الشعوب الاصلانية والمصالحة

السبت،31 كانون الأول(ديسمبر)،2022

الشعوب الاصلانية والمصالحة

بقلم: بروفيسور . حسين الديك

تختلف الدراسات الاكاديمية في وصف المجموعات السكانية القائمة بحد ذاتها في اقليم معين او دولة بحد ذاتها، فمنها من يطلق مصلطلح الاقليات او المجموعات او الفئات او التكتلات وهذا عائد الى ميزات وسمات خاصة تتجمع في تلك المجموعات تميزها عن غيرها من بقية السكان سواء كانت ميزات ثقافية او دينية او عرقية او اثنية او اقتصادية او سياسية او لغوية او حضارية او جنسانية او اصولية معينه.
وقد برز هذا الاختلاف وهذه الفوضى في الحكم على تلك المجموعات وفي التعامل معها بشكل واضح وصريح في منطقة الشرق الاوسط وفي عدة مناطق جغرافية واضحة ومعروفة مثلا في شمال سوريا والعراق وفي فلسطين وفي لبنان وفي الجزائر وفي ليبيا وفي مصر، وخاصة بعد ظهور الجماعات الراديكالية المتطرفة والتي عملت على تهجير تلك المجموعات السكانية وارتكاب المجازر وعمليات الابادة الجماعية بحقها وذلك استنادا الى الاختلاف اللغوي او الديني او الثقافي، وفي ذلك انتهاك لكافة المواثيق والاعراف الدولية وانتهاك لكل القوانين الالاهية والاديان المساوية.
وقد عرفت الامم المتحدة الشعوب الاصلانية على انها تلك الجماعات التي اقامت على الارض قبل ان يتم السيطرة عليها من قبل الاستعمار ويعتبرون انفسهم مميزين عن الاخرين من المجتمعات السائدة على تلك الارض وهي تلك الجماعات التي قد توفرت لها استمرارية تاريخية في مجتمعات تطورت في اراضيها قبل الغزو وقبل الاستعمار عبر التاريخ الحديث والقديم وهي تشكل في الوقت الحالي قطاعات غير مهيمنه وغير مسيطرة وغير مؤثرة ومهمشة وقد عقدت العزم على الحفاظ على هويتها وتاريخها وثقافتها وحضارتها وارضها وتنميتها وتوريثها للاجيال القادمة وذلك باعتبارها اساس وجودها المستمر كشعوب اصلانية في تلك الارض وفقا لانماطها الثقافية ومؤسساتها الاجتماعية ونظمها الثقافية الخاصة بها، وقد قدرت الامم المتحدة تعداد الشعوب الاصلانية في العالم ما بين ٣٠٠ – ٥٠٠ مليون فرد.
وقد جاء اعلان الامم المتحدة بشان حقوق الشعوب الاصلانية اذ يقر بحقوقهم الجماعية في حماية ثقافتهم وهويتهم وحقوقهم الاساسية وحقهم في الحياة والامان وحقهم في التعليم وحقهم في حماية ثقافتهم ولغتهم وديانتهم وحقهم في الاعلام والوظائف وحقهم في الارض والموارد وحقهم في المشاركة في التنمية وفي المشاركة السياسية في الحكم والسلطة ومؤسسات الدولة.
ومن هنا فلا يمكن لاي دولة او مجتمع في العالم تحقيق المصالحة الداخلية دون الاعتراف بحقوق الشعوب الاصلانية وتاريخها وارثها الثقافي والحضاري وملكيتها للارض والمواراد وحقها في المشاركة في النظام السياسي، ان اعتبار الشعوب الاصلانية جزء من الاقليات في اي دولة هو انتهاك للقانون الدولي لحقوق الانسان وجريمة بحق الشعوب الاصلانية، فالشعوب الاصلانية هم اصحاب الارض والتاريخ والثقافة والحضارة على تلك الارض، اما الاقليات فهي مجموعات مختلفة لها اصولها وجاءت دخيلة على تلك البلاد وتختلف بحقوقها علن الشعوب الاصلانية.
ان البند الاول في تحقيق المصالحة التاريخة وانهاء النزاع في اي دولة تنطلق من الاعتراف بالشعوب الاصلانية كشعب اصلاني في تلك البلاد، فلا مصالحة دون اعتراف بالشعوب الاصلانية وبهويتها وثقافتها وملكيتها للارض وللموارد الطبيعية في تلك البلاد.
ان المصالحة القائمة على الشراكة السياسية والاقتصادية والثقافية والمواطنة الكاملة يجب ان تنطلق من الاعتراف بحقوق الشعوب الاصلانية كشرط اساسي لتحقيق المصالحة ونجاحها، وقد كانت تجارب دولية ناجحة في هذا الشان اهمها تجربة الولايات المتحدة الامريكية في الاعتراف بحقوق السكان الاصليين (الشعوب الاصلانية في الولايات المتحدة الامريكية ) ومنحهم كافة حقوقهم الثقافية والسياسية والاقتصادية واشراكهم في مؤسسات الدولة وملكيتهم للارض والموارد الطبيعية، انطلاقا من مبدا المواطنة الكاملة لكل المواطنيين الامريكيين وبعض التمييز الايجابي لصالح الشعوب الاصلانية والتي تعرضت للابادة والتدمير عبر عصور من الظلم و الاستعباد من قبل الاستعمار.
وكانت تجربة جنوب افريقيا تجربة ناجحة في مجال المصالحة والاعتراف بحقوق الشعوب الاصلانية وتحقيق مبدا المواطنة الكاملة للجميع وتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية في الدولة وبضمانات دستورية وقانونية ودولة مؤسساتية دون تمييز بعد سنوات طويلة من الظلم والاستعباد لللسكان الاصليين.
ان المصالحة في اي دولة كانت لا يمكن ان تبنى على التمييز او انتهاك الحقوق كما يحدث في دول الشرق الاوسط بل ان المصالحة بحاجة الى ارادة سياسية حقيقية تؤمن بالشراكة السياسية والدولة المدنية دون تمييز بسبب اللغة او الجنس او العرق او الاصل الوطني او الثقافي او السياسي، دولة تستند الى القيم الديمقراطية الحديثة على مبدا المواطنة والقانون الدولي لحقوق الانسان، والى اسس دستورية تحمي حقوق الافراد والجماعات داخل الدولة والاعتراف بالمسؤولية التاريخية والاخلاقية عن الظلم التاريخي والانتهاكات الجسيمة لحقوقا الانسان التي حصلت في الماضي وبناء دوة مؤسسات حديثة تستند الى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والتسامح وقبول الاخر.

المصدر: موقع “صوت العراق”