أصغر ناجٍ من سجن «جبهة النصرة» يروي تجربته

الإثنين،30 نيسان(أبريل)،2018

في أيلول (سبتمبر) 2015، كنت أعمل مسؤولاً عن المراسلين في إحدى وسائل الإعلام السورية الناشئة، وتواصل معي شاب من جبل الزاوية في ادلب، للعمل مراسلاً معنا من هناك.

كان عمار العبدو طموحاً جداً، وسريع التعلم، خامة صوته صالحة جداً ليكون مراسلاً إذاعياً، وبدأ بالتطور بسرعة خلال فترته التدريبية، حتى انقطع التواصل بيننا بداية 2016. وقتها، كنت أحاول التواصل معه، لكن الأحداث التي جرت هناك, في بيته كانت مختلفة جداً.

يقول العبدو:» في 1 كانون الثاني (يناير) الساعة 3 فجراً داهم بيتنا عناصر من جبهة النصرة، من فرع العقاب، الذي يملك السلطة باعتقال أي أحد من دون تصريح، وحتى إن كان من أمراء الجبهة أنفسهم. فهذا الفرع مختص أيضاً بالاغتيالات».

كانت جبهة النصرة قد تحولت إلى سلطة أمر واقع في ذلك الوقت، لكن سلوكيات الجبهة التابعة للقاعدة، والمصنفة إرهابية في قوائم واشنطن، لم تعجب الكثير من السوريين والسوريات الثائرين، وأحدهم عمار، الذي أزعجها وهو لم يتجاوز الـ18 عاماً!

في أحد مقاهي مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا التقيت مع عمار، كان في زيارة قصيرة، وحدثني باستفاضة عن رحلته مع الجبهة، يصف ما حصل يوم اقتحام بيته ليلاً، كيف لم يأبه المقتحمون لبكاء أمه وأبيه، ولم يتجرأ أحد من الجيران على التدخل خلال اعتقاله. «قبل أن يعصبوا عيني رأيت 16 سيارة مداهمة وكأنهم قادمون لاعتقال قائد فصيل عسكري، عصبوا عيني ووضعوني في إحدى السيارات، في منتصف الطريق نقلوني إلى سيارة أخرى، وبعد نصف ساعة وصلت السجن، هنا جاء شخص يدعى أبو حذيفة حلفاوي، قال لي أهلاً بعميل التحالف».

بعد ذلك وضعوا الشاب في زنزانة منفردة، عرضها متر وطولها متر وارتفاعها متر ونصف فقط، إذ تعرض للتعذيب بالطرق المعروفة سورياً في معتقلات النظام، كـ «الشبح، الدولاب، الضرب بالكهرباء»، وكان أصغر معتقل في سجن العقاب الأمني المرعب، وبعد أسبوع من هذا الروتين اليومي، بدأوا التحقيق معه.

يوضح عمار:» سألوني مع أي مخابرات تعمل، وما علاقتك بالمخابرات الفرنسية؟ قلت لهم أني أعمل مع وكالة أنباء فرنسية ولم أستمر، سألوني ما صلتك بالاف بي آي، قلت إن اسمها أي اف بي، فسألوني من ينفذ اغتيالات هنا؟ ومن يدعم التحالف ليتمكن من قصفهم؟ فأجبتهم أن ليس لي علاقة بهذه الأمور».

يؤكد الشاب أنه تعرض للتعذيب كثيراً، ولو أنه كان يعمل مع قوات التحالف الدولي التي تقوم بهجمات في سورية، لكان اعترف بالأمر.

وكان للجبهة التي صارت تعرف باسم «هيئة تحرير الشام» سجن العقاب ابان سيطرتها على ادلب، لردع أي شخص يعارضها، ولسجن أعدائها. كما تحول السجن الى مصدر تمويل أساسي لها. فوفق عمار، تأخذ النصرة أموالاً طائلة لقاء الإفراج عن بعض الاشخاص المعتقلين لديها. وذاع صيت السجن بين أهالي المنطقة، وأصبح من أصعب الكوابيس عليهم، وهو يحتوي 36 زنزانة منفردة و3 زنازين جماعية، ويقع تحت الأرض.

بعد شهرين في السجن، سمحت جبهة النصرة لعمار برؤية أمه، لكن خارج السجن، فمكانه يجب أن يبقى مجهولاً. اقتادوه إلى الأراضي الزراعية حيث كانت أمه بانتظاره، ويتذكر الشاب تلك اللحظات: «قبل وصولي للقاء أمي، أنزلوني من صندوق السيارة وأجلسوني في المقاعد الأمامية، ونفضوا ثيابي ونزعوا العصابة عن عيني، ولكنهم لم يستطيعوا إخفاء آثار التعذيب عني».

بعد لقائه بأمه، أعادوه إلى السجن، وضعوه في الزنزانة الجماعية، ويقول: «كان معي هناك كثر من قادة الفصائل، وبعدها خضعت لمحاكمات، حيث عرضوني على 9 قضاة، وكل فترة تقرر لي جلسة، ثم نقلوني إلى زنزانة المهاجرين، إنها سجن في قلب سجن! كلها دواعش، يجب أن تقرأ هناك القرآن 24 ساعة باليوم، إذا رفعت رأسك عن قراءته ضربوك، تتلقى وجبة واحدة في اليوم، رغيف خبز وزيت، وممنوع النوم بعد صلاة الصبح. طبعاً، ممنوع الاستحمام، والوضوء تيمم بالتراب، هناك أناس لم تستحم منذ 3 سنوات!».

وعلى رغم تلك المدة، لم تستطع أجهزة النصرة إثبات التهم على عمار، لكنهم وجدوا طريقة فأثبتوا عليه تهمة الردة عن الدين. ويقول «مرة كان يحقق معي أبو حذيفة الحلفاوي، قرأت أمامه أحاديث دينية، قال لي أنت لست ملحداً، الملحد يستتاب، أنت مرتد يعرف بالدين ولكنه ليس مستدين, وبالتالي يجب أن يقتل، قلت له أنا كافر وأريد أن أدخل الإسلام».

بعد ذلك خضع الشاب لفترة رعب حقيقية، حيث حددوا تاريخ إعدامه وأرجعوه للزنزانة المنفردة، وراح ينتظر موعد تنفيذ الحكم. بعد 95 يوماً مرت كأنها دهر، جاء أحد السجانين وأخذ عمار قائلاً: «إخلاء سبيل». لكن تم تسليمه لسجن آخر، بقي فيه لوقت من الزمن، حتى تختفي آثار التعذيب عن جسده ويعرضوه على طبيب كي يداويه.

في يوم 9 نيسان (ابريل) 2016، خرج عمار من السجن، وعمل بشكلٍ سري كمراسل صحافي بمنطقته، لمدة ستة أشهر وهي المدة التي منعته النصرة فيها من مزاولة مهنته. ولكنه استمر بعمله في توثيق انتهاكات النصرة، ولم تثنه التجربة القاسية عن ذلك، حتى أجبر في صيف 2017، على الهرب مجدداً من بيته، لكن هذه المرة لم يستطع عناصر النصرة القاء القبض عليه. فقد توجه إلى عفرين في ريف حلب الشمالي متخفياً مع تجار مازوت، ومن هناك إلى بقية مناطق الشمال السوري، فتركيا، حيث استعاد نشاطه في توثيق انتهاكات هيئة فتح الشام أو النصرة ولم يردعه ما مر عليه في سجن العقاب