تغير مسار النزاعات عالميا واثرها على المجتمعات

الأحد،28 نيسان(أبريل)،2019

الحلقة الثانية

فهيل جبار جلبي * 

ثانيا :- الاثار السياسية 

إن النزاعات لها آثارها السياسية على الدول المصابة بها، حيث تعد مشكلة انهيار الدولة من أولى النتائج والآثار المترتبة على النزاعات الداخلية والحروب الأهلية، ويقصد بانهيار الدولة تقويض مؤسسات الدولة وانهيار أجهزتها بما لا يسمح لها بأداء وظائفها المختلفة، ويتخذ هذا الانهيار كنتيجة للنزاعات نمطين أساسين: النمط الأول: هو الانهيار الشامل للدولة ويقصد به انهيار السلطة المركزية للدولة، ويحدث عندما تؤدي الإطاحة بالنظام إلى حدوث حالة من الفوضى الشاملة بما لا يسمح لأي من الجماعات المتنازعة بالسيطرة على الحكم بصورة كاملة، أما النمط الثاني: فهو الانهيار الجزئي ويقصد به ضعف سلطة الحكومة وترهل جهازها البيروقراطي الذي ينجم عنه عجز الدولة عن فرض سيطرتها على جميع أقاليم الدولة، وقد تؤدي النزاعات إلى مطالبة بعض الجماعات بالانفصال عن الدولة الأم ومحاولة إنشاء كيان سياسي آخر مستقل، كما حدث في الصراع الليبيري ومسلسل العنف فيها حتى أن البعض قالوا في وصف هذه الحرب بان الناس فيها تحارب من اجل الحرب، لان الفصائل المتصارعة لا تحارب تحت مظلة أيديولوجية ولا في ظل برنامج سياسي معين، ولكن الكل يحارب الكل من اجل مصالحه، حتى أن (تشارلز تيلور) زعيم إحدى الفصائل المتناحرة في ليبيريا اتخذ إحدى المدن عاصمة له وصك عملة خاصة به، وعمل على إعطاء امتيازات من جانبه للشركات الأجنبية مقابل دعم مالي، كما أن هذه الصراعات قد تستمر في بعض الحالات بشكل يصعب معه التنبؤ بإمكانية انتهائها، كما حدث في الصومال وانهيار الحكومة المركزية وذلك لان الحكم في هذه الدول يقوم على أساس الانقلابات والانقلابات المضادة، ومن الملاحظ أن هذه الانقلابات يقوم بها قادة من القوات العسكرية، وقد ترتب على ذلك خلق حالة من القلق والصراع بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية الأخرى في الدولة، كما حدث في غواتيمالا عندما تعاقب فيها خلال ثلاثين عاما ثمانية من العسكريين. ويترتب على الانقلابات العسكرية حقائق سياسية وقانونية متناقضة حيث أن الأشخاص الذين كانوا في صراع مع السلطة الحاكمة أصبحوا مسؤولين في السلطة، وفي ظل هذه الأجواء السياسية المضطربة وكذا العمليات المسلحة بين الأطراف المتنازعة داخل الدولة قد يؤدي ذلك إلى انهيار أجهزة الدولة الأمنية جزئيا أو كليا، بحيث يصبح المواطن هو المعني بحماية نفسه نظرا لفقدان الدولة لأهم اختصاصاتها تجاه مواطنيها وهو تحقيق الأمن لهم، لذا تظهر عمليات التصفية الجسدية والتخريب للمنشآت الاقتصادية وعمليات السرقة والنهب كما حدث في غواتيمالا سنة 1980 حيث توالت أعمال العنف والقتل ضد السياسيين والصحفيين والدبلوماسيين. 

ثالثا :- الآثار الاقتصادية والاجتماعية :

إن النزاعات الداخلية لها آثارها الخطيرة من الناحية الاقتصادية حيث تؤدي إلى إعاقة حركة التنمية بسبب هروب الاستثمارات الداخلية ومنع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الدولة محل النزاع نظرا لإمكانية تدمير المنشآت الاقتصادية وتدمير البنية الأساسية اللازمة لتطوير العمليات الاقتصادية داخل الدولة، بالإضافة إلى خلق أعباء جديدة تتمثل في عمليات الإغاثة اللازمة لضحايا هذه النزاعات، كما حدث في الدومينيكان عام1961. وتدمر المنشات الاقتصادية وتستنزف موارد الدولة في صورة إنفاق عسكري بدلا من تخصيصه لبناء المؤسسات التعليمية المنهارة، حيث بلغ متوسط الإنفاق العسكري في دول أفريقيا عام 1994 حوالي (3%) من الناتج القومي الإجمالي، إلا أن الدول التي تورطت في نزاعات مسلحة داخلية كانت نسبة الإنفاق العسكري فيها (14,2) في انغولا و(14%) في تشاد و(93%) في إثيوبيا، ومن الملاحظ أن هذه الدول جميعا دول فقيرة وتعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية جمة، ومن شان زيادة الإنفاق العسكري زيادة الديون وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها، حيث بلغت ديون الجزائر على سبيل المثال (25) مليار دولار مع تزايد النزاع المسلح فيها بين الحكومة والجبهة الإسلامية المناوئة لها حيث مثلت هذه الديون (80%) من عائدات الصادرات الجزائرية. كذلك فان من بين الآثار الاجتماعية للنزاعات ما يصاب الأسرة من عمليات التهجير وتدمير للبنى التحتية وما تتركه من آثار على الظروف المعيشية وخاصة آثارها على دخل الأسرة والبطالة. وما تتركه هذه النزاعات على الظروف الصحية والتعليمية للأسرة وما يطرأ على الأسرة من تغيير في الأدوار وخاصة دور المرأة اذ تصبح هي المعيلة نتيجة مقتل الاب في الحرب، وكذلك ما تعانيه الأسرة من آثار وخاصة تراجع مستوى الدخل وتقطع سبل المعيشة وارتفاع معدلات البطالة وتراجع المستويات الصحية والتعليمية للأسرة وآثارها على المجتمع بشكل عام من خلال مؤشرات التنمية البشرية وغيرها من المقاييس. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في جنوب السودان من حالات الاختفاء ألقسري أو غير الطوعي للسكان، وكذلك استخدام الأطفال جنودا ومقاتلين إضافة إلى التشريد ألقسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب وإساءة المعاملة للمدنيين. كذلك ما أدى إليه النزاع في دارفور من تدمير كامل للبنية الاجتماعية هناك، واسهم في خلق العداء والكراهية بين القبائل بصورة غير مسبوقة في تاريخ دارفور، وافرز نزوحا إلى المدن ولجوءا إلى دول الجوار ساهمت في خلخلة النسيج والقيم الاجتماعية، كذلك أدت الحرب إلى خلق مواطنين غير منتجين يعتمدون على الاغاثات، وقد أدت النزاعات إلى حرق القرى وهجر مناطق الإنتاج هذه من قبل سكانها مما أوقف عجلة الإنتاج في دارفور تماما وخاصة الإنتاج الزراعي، ومن ناحية أخرى تم تدمير الثروة الحيوانية ونهب آلاف الرؤوس منها وتهريبها إلى دول الجوار والخرطوم. ونرى ان آثار النزاعات تمتد إلى الجانب النفسي كذلك وما تتركه من طبع وسلوك غير سليم لأبناء المجتمع في تعاملهم مع البعض ومع الآخرين، وحتى بعد انتهاء النزاع فان الكثير من الأحقاد تبقى وان الكثير منهم غير مستعد لكي يعمل من اجل خدمة وبناء المجتمع من جديد. اضافة الى الآثار الاقليمية للنزاعات حيث ان حركة التجارة الدولية والاستثمارات بين دولة النزاع والدول المجاورة لها تتاثر بالنزاع، وكذلك حركة اللاجئين عبر الحدود تعمل على تحميل دول الجوار باعباء اقتصادية اضافية لتوفير الحاجات الضرورية لهؤلاء اللاجئين، وامكانية تسرب بعض الفئات المعادية للدولة المستقبلة للاجئين مما يؤثر على حفظ النظام وحدوث اعمال فوضى في الدولة المجاورة.

———————————————-

*مدرس مساعد في سكول القانون/ جامعة دهوك

(نقلاً من موقع: معا لبناء السلام)