ثقافة السلام.. الحلم الذى لم يتحقق بعد
د. نسرين عبد العزيز
ثمة حقيقة أساسية ينبغى إدراكها بعمق، ألا وهى أن مفهوم ثقافة السلام هو مفهوم جدلي يختلف حوله الآراء بشكل كبير، وتختلف رؤيته باختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية والسياسية لكل فرد بل لكل شعب، فالذي تراه أنت ثقافة سلام، يراه غيرك ثقافة استسلام والعكس صحيح.
ويعد مفهوم ثقافة السلام مفهومًا واسع النطاق، ويحمل أكثر من محور، وأكثر من اتجاه، فهناك ثقافة السلام الذاتى النفسي، والتى تعد سلامًا للفرد مع ذاته، والتصالح معها، وثقافة السلام الأسري، التى تتوافر بوجود مشاعر التوافق الأسري، والاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، وهناك ثقافة السلام المجتمعي بين أفراد المجتمع والمتحققة من خلال حصول كل فرد على حقوقه وأداء كل فرد لواجباته، والمساواة بين المرأة والرجل وعدم قهرها، وهناك ثقافة السلام الدولي السياسي، وإيجاد ثقافات مشتركة بين الدول، وتصحيح صورة العرب والمسلمين فى الخارج، وتحديد مفهوم الإرهاب ومفهوم المقاومة تحديدًا عالميًا، وليس تحديدًا ذاتيًا معتمدًا على وجهة نظر كل دولة، وبما يتفق مع مصالحها الذاتية.
حقًا إن العالم المثالي هو حقبة السلام العالمى، والذي لا يكون فيه أية حروب وتصبح السلمية هى الموقف الأخلاقى الأوحد به، وذلك إذا لم يكن هناك أحد يقاتل من أجل الأرض.
ولقد استخدم الباحثون فى مجال السلام، وأيضا التربويون، بُعدي التسامح وتقبل الآخر كبعدين مستقلين، وفى بعض الأحيان استخدما بمعنى واحد، وهناك من أدرج بُعد تقبل الآخر تحت التسامح كأحد أبعاده، فقد ارتبطت فكرة التسامح داخل السلام بالمسألة الدينية عند بداياتها لدى الفيلسوف “جون لوك” (١٦٣٢م: ١٧٠٧م) الذى كان ينظر إليها بوصفها “الحل العقلاني” الوحيد لمشكلة الخلافات التى نشأت داخل المسيحية فى المجتمع الغربي.
إن العالم أحوج ما يكون لتدعيم ثقافة السلام فى المجتمع، والتخلى عن كل مظاهر العنف والحقد وعدم تقبل الآخر الذى ينتاب بعض الطوائف، فهذه الثقافة تؤسس قيم الحوار والتفاعل المحترم بين جميع الفئات والطوائف الدينية والمذهبية والعرقية والقومية، والقائم على المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وتطبيق حقوق الإنسان.
عزيزى القارئ إن ثقافة السلام هى الحلم الذى لم يتحقق بعد، ولكننى على يقين بأنه سيأتى يوم تؤمن فيه جميع الشعوب بثقافة السلام، وسيأتى يوم تنتشر فيه مشاعر المحبة والتعاون والتسامح بين الشعوب، وتتحرر فيه الشعوب المحتلة، وسيأتى يوم نقضى فيه على ثقافة الإرهاب، وثقافة العنصرية، نحن بالفعل نستحق أن نعيش فى سلام.

