الأديان تصرخ معا من أجل السلام

الأحد،30 تشرين الأول(أكتوبر)،2022

الأديان تصرخ معا من أجل السلام

الاب رفعت بدر

في عام ١٩٨٦، وتحديدًا في ٢٧ تشرين الأوّل، اجتمع قادة الأديان مع ممثلين عن مختلف الكنائس في بلدة أسيزي الإيطاليّة، التي تبعد حوالي ١٧٥ كم شمال العاصمة روما، كتلبية لدعوة كريمة من البابا يوحنا بولس الثاني الذي أراد في ذلك الوقت أن يصلي من أجل السلام والوئام والاتحاد بين أتباع الأديان من أجل تضامن إنسانيّ أشمل.
ومنذ ذلك الحين تكوّن في العالم ما نسميّه «روح أسيزي»، أي الاتحاد بين أتباع الأديان ورؤسائها وممثلي الكنائس حول العالم، من أجل السلام والمودّة في الأرض. لم يبقَ هذا الاجتماع وحيدًا، وإنما عقدت العديد اللقاءات المماثلة في «روح أسيزي»، ففي عام ١٩٨٨ التأمت الاديان في روما، و١٩٩٤ في دول البلقان، وأيضًا في شهر حزيران من نفس السنة من أجل رواندا التي كانت مضروبة بالحرب الأهليّة الدمويّة الطاحنة. وفي عام ٢٠٠٢ اجتمع الرؤساء في أسيزي كجواب على ما حصل في ٢٠٠١ نتيجة الأعمال الإرهابيّة في نيويورك.
وتبنّت جماعة «سانت إيجيديو»، أو «القديس إيجيد» اجتماعًا سنويًا تدعو إليه من أجل السلام. فمنذ عام ١٩٨٧ إلى اليوم يعقد اجتماع السلام، في نهاية تشرين أول، في إحدى مدن العالم وبالاخص في ايطاليا. وهذه السنة ٢٠٢٢ عقد هذا اللقاء بعد عشرين عامًا على لقاء أسيزي ٢٠٠٢ الذي كان أيضًا يريد الحيلولة دون الدخول في حرب بين أميركا والعراق. وهذا العام ارتأى ممثلو الأديان والكنائس أن يجتمعوا في الملعب الرومانيّ «الكولوسيّوم»، حيث استشهد آلاف المسيحيين في القرون الأولى إبّان الاضطهاد الروماني.
وألقى البابا فرنسيس كلمة جاء فيها: «نحن لسنا محايدين، وإنما نحن متحالفون من أجل السلام. لذلك فإننا ندعو إلى ’الحقِّ بالسلام‘ كحقٍّ للجميع في تسوية النزاعات دون عنف». وكان هنالك عدّة كلمات لممثلي الأديان.
اللافت للنظر هذا العام هو البيان الختامي الذي صدر تحت عنوان: «صرخة من أجل السلام»، وبأنّه يعقد بينما ما زالت الحرب دائرة بين روسيا وأوكرانيا. تُلي البيان على لسان الشابة سوريّة الأصل، أليسار، التي جاءت لاجئة الى الديار الايطالية، وها هي تتعلم في كبرى الجامعات.
بدأ ممثلو الكنائس وأديان العالم النداء بتوجيه قلقهم إلى العالم وقادة الدول، وقالوا: «إنّنا نحمل صوت أولئك الذين يعانون من الحرب، واللاجئين وأسر الضحايا والذين فقدوا حياتهم». وأضافوا: «بقناعة راسخة نقول: لا للحرب بعد الآن! دعونا نوقف كل صراع. إنّ الحرب تحمل فقط الموت والدمار. إنّها مغامرة بلا عودة، والجميع فيها خاسر. لتصمت الأسلحة. وليُعلن عن وقف شامل لإطلاق النار على الفور». وختم البيان بالقول: «لنبدأ معًا من جديد، من الحوار الذي هو دواء فعّال لمصالحة الشعوب. دعونا نستثمر في كل طريق للحوار. السلام ممكن دائ?ًا! لا للحرب أبدًا مرة جديدة، ولا لأن يقف الإنسان ضد أخيه الإنسان».
وقد شارك بطريرك القدس بييرباتيستا بيتسابالا في لقاء هذا العام كعلامة أيضًا بأنّ العنف مستمر، والانتهاكات الإسرائيليّة ما زالت موجودة، وما برحت الأرض المقدّسة عطشى للسلام والوئام والاستقرار والاستقلال. وبالتالي، كان هنالك مزيج من النيات للصلاة، من فلسطين الى سوريا إلى العراق، إلى أوكرانيا، إلى جماهير اللاجئين الذين ما زالوا ينتظرون في بلدان العالم أن يشّقوا درب مستقبلهم الآمن والهادئ، وبالأخص للأطفال الذين لا أمل لهم سوى بالله.
إنّ هذه اللقاءات تعبّر عن أنّ الأمل لم ينته، وبأنّنا ما زلنا مدعوين لعيش الأمل والرجاء بالرغم من الصراعات الدمويّة الدائرة، بالبشريّة التي خرجت من وباء كورونا، وتعاني الحروب، من الانسان ضد أخيه الانسان، دون أن نغفل أن هنالك أيضًا المخاطر التي تهدّد المناخ في العالم والتي على ما يبدو دخلت مراحل خطيرة.
ومن الجميل أن تصدر كلمات «الصرخة من أجل السلام» على لسان الفتاة السوريّة، قبل أيام قليلة من رحلة رسوليّة للبابا فرنسيس إلى مملكة البحرين، حيث سيشارك بمنتدى البحرين للحوار: «الشّرق والغرب من أجل العيش الإنسانيّ معًا». هنالك جهود تبذل على مستوى قادة الأديان، وما علينا إلا أن ندعو لهم بالتوفيق والنجاح.

المصدر: موقع “الرأي” الإلكتروني