القضية الكردية والخيار السلمي

الأحد،16 نيسان(أبريل)،2023

القضية الكردية والخيار السلمي

كفاح محمود كريم

بعد سنوات مريرة وطويلة من النضال المكلف والغالي الثمن، حقق الكُرد بعد انتفاضات وثورات وحروب قاسية ومئات الآلاف من الضحايا والدمار لمدنهم وقراهم، نوعاً من الحكم الذاتي الضعيف بعد اتفاقية مارس (آذار) ١٩٧٠م مع حكومة أحمد حسن البكر، لكنها سرعان ما تخلّت عنها؛ وذلك بفرضها قانوناً بالحكم الذاتي من طرفٍ واحد، والذي تسبب في انهيار التحالف بين الحزبين «البعث العربي الاشتراكي» و«الديمقراطي الكردستاني»، لكي يبدأ صراع دموي استمر قرابة عامٍ كامل، انتهى بتوقيع اتفاقية ١٩٧٥، بين إيران والعراق في مؤتمر القمة الإسلامي بالجزائر، تخلت فيها إيران عن مساندتها للحركة الكُردية، طالبةً من زعيمها إيقاف الحرب، وهذا ما حصل فعلاً، ولكن لم يستمر أكثر من سنة واحدة لتبدأ انتفاضة أخرى توجت باستقلال ذاتي إثر غزو العراق للكويت وصدور قرار مجلس الأمن الدولي ٦٨٨ الذي حرّم أي وجود عسكري عراقي أرضاً وجواً في المنطقة شمال خط ٣٦ التي تكاد أن تشمل معظم إقليم كُردستان الحالي. ورغم أنَّ المعاناة كانت عظيمة كما وصفها الزعيم الكُردي مسعود بارزاني: (بالاضطهاد والظلم المستمر ضد الكُرد، والتي أدت إلى أعمال قتل وحروب ونزاعات لكن الكُرد تمكنوا من البقاء)، هذا الإصرار على البقاء وعدم الانكسار أفضى إلى تمتع الإقليم باستقلال ضمّنه الدستور العراقي الدائم الذي تمّ تشريعه بعد انهيار نظام صدام حسين في أبريل (نيسان) ٢٠٠٣، إثر احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق.
لقد شارك الكُرد في تشكيل الحكومة العراقية وقبلها البرلمان العراقي، بضمانة دستور اعترف بإقليم كُردستان ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية وكل ما صدر عنهم من قوانين وتشريعات، وبذلك وضعت خارطة حل القضية الكُردية في هذا الجزء من كُردستان بالشراكة في دولة اتحادية ديمقراطية تعددية، إلا أن ذلك أثار مخاوف كل من تركيا وإيران وسوريا من مغبة ونتائج هذا الحل، وتأثيراته على الأجزاء الأخرى الملحقة بتلك الدول، خاصةً أنها تعاني من انتفاضات وثورات وصراعات سياسية ودموية، مع حركات وأحزاب انبثقت في تلك الأجزاء مطالبة بذات المطالب؛ ذلك القلق الذي جعل الدول الثلاث تتعامل بتوجس وأحياناً بعدائية وعدم اعتراف بالتغييرات التي حصلت، كما تفعل تركيا بعدم استخدام الاسم الرسمي والدستوري (إقليم كُردستان العراق)، مستبدلةً إيّاه بمصطلح آخر ينم عن عدم الرضا والقبول وهو (إقليم شمال العراق)، ومظاهر التخوف ذاتها بانت في كل من إيران وسوريا، إلا أن هذا القلق والتوجس وعدم الرضا ما برح أن ضعُف تدريجياً أمام التقدم السريع للدبلوماسية الكُردية التي قادها مسعود بارزاني، الذي فتح قنوات للتواصل والتعاون بين الإقليم الناشئ وبين كل من تركيا وإيران وسوريا، خاصةً في المجال الاقتصادي والاستثماري، إضافةً إلى طمأنتهم بعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، بل العمل من أجل إيقاف حدة الصراع بينهم وبين معارضيهم في حزب العمال، حيث نجح بارزاني في إقناع الطرفين بالتفاوض الذي أفضى إلى توقف العمليات الحربية لأكثر من سنة.
وفي الجانب الإيراني أيضاً نجح الإقليم في طمأنة الإيرانيين، بأنه كيان إيجابي وتجربته مدنية ناجحة، وهي بالتالي شأن عراقي بحت، يعود نجاحه للعراقيين الذين شرعوا دستوراً ضمن فيه حقوق كافة المكونات ومنها المكون الثاني بعد العرب في إقليم كردستان، الذي أرسى حلاً قانونياً وسياسياً للقضية الكُردية ضمن الدستور الذي اتفق عليه كافة الشركاء، بإقامة دولة ديمقراطية فيدرالية تعددية. ولكي تَطمَئِنَ دول الإقليم التي تعاني من الإشكالية ذاتها مع أجزاء كردستان الأخرى، قال الزعيم الكُردي مسعود بارزاني في هذا الصدد:
«كل منطقة كُردية لها خصائصها ومكانتها وظروفها داخل البلدان التي تعيش فيها، ولهذا لا يمكننا القول إن النموذج في العراق يمكن أن يطبق بحذافيره على الأجزاء الأخرى، بل ليكن نموذجاً أو مخططاً للكُرد في سوريا وتركيا وإيران، ولذلك وجَبَ إيجاد حلول في تلك البلدان والابتعاد عن سياسات القمع والإنكار، مقابل ألا تلجأ الجماعات أو الحركات الكُردية إلى العنف، وأن تكون هناك أرضية مشتركة للحوار حتى يتمكن الكُرد في تلك الدول من التمتع بحقوقهم وهوياتهم الديمقراطية».

المصدر: الشرق الأوسط