التربية على قيم التفاهم

الخميس،27 حزيران(يونيو)،2019

علي اسعد وطفة

يرتهن تطور الحضارة الإنسانية كما يرى الفيلسوف الفرنسي, كارل بوبر (Karl Popper), بقدرة المجتمعات على مواجهة العنف الاجتماعي, وتجفيف مصادره, وتقليص آثاره إلى الحدود الدنيا. ويشكل اليوم العمل على مواجهة العنف, ومصادرة قدرته هاجس الحياة الديمقراطية في مختلف مستوياتها, وتجلياتها. فالدول التي تمارس العنف, وتنهج على الاستبداد لن تتمكن أبدا من التقدم خطورة واحدة في مسار الحضارة الإنسانية. ومن أجل بناء الحرية, وتأكيدها يترتب على المجتمعات الإنسانية أن تواجه العنف وتحاصره, وتقلص دوره في المجتمع، لأن ذلك يشكل المنطلق الاستراتيجي في اتجاه بناء السلام, والأمن, والحرية, وتلك هي الشروط الأساسية في بناء الحضارة الإنسانية.

ولكن مواجهة العنف, والتسلط, والاستبداد, لا يمكن أن تأتي عبر القرارات النافذة, والقوانين الضاربة. فالعنف لا يواجه بالعنف, وإنما يتم ذلك عبر بناء الروح الإنسانية المناهضة للعنف, والتسلط, والاستبداد. وهذا ما يؤكد عليه “كارل بوبر”, إذ يرى بأن رفض العنف يجب أن ينبع من داخل الأفراد أنفسهم في المستوى الأول، لأن سعي الحكومات لن يفي أبداً بالغاية, وهذا بالتالي يتطلب وجود أيمان كبير من الأفراد برفض العنف في مختلف تجلياته ومظاهره.

وتأسيساً على ما تقدم فإن الدول, والحكومات قد أدركت هذه الحقيقة بأبعادها الإنسانية. فانطلقت تبحث عن ثقافة للتسامح والسلام, عبر تأصيل قيمي لهذه الثقافة في نفوس الصغار وقلوبهم. وأصبحت اليوم التربية على قيم التسامح والسلام, ونبذ العنف أولوية إنسانية, واجتماعية, وحضارية تنادي بها الأمم, وترفع شعارها في مختلف جوانب الحياة المعاصرة. لقد أدركت الأمم والدول بأن التربية على التسامح, وقيمه وتأصيل معانيه سيوفر على الدول الجهود الكبيرة في مواجهة العنف, والتطرف, والإرهاب. ولن تكون الدولة بصدد دفع الفواتير الغالية جداً لاستخدام أساليب العنف في مواجهة العنف عينه من أجل الأمن للمحافظة على الأمن العام, والسلم الاجتماعي.

 في مفهوم التسامح

يسجل مفهوم التسامح حضوره في عمق التجربة الإنسانية، ويتبدى في صيغ تتنوع بتنوع المجتمعات الإنسانية في إطار الزمان والمكان, والمراحل التاريخية. حيث عرفت الحضارات الإنسانية مفهوم التسامح, وما يقابله من مفاهيم العنف, والتعصب, والعدوان، وقد تجلى هذا المفهوم في مختلف الآداب الفكرية للأديان السماوية السمحاء والأديان الوضعية.

ومع أهمية الحضور التاريخي لهذا المفهوم، يعلن عدد كبير من المفكرين عن صعوبة كبيرة جدا في تحديده، حيث يعلن “رتشارد مكيون”, صراحة هذه الصعوبة بقوله: “إذا لم تسألني عن ماهية التسامح فأنا أعرف (هذه الماهية), وإذا سألتني فأنا لا أعرف”(1). هذا ويؤثر كثير من الفلاسفة عدم استخدام هذا المصطلح مثل الفيلسوف الفرنسي إميل بوترو. فتعريف التسامح أو على الأقل تفسيره إنما يستند إلى موقف الإنسان منه، إذ يمكن للتسامح أن يكون مجرد نية أو فكرة أو قد يتجسد في صورة ممارسة.

وعلى الرغم من الإشكالية الكبيرة التي يطرحها مفهوم التسامح فإن عدداً كبيراً من المفكرين يخوضون في هذه الإشكالية, ويحاولون الغوص في أعماقها، وكثير منهم يرى اليوم بأن مفهوم التسامح يمثل جوهر مفهوم حقوق الإنسان ومنطلقه. وإذا كان التعصب يشكل مظهراً من مظاهر الحياة الاجتماعية في كثير من بلدان العالم، فإن التسامح هو المشهد الإنساني الذي تغيب فيه مظاهر العنف, وتعلو فيه قيم السلام. وهذا يعني أننا أمام مفهومين لا يتعارضان فحسب, وإنما يتنافيان على نحو الإطلاق: فالتسامح يعني غياب العنف والتعصب، والعنف والتعصب يعنيان غياب التسامح وبالتالي غياب السلام.

ومن أجل تقديم صورة موضوعية أكثر عمقا لهذين المفهومين لا بد لنا من رصد الخلفيات الاصطلاحية, واللغوية لهذين المفهومين الذين يشكلان مدخلنا المنهجي إلى رصد واقع التربية, والتسامح في المجتمعات العربية المعاصرة.

يرى بعض المفكرين أن اللغة العربية لا تنطوي على مفهوم واضح للتسامح بالمعنى المعاصر للكلمة. جاء في لسان العرب: سمح-السماح- السماحة-المسامحة، والتَّسميح, وتعني لغة الجود، وأسمح إذ جاد وأعطى بكرم وسخاء، وأسمح وتسامح وافقني على المطلوب، والمسامحة هي المساهلة(2).

وجاء في مختار الصحاح سمح -السّماح, والسّماحة الجود (سمَح) به يسمح بالفتح فيهما سمَاَحا سَماحة أي جاد.

سمح له أي أعطاه. وسمُح من باب ظَرُف صار سمحا بسكون الميم، وقوم سُمَحاء, بوزن فُقهاء، وامرأة سَمِحة, ونسوة سِمَاح, والمُسَامحة المُسَاهلة, وتسامحوا تَسَاهَلوا(3).

فالجذر اللغوي للفظة التسامح المستخدمة كما يتضح في لسان العرب, ومختار الصحاح, وغيرهما من القواميس العربية لا يحيل على المعاني الحديثة للتسامح، مادامت تعني مجرد الكرم والسخاء, والجود والمساهلة. والتسامح في دلالته هذه لا ينطلق من مبدأ المساواة الذي يعتبر شرطاً في الدلالة الحديثة للتسامح.

جاء في قاموس “اللاروس” الفرنسي, أن التسامح (Tolérance) يعني احترام حرية الآخر, وطرق تفكيره وسلوكه, وآرائه السياسية, والدينية. وجاء في قاموس العلوم الاجتماعية أن مفهوم (Tolérance) يعني قبول آراء الآخرين وسلوكهم على مبدأ الاختلاف، وهو يتعارض مع مفهوم التسلط والقهر والعنف، ويعد هذا المفهوم أحد أهم سمات المجتمع الديمقراطي(4).

ويعرّف قاموس “أنسيكلوبيديا بريتانيكا”, الموسوعي التسامح أنه “السماح بحرية العقل أو الحكم على الآخرين”.

وهذا التعريف يكشف عن إحدى السمات الهامة للتسامح, ونعني بها الحرية(5).

ومن يستعرض تطورات مفهوم التسامح في التاريخ الإنساني يجد بأنه أخذ أشكالاً وصيغاً مختلفة, ومتنوعة من حيث البساطة والتعقيد, والامتداد, والحضور. وسجلت هذه الأشكال والصيغ حضورها بوحي التنوع الحضاري, والثقافي للمجتمعات الإنسانية. لقد وردت قيم التسامح, والحقوق الإنسانية في الحضارات القديمة, ولاسيما في شريعة حمورابي القديمة، كما وردت في الوصايا العشر وسجلت أجمل حضور إنساني لها في الأدب الإسلامي, والعقيدة الإسلامية.

وليس الغرض من بحثنا اليوم عن التحديد العلمي لمفهوم التسامح، أن نغوص في العمق التاريخي لتحولات هذا المفهوم وتطوراته، فبيت القصيد هو أن نبحث عن تحديد علمي معاصر لاستخدام هذا المفهوم, وتوظيفاته في الحضارة الإنسانية المعاصرة، ولاسيما في إطار الثقافة الغربية التي تطرح بثقلها في تعيين دلالة هذا المفهوم المعاصر سياسيا, واجتماعيا, وتربويا. ومع ذلك كله لا بد لنا من إطلالة تاريخية سريعة حول هذا المفهوم تقتضيها ضرورة استيعاب دلالته المعاصرة بصورة موضوعية.

لقد ترجمت لفظة (Tolérance) إلى العربية بـ”التسامح” ومع ذلك فإن مفهوم “تسامح” هو: وليد حركة الإصلاح الديني الأوروبي، وقد نشأ عن تغير في الذهنية ناتج عن علاقة جديدة، هي علاقة الاعتراف المتبادل بين القوى التي استمرت تتصارع طوال القرن السادس عشر، أي خلال الحروب الدينية الأوروبية. لقد حدث انشقاق داخل الدين الواحد، ثم وقع تجاوزه عن طريق الاعتراف بالحق في الاختلاف في الاعتقاد، ثم في حرية التفكير بوجه عام(6).

فحركة الإصلاح الديني في أوروبا ارتبطت أساسا بصراعات داخلية بين قوى اجتماعية معينة. وصحيح أن حركة الإصلاح هذه أوقدت نزاعات, وحروبا بين دول أوروبا أيضا إلا أن النزاع كان أساسا بين قوى اجتماعية داخلية انعكس -على مستوى الرمز- في تباين تصورها لما هو مقدس(7).

إذن لقد ولدت كلمة التسامح (Tolérance) في القرن السادس عشر، إبان الحروب والصراعات الدينية، التي عرفتها أوروبا بين الكاثوليك, والبروتستانت(8), حيث انتهى الكاثوليك إلى التسامح مع البروتستانت، وبشكل متبادل. ثم أصبح التسامح يمارس إزاء كل المعتقدات, والديانات الأخرى. وفي القرن التاسع عشر انتشر هذا المفهوم ليشمل مجال الفكر, وحرية التعبير, وليتضمن جوانب اجتماعية, وثقافية بالغة الغنى والتنوع. إن الحروب والصراعات الدينية الطويلة التي عاشتها أوروبا في ألمانيا, وهولندا, وإنكلترا, وإسبانية، وفرنسا كانت في أصل هذا التحول الذي شهده مفهوم التسامح(9).

ولا بد من الإشارة في هذا الصدد من أن الكاثوليك كانوا خلال هذه الحقبة المظلمة من تاريخ أوروبا يرفضون التسامح, ومختلف الاجتهادات الدينية التي تفضي إليه، وكانوا في سياق رفضهم يعتبرون التسامح بدعة يوظفها المفكرون الملحدون لتسميم عقول العامة, والسيطرة على مقدرات وجودهم.

وقد ولدت مسألة التسامح كما يعتقد “ريمون بولان”, من المنازعات الدينية وظلت خلال دهر من الزمان معنية بالمنازعات الدينية حصراً، وقد ظهر بالتدريج خلال قرنين من الخصومات والحروب والمناقشات، قرني “الحروب الدينية”(10).

يعتقد الفلاسفة والمؤرخون الغربيون, وخاصة الأنجلو سكسون، أن فكرة التسامح مصدرها البروتستانية في القرنين السادس والسابع عشر، ويعود أصلها إلى جون لوك(1632-1706م), حيث تتضح الحقيقة التاريخية لتطور مفهوم التسامح في كتابه رسالة في التسامح (Lettre sur la tolérance) سنة 1689م إذ يعلن في طيّات هذه الرسالة: “أن التسامح جاء كرد فعل على الصراعات الدينية المتفجرة في أوروبا، ولم يكن من حل أمام مفكري الإصلاح الديني في هذه المرحلة التاريخية، إلا الدعوة والمناداة بالتسامح المتبادل, والاعتراف بالحق في الاختلاف والاعتقاد.

وهذه الحقيقة يؤكدها عدد كبير من المفكرين، فبعد قرن من الحروب الدينية، والاضطهاد الطائفي الديني في أوروبا، حصل الاعتراف بالحق في الاختلاف الديني، أقرته مراسيم وقوانين ودساتير. وقد قام بالدفاع عن مبدأ “التسامح” كقيمة أساسية، مؤسسو الفكر الليبرالي وأصبح لأفكارهم الجديدة حقاً في الوجود(11).

لم يكن عند اليونان قديما كلمة مرادفة للتسامح، ومع ذلك يبقى التساؤل عما إذا كان اليونانيون متسامحين، وعما إذا كان لدى فلاسفتهم مفهوم التسامح، إنهم لم يرتضوا التعددية الدينية كما كان هو الحال في الإمبراطورية الرومانية، ومن كان يعلم، في اليونان أن “الآلهة كذبة”, فمصيره على الأغلب شرب السم، وقد استخدمت أساليب مماثلة فيما بعد للتخلص من الهراطقة، على الرغم من أن اليهود والوثنيين -قديما وحديثا- عاشوا حياة تعسة على هامش المجتمع في أوروبا.

ويذهب كثير من المفكرين إلى الاعتقاد، بأن مفهوم التسامح قد شهد تطوره تحت تأثير الوضعية الجديدة التي أدت إليها حركة الإصلاح الديني الأوروبي بزعامة مارتن لوثر، ومن الواضح أن مفهوم التسامح استطاع تجاوز حدود الدين، واقترن بحرية التفكير, وبدأ ينطوي تدريجيا على منظومة من المضامين الاجتماعية, والثقافية الجديدة، التي أوحت بها العصور المتلاحقة، بما تضمنت عليه هذه العصور من صور جديدة لتصورات اجتماعية متجددة.

لقد تم هذا التحول في مضامين مفهوم التسامح في أواخر القرن الثامن عشر وتبلور في القرن التاسع عشر، وذلك مع بروز ملامح الحداثة الأوروبية ومظاهرها الحضارية، وتحت تأثير منظومة من العوامل الثقافية, والسياسية, ولا سيما ظهور دولة القانون, والمجتمع المدني, والعلمانية، ومن ثم نمو وتطور الفلسفات النقدية، حيث بدأت فلسفة الأنوار مع القرن الثامن عشر بما حملته معها من قيم ومفاهيم وأفكار جديدة حول العقل, والحرية, والمساواة, والحقوق الطبيعية, وحقوق الإنسان(12).

ويعد الفيلسوف الفرنسي فوليتر (François Marie Voltaire 1694-1778), فيلسوف التسامح بحق لأنه ارتفع بالتسامح, واقترب فيه من المفهوم المعاصر، إذ وضعه في صيغة المبدأ الأول لقانون الوجود الطبيعي, وكأساس للقول بحقوق طبيعية للإنسان(13).يقول فولتير في هذا الخصوص: كلنا ضعفاء, وميَّالون لقانون الطبيعة، والمبدأ الأول للطبيعة هو التنوع, وهذا يؤسس للتنوع في مجال الحياة الإنسانية، وقبول هذا التنوع حق أساسي للوجود.

ففي عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر أخذت فكرة التسامح تأخذ أبعادها كحقيقة فلسفية, وبدأت تغطي مختلف جوانب الحياة الاجتماعية, والسياسية. وقد تأسست فكرة التسامح على مبدأ إنساني قوامه ألا وجود للحقيقة المطلقة، وهذا أدى إلى الإيمان بالحرية والإيمان بمبدأ الاختلاف, وضرورة التواصل بين البشر إلى أساس من قيم القبول والتسامح (14). وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي “فولتير”, كلمته المشهورة، التي تعلي من شأن الحرية والتسامح, وقبول الآخر على مبدأ الاختلاف إذ يقول: “إنني لا أوافق على ما تقول، ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله”(15).

——————————————————–

الحواشي

*) دكتور جامعي وباحث وكاتب من سورية.

1 – أندريه مرسييه برن: التسامح كأمر فلسفي، ضمن مراد وهبة، التسامح الثقافي، مرجع سابق، ص43-59 ص50.
2 – جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور: “لسان العرب”، مج(2)، دار صادر، بيروت، 1955-1956م، ص490.
3 – الشيخ محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: “مختار الصحاح”, دار الفكر، بيروت، ص312.
4 Madlein Crawitz: Lexique des sciences sociales, Dalloz, Paris. 1983. P. 358.
5 – مراد وهبة: “التسامح والدوجماطيقية” ضمن أبحاث المؤتمر الإقليمي الأول للمجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية, المنعقد في 21-24 نوفمبر عام 1981م، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1987م، ص43-59، ص155.
6 – علي أومليل، التسامح هل هو مفهوم محايد، ضمن مراد وهبة، التسامح الثقافي مرجع سابق، ص103-104.
7 – علي أومليل: “التسامح هل هو مفهوم محايد”، مرجع سابق، ص105.
8- إبراهيم إعراب، التسامح وإشكالية المرجعية في الخطاب العربي، المستقبل العربي، تشرين الأول (أكتوبر)، عدد 224، 1997م، ص48 – 7، ص49.
9 – إبراهيم إعراب: التسامح وإشكالية المرجعية في الخطاب العربي مرجع سابق، ص50.
10- ريمون بولان: الحرية في عصرنا، ترجمة وتقديم عادل العوا، دار طلاس، دمشق، 1993م، ص161.
11- رضا بوكرع: سمات الحوار الخاص بالتسامح في تونس، ضمن مراد وهبة: التسامح الثقافي، مرجع سابق، ص105.
12 – إبراهيم إعراب: التسامح وإشكالية المرجعية في الخطاب العربي مرجع سابق.
13- Voltaire a publié son ouvrage Traité sur la tolérance (1763) مقالة في أصل التسامح.
14- هيلين دار بشير: حرية الكلمة الحرية الرئيسية، رسالة اليونسكو، مارس (ص14-24) 1994م، ص14.
15- هيلين دار بشير: حرية الكلمة الحرية الرئيسية، المرجع السابق، ص15.

———————————

من: معاً لبناء السلام