التنمية المستدامة وحقوق الإنسان

الثلاثاء،24 آذار(مارس)،2020

التنمية المستدامة وحقوق الإنسان
د. إدريس لكريني
أسهمت النضالات والثورات الإنسانية على امتداد التاريخ في مراكمة مكتسبات دعّمت قضايا حقوق الإنسان؛ ما جعلها تحتل مكانة بارزة ضمن الخطابات والممارسات الدولية في عالم اليوم.
وهكذا أضحى الدفاع عن هذه القضايا التي تتجاوز في أهميتها حدود الدول ضمن قائمة أولويات المجتمع الدولي، فيما تزايد الاهتمام الفكري والسياسي بهذه الحقوق وطنيا ودولياً؛ واعتمدت الكثير من المواثيق والمعاهدات الدولية والدساتير والتشريعات الداخلية لحمايتها.
ثمّة العديد من العوامل التي أسهمت في تنامي الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان؛ فعلاوة على الطابع العالمي لهذه الحقوق؛ أضحى احترامها مؤشراً من مؤشرات تقييم تقدم وتحضر الدول والمجتمعات؛ ولا تخفى أيضاً الخطورة التي أصبحت تطرحها الانتهاكات والخروق التي تمس الحقوق والحريات على السلم والأمن الدوليين؛ ما ساهم في تزايد “التدخلات الإنسانية” في إطار الأمم المتحدة، أو ضمن تحركات ومبادرات انفرادية..
إن دعم حقوق الإنسان في أبعادها الشمولية؛ يقتضي إعمال مقاربتين؛ الأولى أفقية في ارتباطها بترسيخ ثقافة الحقوق، وتعزيز الوعي بها، وبقيمها ومبادئها، والثانية عمودية في علاقة ذلك بالتأثير في السياسات العمومية والتشريعات، وفضح الانتهاكات، وهو ما يسائل الكثير من القنوات من قضاء وإعلام ومجتمع مدني ومؤسسات تعليمية في هذا الخصوص..
لا تستقيم الممارسات الديمقراطية؛ ولا التنمية في أبعادها المستدامة إلا باحترام وحماية حقوق الإنسان، فالمقاربة الحقوقية هي مدخل أساسي لجعل التنمية في خدمة الإنسان.
تحيل التنمية في مفهومها الاستراتيجي إلى مجمل التحولات التي تطال المجتمع في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتقنية.. بالشكل الذي يوفّر الشروط اللازمة لحياة أفضل؛ وبما يحقّق التطور والرفاه للأفراد في جوّ من الكرامة وعدم التمييز..
ويستأثر المكوّن البشري بأهمية قصوى في تحقيق التنمية باعتباره فاعلاً ومستهدفاً بنتائجها؛ فالتنمية الحقيقة هي تنمية بالإنسان وللإنسان.. كما أن التدبير العصري يقوم على استثمار العنصر البشري وتوظيف المجال والتكنولوجيا الحديثة لخلق الثّروة؛ وتروم التّنمية في صورتها المستدامة و”المحوكمة” إلى تحقيق الحاجيات الراهنة من دون المساس باحتياجات الأجيال المقبلة بما يعنيه ذلك من استحضار لمتطلبات الأمن البيئي..
يدعم الجيل الجديد لحقوق الإنسان الحقّ في التنمية إلى جانب حقوق عدة، من قبيل الحق في السلام، والحق في بيئة سليمة، والحق في التمكين والولوج للمعلومات، وهو ما رسخه الكثير من التشريعات الداخلية والمواثيق الدولية..
ففي عام ١٩٨٦ تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان الحقّ في التنمية، اعتبرت فيه أن الإنسان هو موضوعها الرئيسي، وأن جميع البشر يتحمّلون مسؤولية في هذا الصدد، فردياً وجماعياً.
ولا تتحقّق التنمية بمفهومها الشامل إلا في فضاء قوامه الحرّية واحترام الحقوق، وحفظ الكرامة؛ فالإنسان كما رأينا هو محور هذه التنمية التي لا تتوقف على تلبية حاجة بعينها بقدر ما ترتبط بمقاربات شمولية تحيل إلى عناصر مختلفة ومتكاملة في الآن نفسه..
وتقتضي المقاربة الحقوقية للتنمية استحضار المعايير المتصلة بحقوق الإنسان (الكونية والإنسانية وعدم التمييز والشمولية وعدم القابلية للتجزئة) في السياسات التنموية؛ وتوفير مكوناتها الأساسية من خدمات تعليمية، وصحية، وعدالة، ودخل كاف؛ وبلورة سياسات تنموية منفتحة على المواطن؛ والنظر إليها كحق وليس منّاً؛ وإشراك المواطن في اقتراح ومواكبة ومراقبة المشاريع التنموية..
وهناك العديد من المؤشرات التي تعكس العلاقات القائمة بين التنمية وحقوق الإنسان؛ يمكن إجمالها في الحدّ من الفوارق الاجتماعية والفقر؛ وتمكين الشباب والمرأة وبناء قدراتهما؛ وتطوير البنيات التحتية؛ وإصلاح التعليم وتطوير منظومته؛ والحدّ من الجريمة؛ وتوفير الشغل.. وضمان الولوج إلى المعلومات والحقّ في التكنولوجيا الحديثة؛ واستحضار ذوي الاحتياجات الخاصّة في السياسات العمومية والتشريعات..
ولا تخلو الجهود الرامية إلى المزاوجة بين التنمية وحقوق الإنسان من تحدّيات وإشكالات يعكسها غياب، أو ضعف الإمكانات؛ وتفشي الفساد بكل مظاهره وأشكاله؛ وهيمنة العقليات المنغلقة وعدم حدوث تجدّد النخب المختلفة في عدد من القطاعات؛ ووجود خلل على مستوى مواكبة التشريعات للتحولات الاجتماعية والاقتصادية.. ثم الإغراق والمبالغة في الاستدانة الخارجية؛ واعتماد سياسات عمومية مركزية وغير منفتحة.. وإهمال المقاربة التشاركية المنفتحة على إسهامات فعاليات المجتمع المدني؛ والمقاولات، والإعلام؛ والمؤسسات الجامعية..
وخلاصة الأمر، أن التدبير العمومي في عالم اليوم ينبغي أن يتأسّس على نهج سياسات شفّافة؛ ترتكز على ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ وتوازن بين تحقيق التّنمية وحماية حقوق الإنسان، كسبيل لدعم الرفاه والاستقرار والأمن بمضامينه الواسعة والشمولية، وهو أمر يتطلب تجاوز المقاربات “الخيرية” في هذا الشأن؛ ووجود نخب في مستوى الانتظارات والإشكالات المطروحة، ومواكبة التشريعات والاتفاقيات والمتغيرات الدولية المرتبطة بهذا الخصوص.. واستحضار البعد البيئي في السياسات العمومية، ووضع الإنسان/المواطن في صلب هذه السياسات، والانفتاح على الهيئات والمراكز المعنية بقضايا حقوق الإنسان عند صياغة السياسات والبرامج، كما يتطلب الأمر وجود إعلام مواكب ومسؤول يدعم ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ويرافع بشأنها..
drisslagrini@yahoo.fr
المصدر: “الخليج” الإلكترونية