سوريون يواجهون ظروفا مزرية في “منطقة آمنة” تحتلها تركيا

الخميس،28 آذار(مارس)،2024

سوريون يواجهون ظروفا مزرية في “منطقة آمنة” تحتلها تركيا

متابعةمركز عدل لحقوق الإنسان

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم الخميس ٢٨ آذار/مارس ٢٠٢٤، إنّ السلطات التركيّة ترحّل آلاف السوريين أو تضغط عليهم لمغادرة البلاد نحو منطقة “تلّ أبيض/كري سبي” النائية التي تحتلها تركيا في مناطق “شمال سوريا”، حيث الظروف الإنسانية مزرية.
بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو ٢٠٢٣، نشرت إدارة معبر “تلّ أبيض/كري سبي” الحدودي أعدادا شهريّة أو يوميّة للعائدين السوريين على صفحتها على “فيسبوك”، واصفة إياهم جميعا بالعائدين الطوعيين. يكشف تحليل الصفحة عن زيادة بأكثر من الضعف مقارنة بالفترة نفسها من العام ٢٠٢٢. في حين أكدت تركيا في الماضي أنّ جميع عمليات العودة طوعيّة، وجدت أبحاث هيومن رايتس ووتش أنّ القوّات التركيّة تعمد، منذ ٢٠١٧ على الأقل، إلى اعتقال آلاف اللاجئين السوريين واحتجازهم وترحيلهم بإجراءات موجزة، وغالبا ما تجبرهم على التوقيع على استمارات “العودة الطوعيّة” والعبور نحو “الشمال السوري”. لم تردّ السلطات التركيّة على رسالة وجهتها إليها هيومن رايتس ووتش في ١ شباط/فبراير وأطلعتها فيها على نتائج أبحاثها والتمست منها معلومات.
قال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “العودة “الطوعية” التي تنفذها تركيا إلى “المناطق الآمنة” غالبا ما تكون عودة قسريّة محفوفة بالمخاطر ويشوبها اليأس. تعهُّد تركيا بإنشاء “مناطق آمنة” يظلّ بلا معنى، إذ يجد السوريون أنفسهم مجبرين على خوض رحلات خطرة هربا من الظروف اللاإنسانيّة في تلّ أبيض”.
اطّلعت هيومن رايتس ووتش على إحصائيات للعبور من تركيا إلى سوريا قدّمها إليها مصدر مطّلع، فكشفت تناقضات مع البيانات المنشورة على صفحات فيسبوك لإدارات المعابر الحدوديّة الثلاثة التي تصنف العائدين. تكشف الاحصائيات المقدّمة أن السلطات التركيّة رحّلت ٥٧،٥١٩ سوريًا وآخرين بين كانون الثاني/يناير وكانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٣، منهم ١٦،٦٥٢ عبر معبر “تل أبيض/كري سبي”. يُظهر تحليل البيانات المنشورة على الصفحات الرسميّة اختلافا في ممارسات الإبلاغ، حيث يميّز معبر واحد – باب الهوى – بين العائدين والمُرحَّلين، وهذا مطابق للإحصائيات التي حصلت عليها هيومن رايتس ووتش، في حين لا يُميّز معبرا باب السلامة و”تل أبيض/كري سبي” بين العابرين.
وفقا للمصدر المطّلع، فإنّ موظفي المعابر الثلاثة يقابلون كلّ عائد ويجمعون بياناته، بما في ذلك سبب العودة، لكن المسؤولين الأتراك نجحوا في الضغط على إدارتي باب السلامة و”تلّ أبيض/كري سبي” حتى لا تنشرا أرقام المرحّلين. فعمدت إدارة باب السلامة منذ أيلول/سبتمبر/أيلول ٢٠٢٢ على الأقل إلى اعتبار جميع عمليات العبور “عودة”، وإدارة تل أبيض منذ كانون الثاني/يناير ٢٠٢١ إلى تصنيف جميع عمليات العودة على أنها “طوعيّة”. قبل أيلول/سبتمبر ٢٠٢٢، كانت إدارة باب الهوى قد دأبت على نشر عدد العائدين طوعا من إجمالي العائدين. توقفت إدارة “تل أبيض/كري سبي” عن نشر بيانات حول العائدين منذ حزيران/يونيو ٢٠٢٣.
في ٢٠٢٣، زادت تركيا عدد السوريين الذين تُعيدهم عبر معبر “تل أبيض/كري سبي”، الذي ظلّ تحت سيطرة ما يسمى “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا منذ ٢٠١٩. قالت تركيا إنها تهدف إلى تحويل مناطق “شمال سوريا” الواقعة تحت سيطرتها، بما فيها تل أبيض، إلى “مناطق آمنة”، لكن في الواقع هذه المناطق تزخر بالانتهاكات الحقوقية. أدّى التوغل التركي في الشريط الذي يبلغ طوله ١٥٠ كيلومتر بين محافظتي الرقة والحسكة إلى تهجير مئات الآلاف وإجبارهم على الفرار من ديارهم.
في أيار/مايو ٢٠٢٢، أعلن الرئيس التركي طيب رجب أردوغان عن خطة لإنشاء “منطقة آمنة” في الأراضي التي تحتلها تركيا شمال سوريا وبناء منازل لاستيعاب ما يصل إلى مليون سوري يعيشون في تركيا. وثّق تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في ٢٩ شباط/فبراير انتهاكات حقوقية خطيرة وجرائم حرب محتملة ارتكبتها بشكل أساسي جماعات محليّة مسلّحة مدعومة من تركيا في هذه المناطق الخارجة عن القانون وغير الآمنة. كما وجدت هيومن رايتس ووتش أنّ أفرادا من القوات المسلّحة وأجهزة المخابرات التركيّة متورطين في الانتهاكات والإشراف عليها.
قابلت هيومن رايتس ووتش سبعة مُرحَّلين إلى “تل أبيض/كري سبي”، وباحثا حقوقيا، ومسؤولا في معبر حدودي، ورئيس منظمة محليّة في “تلّ أبيض/كري سبي” تستضيف المرحَّلين، وصحفيا.
قال ستّة مُرحّلين إنّهم كانوا يحملون تصاريح حماية مؤقتة عندما كانوا يعيشون في تركيا، ما يفترض أن يوفر حماية قانونية للّاجئين السوريين من الإعادة القسريّة إلى سوريا. كما قال ستّة إنّهم أجبروا على توقيع استمارات عودة “طوعيّة”. وقالوا جميعا إنّهم من مناطق أخرى في سوريا وليس لهم أي علاقات فعلية بتل أبيض.
قال أحدهم إنّ الشرطة التركيّة اعتقلته في الشارع في أنطاكيا بعد شهر من وفاة زوجته وأطفاله الثلاثة في زلزال شباط/فبراير ٢٠٢٣ الذي دمّر أجزاء من جنوب تركيا و”شمال سوريا”. قال إنّ السلطات اعتقلته وهو في طريقه إلى العمل رغم أنّه كان يحمل بطاقة حماية سارية المفعول.
قال: “أجبروني على التوقيع على وثائق مكتوبة بالتركيّة، وأنا لا أتحدث التركيّة. لم يترجموها. يُجبروننا على التوقيع على هذه الوثائق حتى تبدو وكأنها عمليات عودة طوعيّة”.
قال جميع المرحَّلين السبعة إنّ السلطات التركيّة لم تطلب منهم اختيار المعبر الحدودي الذي يفضلون العودة منه. قال اثنان منهم إنّ عمليات الترحيل فصلتهما عن أفراد عائلتيهما. قال رجل من دير الزور: “زوجتي وطفلاي ظلّوا في اسطنبول، وليس لديّ أقارب أو مكان أذهب إليه هنا، ولا أستطيع إعادتهم إلى سوريا. أنا عالق هنا”. باعتبارها طرف في “اتفاقية حقوق الطفل”، فإنّ تركيا ملزمة بعدم فصل الأطفال عن والديهم ضدّ إرادتهم إلا في الحالات التي ترى فيها السلطات المختصّة أنّ الفصل ضروري لتحقيق المصالح الفضلى للطفل.
منذ خضوع منطقة تلّ أبيض للاحتلال التركي في ٢٠١٩، لم يعد لديها معابر فاعلة مع مناطق أخرى في سوريا، ما جعل طرق التهريب الباهظة والخطيرة الخيار الوحيد لمغادرة الشريط الحدودي. قال أربعة مرحَّلين إنهم استخدموا مهرّبين للوصول إلى مناطق أخرى غير خاضعة لسيطرة الحكومة في شمال سوريا.
قال أحد المُرحّلين (٢٨ عاما) وقد تمّ تهريبه: “واجهت العديد من المصاعب في طريقي. كنا متأكدين أنها مسألة حياة أو موت. غادرت “تل أبيض/كري سبي” الساعة ٨ صباحا، ووصلت إلى وجهتي بعد ٣٠ ساعة”.
قال أحدهم إنه يأمل في إيجاد طريقة للعودة إلى تركيا: “أنا من دير الزور، ولا أستطيع الذهاب إلى هناك. لم يبقَ لي شيء في سوريا، ولا أستطيع الذهاب إلى مدينتي إطلاقا”.
قال عامل إغاثة تابع لمنظمة توفر مأوى مؤقتا للمُرحَّلين في “تل أبيض/كري سبي” إنّ الأوضاع الاقتصاديّة في المنطقة سيئة. قال إنّ السكان يعانون ليجدوا وظائف، والكثير منهم اضطروا إلى الاعتماد على الزراعة لإنتاج غذائهم. أجبر العديد من المرحّلين على الاعتماد على مساعدات خارجيّة محدودة. قال أحدهم: “أحاول أن أعيش على وجبة واحدة في اليوم هنا، هذا إذا استطعت تأمين ثمنها. في معظم الأيام، ننام جياعا”.
قال عامل الإغاثة إنّ “جمعية البرّ للخدمات الاجتماعية في تل أبيض” التي ينتمي إليها تستضيف حوالي ٤٠ مُرحَّلا يوميا وأوت ١،٥٠٠ شخص إجمالا بين حزيران/يونيو وكانون الأول/ديسمبر. قال: “تظلّ طاقة المنظمة محدودة”. كما قال إن المرحَّلين ينامون في ظروف مزرية لعدم وجود مساحة كافية. قال مُرّحّل أصله من إدلب وعمره ٢٢ عاما: “عندما لا يبقى لنا مكان [في المنظمة]، ننام في شوارع تل أبيض أو المساجد القريبة”.
تعذر الوصول إلى أجزاء أخرى من سوريا أجبر بعض المرحّلين على اللجوء إلى طرق تهريب باهظة وخطرة للهروب من الظروف القاسية في “تلّ أبيض/كري سبي”. قال المُرحَّلون الذين اضطرّوا إلى استخدام طرق تهريب خطرة إنّ هناك تعاونا غير رسمي بين المهرّبين و:الجيش الوطني السوري” و”قوات سوريا الديمقراطية”، وتسيطر على حدود المنطقة. قالوا إنّ تكلفة التهريب إلى منطقة أخرى في سوريا تتراوح بين ٣٠٠ و٥٠٠ دولار أمريكي، وإلى تركيا تتجاوز ألف دولار.
قالوا إنهم قلقون جدا بشأن السلامة. قال عامل الإغاثة: “إذا حاول شخص ما المغادرة عن طريق المهرّبين، فقد يتم اعتقاله من قبل أحد الأطراف للاشتباه في كونه عميلا أو جاسوسا، ما قد يؤدي به إلى السجن”. قالت مصادر مطلعة إن السلطات التركيّة سهّلت مرتين نقل مرحّلين سوريين من “تل أبيض/كري سبي” إلى أعزاز، أو أماكن أخرى في “شمال سوريا”، أو إعادتهم إلى تركيا في آب/أغسطس ٢٠٢٣ بعد أن اشتكى المرحَّلون من الوضع في تل أبيض. لا علم لـ هيومن رايتس ووتش بأي عمليات نقل تم تيسيرها بعد ذلك.
قال أحد المرحّلين: “لا أريد سوى لمّ شمل عائلتي وأن أوفّر عيش أطفالي وزوجتي. هذا مستحيل في تل أبيض. يجب أن نخرج من هنا”.
نظمت وكالات تابعة للأمم المتحدة ثلاث بعثات إنسانية عبر خط التماس لمدة يوم واحد في منطقتي “رأس العين/سري كانييه” و”تل أبيض/كري سبي” منذ تشرين الأول/أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٢. آخر مهمة تمت هناك، في أيار/مايو ٢٠٢٣، كانت أول مرة تصل فيها وكالات أممية إلى “تل أبيض/كري سبي” منذ ٢٠١٩. وقد شارك في البعثات الثلاث موظفون أمميون  عبروا الحدود لتقديم مساعدات إنسانية محدودة بشكل مباشر وإجراء تقييمات للاحتياجات الإنسانيّة.
غير أن الاحتياجات الإنسانية الكبيرة ظلت في أغلبها دون تلبية، وفقا للمنظمات الإنسانية، حيث وصفت منظمة “أطباء بلا حدود” الوضع الإنساني هناك بـ”المثير للقلق” في حزيران/يونيو ٢٠٢٣. قال عامل الإغاثة والعديد من المرحّلين الذين قابلناهم إنهم لم يحصلوا على أيّ مساعدات من تركيا أو السلطات المحليّة.
باعتبارها سلطة الاحتلال في “تلّ أبيض/كري سبي”، فإنّ تركيا ملزمة بالحفاظ على القانون والنظام والحياة العامة، وحماية السوريين من العنف مهما كان مصدره. تقع على تركيا أيضا التزامات بموجب القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان لضمان عدم ارتكاب مسؤوليها ومن هم تحت قيادتهم انتهاكات للقانون الدولي، والتحقيق في الانتهاكات المزعومة، وضمان معاقبة المتورطين فيها بشكل مناسب.
تركيا طرف في “الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”، و”العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، و”اتفاقية اللاجئين” لعام ١٩٥١. وعليه، ووفقا للقانون العرفي الدولي، فهي ملزمة باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية – الذي يحظر إرجاع أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه حقا خطر التعرض للاضطهاد أو التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو تكون فيه حياته مهدّدة. يمنح “القانون التركي رقم ٦٤٥٨ المتعلق بالأجانب والحماية الدولية”، الصادر في نيسان/أبريل/نيسان ٢٠١٣، السوريين “حماية مؤقتة في تركيا، مع ضمان عدم إعادتهم قسريا، وضمان بقائهم حتى يتحقق الأمان في بلدانهم الأصليّة”.
قال كوغل: “رسم المُرحّلون إلى تلّ أبيض صورة قاتمة عن الأوضاع في ما تُسميه تركيا “منطقة آمنة”، حيث يُحرمون من المقومات الأساسيّة، ويُجبَرون على تبنّي خيارات محفوفة بالمخاطر ليخرجوا من هناك”.

المصدر: هيومن رايتس ووتش