الفلسفة وحقوق الإنسان

الثلاثاء،14 أيار(مايو)،2024

الفلسفة وحقوق الإنسان

د. أنور مغيث

لم يستخدم فى تراث الفلسفة ولا فى تاريخ الثقافات تعبير حقوق الإنسان. فى حين أنه يستخدم اليوم بكثرة وربما بإفراط. فهل هى حقوق جديدة لم يعرفها البشر من قبل أم نحن أمام صياغة لفظية جديدة لما كنا نطلق عليه دائما العدالة؟
فكرة الحق قديمة. ومفهوم الحق بحسب تعريف أفلاطون هو علاقة بين طرفين أحدهما يجب أن يؤدى حقاً للشخص الآخر. وهذا تصور ينطبق على العدالة بمعناها التقليدى. فالعدل بالفعل أساس الملك ولهذا كان قيام المجتمعات واستقرارها معتمداَ على حفظ الحقوق وتطبيق القانون. وكان التسامح مع الظلم هو من أهم علامات الفساد والدخول فى مرحلة الأفول الحضارى.
اليوم الاستخدام المفرط لتعبير حقوق الانسان والحرص على الدفاع عنها يثير النفور والتبرم لسببين: أولهما أنه يقلل من شأن المجتمعات التاريخية الماضية وكأنها لم تعرف الحقوق ولا العدالة، والثانى هو أننا لا نعرف بالضبط ماهى. كل ما نعرفه أنها ذريعة تستخدمها القوى الكبرى للتدخل فى شئون الدول الصغرى. وهذا الاستخدام يكون موصوماً بشكل باد للعيان بالكيل بمكيالين. فنحن نرى صوراً من التهديدات وأنواعاً من العقوبات تُستخدم ضد دولة معينة بحجة انتهاكها حقوق الإنسان، فى حين أن دولة أخرى مجاورة الانتهاكات فيها أكثر وضوحاً لكنها، ولأسباب سياسية لا تخضع لأى عقوبات.
بالفعل هذا واقع ولكن هذا الاستخدام الذرائعى الذى تقوم به القوى الكبرى لمفهوم حقوق الإنسان ينبغى ألا يدفعنا إلى اعتبار حقوق الإنسان مجرد كذبة أو حيلة أو تعبير فارغ من المعنى. فعلى مدى التاريخ كانت الدول التى تسعى لفرض سيطرتها على الآخرين بالإكراه تبرر حملاتها هذه دائما بستار الدفاع عن قضايا نبيلة، فحملات الإسكندر كانت باسم الأخوة الإنسانية والفتوحات الرومانية باسم فرض سلطة القانون على مستوى العالم، والحملات الاستعمارية الحديثة كانت، كما برروا لها، بهدف القضاء على تجارة العبيد. علينا إذن ألا نجعل من الحديث المفرط وتشوش المفهوم والاستخدام المغرض مبررات كافية لكى ننفض أيدينا من موضوع حقوق الإنسان.
نحن بالفعل أمام حقوق جديدة لم تعرفها المجتمعات القديمة التى كان معنى العدل فيها هو تطبيق القانون. ولكن هذا القانون نفسه كان يكرس التفاوت بين الرعية على أساس العرق أو الطبقة أو الجنس أو الدين. الخطوة الكبرى التى قطعتها الحداثة فى اتجاه حقوق الإنسان هى تبنيها مبدأ مساواة الجميع دون تمييز أمام القانون.
أما الخطوة الثانية والضرورية هى التأصيل الفلسفى والمعرفى للمفهوم. وقد يتبادر إلى الذهن الشعور بأن الفلسفة قد انحازت دائماً لحقوق الإنسان وهذا غير صحيح. فمنذ أفلاطون وأرسطو مرورا بالعصر الوسيط وحتى العصر الحديث وما بعد الحداثة جاءت فلسفات ترى أن الجمهور رعية يحتاج إلى راع أو أنه وحش كاسر يحتاج إلى ترويض أو استئناس، وفلسفات كثيرة معاصرة تطعن فى مفهوم الإنسان نفسه ولا ترى فى الانتماء للانسانية أى قيمة خاصة. ولكن نجد فلسفات أخرى مثل الفلسفة الرواقية فى العصر اليونانى القديم كانت ترى أن الناس إخوة وأن مملكة القانون ينبغى أن تتحقق على مستوى العالم بأسره. الفلسفات الحديثة التى تحتفى بالإنسانية كقيمة تنحاز إلى جعل حقوق الإنسان عالمية يلزم ترجمتها إلى تشريعات ومؤسسات وينبغى مراعاة تطبيقها على مستوى العالم. وهذا ما يبرر صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى الأمم المتحدة والذى أُلحق به اتفاقيتان تقتضيان توقيع الدول عليها حتى يكون هناك إلزام للدول باحترام هذه الحقوق.
هناك مشكلة كبرى فى تعريف ما المقصود بالإنسان الذى يجب ضمان حقوق له؟ هى صفة تنطبق على الفرد وعلى المجتمع وعلى النوع الإنسانى. والهدف من هذه الحقوق هو تأكيد استقلال الفرد حتى يتاح له تحقيق مواهبه وملكاته. وكما أن الضمير الفردى، فى نظر عالم الاجتماع الفرنسى ادجار موران، هو عبارة عن تفاعل بين مخه البيولوجى ومحيطه الثقافى كذلك لا يكون استقلال الفرد إلا بالارتباط بالمجتمع. فالمجتمع يصنع الأفراد. كما أن الأفراد يصنعون المجتمع وبالتالى حقوق الإنسان تشمل هذه المستويات الثلاثة. وكما أنه ينبغى لشخص ألا يعيق استقلال الفرد ينبغى للفرد أن يلتزم بعدم عرقلة استقلال الآخرين.
فكرة الاعتراف بحقوق إنسانية لكل الأفراد على مستوى العالم جاء يدعمها التقدم التكنولوجى والاقتصادى الذى أنتج العولمة والأزمات البيئية ذات الطابع الكوكبى. يمكن القول فى النهاية إن حقوق الإنسان هى نتاج لحوار بين انتماء الفرد لمجتمعه الخاص وللنوع الإنسانى.

المصدر: الأهرام