشمولية من منظور الغرب نابعة من التطابق بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، مبنية على الحق الطبيعي وصيانة الإنسان في حياته والحفاظ على ممتلكاته، حالة الطبيعة وهيمنة القوة المفرطة والنزوع نحو العنف تعني بداية النهاية للتفكير في مبادئ جديدة ترسي السلام وتؤمن الحياة الطبيعية والمدنية للفرد والمجتمع بدون خوف أو توجس، حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي والدولة المدنية مفاهيم جديدة في الحقل السياسي والاجتماعي في الفكر الغربي، وبذلك يعتبر الجابري أن الأولوية القصوى هي تحقيق الديمقراطية في بعدها السياسي والاجتماعي معا.
إن الديمقراطية ضرورة لا تحتاج التأخير أو التأجيل بقناعة الشعب وإرادة الحاكم ، عندما يرسي الشعب لذاته مؤسسات منتخبة، ويضع منتخبين ذوي كفاءات في خدمة الصالح العام، بحيث تتغلغل هذه الفلسفة في السلوك والعمل السياسي. فالجابري يطابق نوعا ما بين المفاهيم الغربية وما يدعو إليه الدين في مسألة حفظ الحياة وصيانة كرامة الإنسان وتكريمه، إضافة للتأمل في نظام الطبيعة، إذ جعل الله نظام الطبيعة والعقل متساوقان، لكن الجابري غالبا ما يحتاط من إسقاط الحاضر على الماضي، هاجسه الأساسي التماس الأفكار ومحاولة فهم أبعاد حقوق الإنسان ونقطة الالتقاء بين الكوني والخصوصي، حالة الطبيعة في الفكر الغربي يقابلها حالة الفطرة في الخطاب الإسلامي، والعقد الاجتماعي تقابله الشورى، والعدل قرين المساواة. فماذا يريد الجابري من هذه المقارنة ؟
إن المرتكزات النظرية في فلسفة حقوق الإنسان ساهمت في إرساء معالم المجتمع الجديد، البديل عن هيمنة حالة الطبيعة، والبديل عن سلطة الكنيسة ورجال الدين، من شرعية الحقوق ومصداقيتها في الغرب جاء الإعلان الفرنسي ١٧٨٩ والإعلان الأمريكي ١٧٧٦، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ١٩٤٨، وما يتعلق كذلك بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ١٩٦٦، ولا يخفي الجابري توظيف حقوق الإنسان من قبل الغرب لأغراض أيديولوجية ونفعية، كذلك لا ينفي حاجتنا لاستنبات هذه الحقوق وتأصيلها في ثقافتنا لأنها مطلب اجتماعي، وضرورة اجتماعية وسياسية ضد واقع حضاري قاتم، نعاني فيه من شتى الظواهر الصعبة، ونسعى من خلال هذه الفلسفة إلى بناء وعي حضاري ، مما يرسي لدينا قناعة بحسن الاختيار لما في فلسفة حقوق الإنسان من مضامين شمولية كونية، ولما في ثقافتنا وقيمنا من مبادئ كلية تنص على احترام الإنسان وصيانة حقه في الوجود، والعمل على ضمان كامل حقوق المشروعة.
حقوق الإنسان في الإسلام مقررة ويجب العودة للكليات وليس للجزئيات، وعالمية الحقوق تعني تكريم الإنسان والرفع من مكانته، إيقاظ الوعي بحقوق الإنسان في ثقافتنا من الأولويات القصوى في العبور نحو المدنية، وبناء الإنسان فكريا وأخلاقيا، ومن هنا نعتبر مساهمات الجابري في هذا الشأن قليلة ومفيدة، ويستحق عليها الشكر والتنويه، لأنه ترك طريقا للبحث والتحليل عن المشترك بين الثقافات والحضارات، عن المنسي من التفكير، وتفنيد المغالطات التي جعلت من حقوق الإنسان علمانية المنطلقات وبالتالي لا يمكن قبولها من منطلق المرجعية الغربية التي تفصل بين الدين والحياة، وتغالي في تمرير بعض الحقوق، أو عندما يشترط الغرب على باقي الثقافات اختيارات غير قابلة للنقاش بدافع التعميم. فالجابري في تبسيطه للمفاهيم وأدوات البحث يلتف على التاريخ، ويعيد قراءة الأفكار، ويحلل منطق الواقع بأساليب جديد دون الدعوة لاستنساخ الماضي أو القطع مع الثقافة والقيم، بل يحاول إضفاء المشروعية على فلسفة حقوق الإنسان في بعدها الكوني والشمولي، ويوحد بين الخصوصية والكونية، ويضع الإنسان في قلب العناية والاهتمام. فرغم اختلاف المرجعيات والسياق التاريخي لنشأة حقوق الإنسان في الفكر الغربي، يعتبر الجابري أن الأهداف والغايات واحدة في كل الثقافات، حقوق متأصلة في الطبيعة الإنسانية وبمثابة ثورة جديدة على التخلف والجمود، وبناء معاصر للحضارة لا يلغي الثوابت الدينية والثقافية، بل ينمي ما في الإنسان من ملكات، ويحرر الطاقات الإبداعية الكامنة، ويوقظ شعلة أمل في السير بخطوات مضمونة نحو المستقبل في إطار تحقيق حداثة ذاتية ، تنهل من قيمنا وتقتبس من الآخر.