مفهوم ومؤشرات التنمية البشرية المستدامة

الخميس،30 أيار(مايو)،2019

حسين أحمد دخيل السرحان

تمهيد:

عٌدت موضوعة التنمية البشرية من الموضوعات المهمة عل الصعيد العالمي والتي اكتسبت اهتماماً كبيرا من قبل الباحثين سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتطور مفهوم التنمية البشرية مع تطورات نظريات التنمية نفسها ونظريات النمو الاقتصادي . وهناك اعتراف اليوم بهذه التنمية البشرية على اعتبار أنها حاسمة بالنسبة للتنمية الاقتصادية وبالنسبة للتثبيت المبكر للسكان.

وفي كل مرحلة زمنية كان مفهوم التنمية البشرية يعكس حالة جديدة بحسب التطور والتقدم التي تمر بها المجتمعات . وتطور مضمون التنمية البشرية مع تطور التسميات، فخلال عقد الخمسينات من القرن الماضي أرتبط المضمون بمسائل الرفاه الاجتماعي، ثم تطور ليركز على مسائل التدريب والتعليم ومن ثم إشباع الحاجات الإنسانية إلى إن وصل إلى تسعينيات القرن الماضي ليحمل تشكيل القدرات البشرية وتمتع البشر بقدرتهم المكتسبة. ولقد أكتسب مفهوم التنمية البشرية اهتماماً خاصاً ومتزايداً منذ عام 1990 عندما قام البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بتكوين فريق من الخبراء للبحث في مفهوم التنمية البشرية وتقديم تقرير سنوي عنهُ.

أولاً: مفهوم التنمية البشرية:

نتيجة للأزمات الاقتصادية والتي سادت دول نامية عدة وما رافقها من تكاليف اجتماعية باهضة عادت بالأثر السيء على البشر ونشاطهم وضعف إنتاجيتهم نتيجة تبني معظم هذه الدول لوصفات جاهزة أجبرتها على إتباع سياسات اقتصادية تحررية لا تتلاءم معها من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين سميت (بسياسات الاصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي). لذا كرّست برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على الجوانب الإنسانية للتنمية وزيادة الرفاهية الإنسانية وتوسيع خيارات الإنسان ومهاراته.

عرف تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990 التنمية البشرية على أنها ” عملية توسيع اختيارات الشعوب ” ([1]) . وطبقا للاقتصادي الهندي (أمارتيا صن Amartia Sen) فأن حرية الاختيار هي صلب الرفاهية الإنسانية، والتي تتم من خلال تعزيز قدرات الناس لتحقيق مستويات اعلى من الصحة والمعرفة وأحترام الذات والقدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية بشكل نشيط، وكذلك تأكيده بأن مستوى المعيشة لا يُقاس بالدخل الفردي واستهلاك السلع بل يُقاس بالقدرات البشرية، أي ما يستطيع الفرد عمله وان توسيع هذه القدرات يعني حرية الاختيار. والخيارات التي يؤكد عليها مفهوم التنمية البشرية هي: ([2])

العيش حياة طويلة وصحية.

الحصول على المعارف.

الحصول على الموارد الضرورية لتوفير مستوى المعيشة المناسب.

ولا يقتصر مفهوم التنمية البشرية على هذه الخيارات فحسب بل يتعداها الى خيارات اوسع، ومن بين هذه الخيارات، الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتمتع باحترام الذات والتمكين وفرص الإبداع والإنتاج، وضمان حقوق الإنسان وغيرها. ([3])

وللتنمية البشرية جانبان: الأول، بناء القدرات البشرية لتحسين مستوى الصحة والمعرفة والمهارات. والثاني، انتفاع الناس من قدراتهم المكتسبة في وقت الفراغ ولأغراض الإنتاج والنشاط في مجال الثقافة والمجتمع والسياسة . لذا فأن الدخل ليس الا واحداً من الخيارات وان الزيادة السنوية في الناتج القومي هي شرط ضروري للتنمية البشرية ولكنها ليست شرطاً كافياً. والمهم أن تخدم التنمية الناس. ([4])

ثانياً: مفهوم التنمية المستدامة:

في عام 1987 استخدم المجلس العالمـي للبيئـة والتنميـة مفهـوماً جديداً هو التنمية المستدامة .

وبدأت هذه الدعوة بعدما لوحظ بأن عملية التنمية الاقتصادية وفي اغلب مراحلها تعمل على تدمير البيئة وتلويثها وتستهلك المواد الناضبة، وأن الفقراء هم الذين يعانون من ذلك بشكل كبير من خلال التلوث والمستوى الصحي المتدني ومياه الشرب الملوثة وغياب أو قلة الخدمات الأخرى الأساسية وذلك بسبب التصنيع والتحضر. فالبيئة الملوثة لا تهدد حياة الناس الفقراء فحسب بل وأطفالهم كذلك. ولهذا فان مواجهة حاجات الفقراء في الجيل الحالي ضرورية من اجل الحفاظ على حاجات الجيل القادم . ([5])

لذا يمكن تعريفها بأنها: عملية يتناغم فيها استغلال الموارد وتوجيهات الاستثمار ومناحي التنمية التكنولوجية وتغير المؤسسات على نحو يعزز كلاً من إمكانيات الحاضر والمستقبل للوفاء بحاجات الإنسان وتطلعاته. كما تعرف أيضا بأنها التنمية الحقيقية ذات القدرة على الاستمرار و التواصل من منظور استخدامها للموارد الطبيعية والتي يمكن أن تحدث من خلال إستراتيجية تتخذ التوازن البيئي كمحور ضابط لها  لذلك التوازن الذي يمكن أن يتحقق من خلال الإطار الاجتماعي والبيئي والذي يهدف إلى رفع معيشة الأفراد من خلال النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحافظ على تكامل الإطار البيئي . ([6])

وقد اكتسب تعريف هيئة (براند تلاند) للتنمية المستدامة شهرة دولية في الوسط الاقتصادي منذ بداية الحوار حول ذلك المفهوم, حيث ظهرت في تقرير تلك الهيئة المعروف بعنوان (مستقبلنا المشترك في عام 1987) محاولة لتعريف التنمية المستدامة” بأنها عملية التأكد أن قدراتنا لتلبية احتياجاتنا في الحاضر لا تؤثر سلبياً في قدرات أجيال المستقبل لتلبية احتياجاتهم”. وقد عرفها أيضاً “بأنها عملية التفاعل بين ثلاثة أنظمة: نظام حيوي, نظام اقتصادي, نظام اجتماعي” . كما تركز الاستراتيجيات الحديثة المرتبطة بقياس الاستدامة على قياس الترابط بين مجموعة العلاقات والتي تشمل الاقتصاد واستخدام الطاقة والعوامل البيئية والاجتماعية في هيكل إستدامي طويل المدى. ([7])

ويركز مفهوم التنمية المستدامة على المواءمة بين التوازنات البيئية والسكانية والطبيعية، لذا تُعرف بأنها التنمية التي تسعى إلى الاستخدام الامثل وبشكل منصف للموارد بحيث تعيش الأجيال الحالية دون إلحاق الضرر بالأجيال المستقبلية. كما تعالج التنمية المستدامة مشكلة الفقر المتعلق بالسكان، لأن العيش في بيئة من الفقر والعوز والحرمان يؤدي الى استنزاف الموارد وتلوث البيئة. عليه فان التنمية المستدامة جوهرها الإنسان كما هو الحال مع المفهوم الأساسي للتنمية البشرية. وعليه فقد أضيف مفهوم التنمية المستدامة الى مفهوم التنمية البشرية ليصبح مفهوم التنمية البشرية المستدامة.

وهذه الرؤية الجديدة للتنمية التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية  لعام 1993والتي تضع الإنسان في أولوية أهدافها وتصنع التنمية من أجله. قد عرف التنمية البشرية هي تنمية الناس من اجل الناس بواسطة الناس . وتنمية الناس معناها الاستثمار في قدرات البشر، سواء في التعليم أو الصحة أو المهارات حتى يمكنهم العمل بشكل منتج وخلاق. والتنمية من اجل الناس معناها ضمان عدالة التوزيع لثمار النمو الاقتصادي الذي حققوه توزيعاً عادلاً . وأما التنمية بواسطة الناس، أي إعطاء كل امرئ فرصة المشاركة فيها. ([8])

في هذا الإطار يعد مفهوم التنمية البشرية مفهوماً أكثر شمولاً وعمومية من مفاهيم أخرى ترتبط بها ومنها مفهوم “إدارة الموارد البشرية” الذي يُعنى أساساً بتعظيم إستغلال طاقات الأفراد العاملين في مؤسسات بعينها، والسياسات والممارسات المتبعة في هذا الإطار. كذلك، مفهوم “تخطيط الموارد البشرية” الذي يشير إلى وضع تصور لأهداف المجتمع أو المؤسسة مع العمل على خلق شبكة من العلاقات الارتباطية بين هذه الأهداف من ناحية، والموارد البشرية المتاحة وتلك المطلوبة لتحقيقها عددياً ونوعياً من حيث التخصصات والمهارات. ([9])

رغم تعدد التعريفات لمفهوم التنمية البشرية المستدامة فإنها جميعاً تتضمن مفهوم أساسي وهو إتاحة أفضل الفرص الممكنة لاستغلال الطاقات البشرية المتاحة من أجل تحقيق مستوى رفاهة أفضل للأفراد. فالبشر هم الهدف الأساسي للتنمية البشرية، وهم أيضاً الأداة الأساسية لتحقيق هذه التنمية. كما أن التنمية بهذا المعنى لا تعنى فقط زيادة الثروة أو الدخل للمجتمع أو حتى الأفراد وإنما النهوض بأوضاعهم الثقافية والاجتماعية والصحية والتعليمية وتمكينهم سياسياً وتفعيل مشاركتهم في المجتمع وحسن توظيف طاقاتهم وقدراتهم لخدمة أنفسهم ومجتمعاتهم.

———————————————-

المصدر: جامعة أهل البيت.

[1]- الأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، 1992، ص 12.
 [2]-   د. مدحت محمد كاظم القريشي، التنمية الاقتصادية (نظريات وسياسات موضوعية)، عمان، دار وائل للنشر والتوزيع، ط1، 2007، ص ص 178-179.
 [3]-   نقلاً عن: رعد سامي عبد الرزاق، العولمة والتنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية،جامعة النهرين، 2006، ص 31.
 [4]-  د. مدحت محمد كاظم القريشي، المصدر السابق، ص 180 .
 [5]-  د. مدحت محمد كاظم القريشي، مصدر سبق ذكره، ص 180 .
 [6]-  بوزيان الرحماني هاجر، التنمية المستدامة في الجزائر بين حتمية التطور وواقع التيسير، جامعة محمد خيضر، شبكة المعلومات الدولية الانترنت، على الموقع:   www.univ-chlef.dz/topic/doc/mdm
 [7]-   عمراني كربوسة، الحكم الراشد ومستقبل التنمية المستدامة  في الجزائر، جامعة محمد خيضر، شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) عل الموقع:www.univ-chlf.dz/topic/doc/mdm
 [8]-  رعد سامي عبد الرزاق، مصدر سبق ذكره، ص 32.
 [9]-   محمد كامل التابعي سليم، التنمية البشرية المستدامة، سلسلة قضايا، القاهرة، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد(20)، أب 2006، ص5.