ثلاثية التنمية

الجمعة،15 آذار(مارس)،2024

ثلاثية التنمية

عبد الحسين شعبان*

ثلاثة عناصر أساسية تقوم عليها عملية التنمية، أولها – الثقافة؛ وثانيها – السلام؛ وثالثها – العدالة؛ وهذه العناصر مترابطة عضوياً، حتى إن كانت منفصلة، ولكلّ منها حقله.
فالثقافة ركيزة أساسية للتنمية، وهي مصدر كلّ تنوّع وينبوع كلّ ازدهار، وهي صمّام أمان لنجاح التنمية، والانتقال من التخلّف إلى التقدّم، لأنها تمثّل روح التنمية.
أما السلام فهو الحاضنة التي تزدهر فيها عملية التنمية، ولا تنمية من دون سلام، لأن الحروب والنزاعات المسلّحة تحول دون إنجاز مشاريع التنمية، وبالتالي تضع عقبات وعراقيل كبيرة أمامها.
وهدف التنمية هو العدالة وتحسين حياة الناس، فلا تنمية حقيقية من دون عدالة اجتماعية بحدّها الأدنى، والمقصود بذلك توفير مستلزمات حياة حرّة كريمة وعمل مناسب، والاستثمار في التعليم والصحّة والضمان الاجتماعي، فضلاً عن تأمين المتطلّبات الأولية للحياة الروحية للناس بتوسيع خياراتهم.
وهناك أربعة أبعاد للتنمية؛ أولها – الاقتصادي؛ وثانيها – الاجتماعي؛ وثالثها – الثقافي؛ ورابعها – البيئية؛ وهذه الأبعاد جميعها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالسلام، فكلما ازدهرت ثقافة السلام انخفضت ثقافة الحرب.
وحسب الاقتصادي الياباني يوشيهارا كيونو، أن أحد أسباب تطوّر اليابان، هو امتلاكها ثقافة مناسبة، وادّخاره واستثماره في التعليم، وكانت الكونفوشيوسية خلفية فكرية لتنمية اليابان، مثلما كانت التاوية والبوذية مصدراً ملهماً لتنمية الصين الجديدة، وسنغافورة، وكوريا، وساهمت اللوثرية في نجاح دول اسكندنافيا في عملية التنمية.
ويمكن للثقافة العربية – الإسلامية أن تكون مرجعاً مهماً لعملية التنمية في البلدان العربية، إذا ما توفّرت مستلزمات الإرادة السياسية، والإدارة الناجحة والرشيدة، والمساءلة، والشفافية، وذلك بقراءة انفتاحية على المستقبل بعيداً عن القراءة الماضوية الانغلاقية.
مفهومان للتنمية، أحدهما ضيّق، والمقصود به النمو الاقتصادي، والآخر واسع، والمقصود به التنمية الإنسانية، التي تقوم على المساواة وعدم التمييز والحريّة والعدالة، وتحسين حياة الناس، وذلك أساس للشرعية السياسية، التي لا بدّ أن تستند إلى المشروعية القانونية، والمقصود «حكم القانون»، وحسب مونتيسكيو، فإن القانون ينبغي أن يطبّق على الحاكم والمحكوم، فهو مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً.
وكانت مؤسسة البابطين الثقافية (الكويت)، نظّمت مؤتمرها العالمي الثالث في القاهرة تحت عنوان «المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل»، وناقش في جزء منه مشكلات الدولة الوطنية في ما يتعلّق بالتنمية والسلام العادل، فإضافة إلى التحديات الخارجية، ولاسيّما محاولات فرض الهيمنة والاستتباع ومشاكل العولمة والذكاء الاصطناعي والتنكّر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فثمة تحديات داخلية، أساسها الدولة الريعية، واتّساع الهوّة بين الحكام والمحكومين وضعف البنية المؤسسية واختلال مفهوم المواطنة، وصعود ما دونه إلى ما فوقه، لاسيّما تفشي الطائفية والعشائرية والجهوية وعموم الهويّات الفرعية، خصوصاً حين يتم تجاهلها، وعدم حل مشكلة المجموعات الثقافية، فضلاً عن قلة مشاركة المرأة في الحياة العامة، وتضخّم الجهاز البيروقراطي.
ولبناء تنمية مستدامة لا بدّ من الترابط بينها وبين الثقافة والسلام والعدالة، وهذه جميعها تتعزّز بالتراكم والتفاعل والتداخل، وتلك جدلية تمتدّ من التراث إلى الحداثة، فثمة علاقة بين الأصالة والمعاصرة، مثلما هناك علاقة بين الأنا والآخر، ونحن والغرب، ما يحتاج إلى مشروع نهضوي حضاري عربي بالتعاون والتنسيق والتكامل بين البلدان العربية، علماً بأن اللغة العربية هي التي يمكن أن تجعل التكامل ممكناً، في ظلّ تاريخ وثقافة مشتركة، ومصالح ومنافع آنية ومستقبلية جامعة، وثمة لحظة وعي جديد لابدّ من التقاطها اعتماداً على كلّ ما قام به نهضويو القرن التاسع عشر، واستناداً إلى تطوّر المجتمع البشري، وكلّ ما أنجزه على هذا الصعيد.
وإذا كان اختيار «السلام العادل» طريقاً للتنمية، فقد كان ذلك جوهر رسالة عبد العزيز سعود البابطين، الذي عمل على الإعداد لهذا المؤتمر، لكنه رحل قبل أن تتكحّل عينه بتحقيقه، وترك لنا تراثاً غنياً على هذا الصعيد، وهو ما بلوره كحصيلة لتجربته في كتابه «تأملات من أجل سلام عادل»، بتحديد ٧ أسس لتحقيقه، الأول – الاحترام والصدق بحيث يصبح السلام صيغة تعليمية فاعلة تُربى عليها الأجيال، الثاني – السلام العادل ضرورة، لأن المجتمعات الإنسانية بطبيعتها لا تستمرّ إلّا بالتواصل فيما بينها، مادياً وقيمياً، والثالث – السلام العادل إجماع، بمعنى التمييز بين التوافق السياسي وبين الإجماع الاجتماعي، فالأول لا يدوم، في حين أن الثاني يقوم على القيم، وهي لا تختلف حولها الإنسانية، والرابع – السلام العادل حاجة تاريخية، بمعنى نقل السلام من مستوى الصورة إلى مستوى الواقع الفعلي، بحيث يكون حاجة تاريخية ملحّة، والخامس – السلام العادل مسار متواصل، أي أنه غير مكتمل، فالإنسانية هي مشروع يظلّ أبد الدهر يكتمل لبنة لبنة؛ والسادس – السلام العادل ثقافة، وذلك بجعلها شكلاً معيشاً ومتاحاً وممكناً؛ والسابع – السلام العادل تربية وتعليم، أي الاهتمام بثقافة السلام من الحضانة وحتى الجامعة وفي الحياة أيضاً.
وتلك هي صرخة البابطين القلبية الموجهة للبشرية جمعاء، قصد اعتناق السلام كقيمة عليا، كما عبّر عن ذلك مايكل فريندو، وزير خارجية مالطا الأسبق، وأضاف أن «العالم بلا سلام هو عالم مظلم»، وتلك رسالة عالمية دعا إليها المهاتما غاندي لاعتماد المقاومة السلمية اللّاعنفية.

*كاديمي ومفكر وكاتب عراقي، وهو نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت. له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة والثقافة والنقد. يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان، والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب. صاحب نحو ٧٠ كتاباً ومؤلفاً.

المصدر: صحيفة الخليج