تقبل الآخر.. إعادة لاكتشاف الذات
د. نسرين عبد العزيز
قيمة التسامح هى الأساس الذى تبنى عليه ثقافة تقبل الآخر، فقبل كل شىء، لابد أن يكون الفرد متسامحًا مع ذاته ويشعر بالرضا عنها ويتقبلها، وإذا كان الفرد متسامحًا مع ذاته، سيكون صادقًا مع نفسه، ويستطيع أن يتقبل الآخر ويتعاون معه، وأن يتحمل عديدًا من المسئوليات؛ لأنه يشعر بالرضا عن نفسه وواثق من قدراته، ومتقبل لذاته.
فالمدخل الحقيقى لقبول الآخر هو قبول الذات، والاعتراف بالغير هو الحجر الأساسى الذى تترتب عليه مبادئ التسامح والقبول بالتعددية، والعكس صحيح؛ لأن إنكار الغير ينطلق من مفاهيم العنصرية والرغبة فى الهيمنة المطلقة التى تنكر فى الأصل وجود الطرف الآخر، وبنفس المنطلق فإن قبول الآخر هو شرط ضرورى للحوار، فالإنسان لا يتحاور مع طرف ينكر وجوده، ولا يتبادل الرأى مع أحد لا يعترف به أصلًا.
فمفهوم الآخر لا ينصب فقط على من يختلف عن الفرد من ناحية الدين أو العرق أو النوع أو الجنسية، بل من ناحية السن أيضًا، فدائمًا ما توجد فجوة بين الأجيال الشابة والأكبر سنًا، وأحيانًا تكون العلاقة بينهما فيها تواصل، وأحيانًا بها جحود وبرود فينظر الشباب إلى من هم أكبر سنًا على أنه الآخر المختلف عنهم فكريًا، أو الآخر المتحجر عقليًا، وينظر كبار السن إلى الشباب على أنه الآخر المتهور عديم الخبرة والمعرفة وعديم المسئولية، فيحدث الصراع والخلاف بينهما، وبهذا يمكن إدراج الآخر المختلف عمريًا ضمن قائمة تصنيفات الآخر حتى نستطيع إرساء مبادئ التسامح وتحقيقه.
وأخيرًا وليس آخرًا، إن التواصل أساس الحياة، ولا يستطيع الفرد أن يعيش بمفرده، فبدون الآخر لا توجد الأنا، وبدون الآخر لا تستطيع الأنا أن تطور من نفسها، وأن يطور الفرد من قدراته وفكره وعقليته؛ لأنه لا يرى غير نفسه، وبالتالى لم يتعرف على الاختلافات بينه وبين الآخرين، ولم يستفد من هذه الاختلافات، فعملية التواصل مع الآخرين هى إعادة لاكتشاف الذات، واكتشاف للآخر حتى يحدث التقدم والرقى.

