جهود الامم المتحدة في تمكين وحماية المرأة
نسمة السامعي*
نحتفل في عامنا الحالي بالذكرى العشرين لصدور واعتماد القرار الأممي ١٣٢٥ حول المرأة والأمن والسلام الذي اعُتمد في العام ٢٠٠٠، والذي توج مسيرة حافلة من الاجتهادات والكفاح النسوي والضغط من النشطاء والمنظمات الغير حكومية والمجتمع المدني. فكيف وصلنا الى هنا؟ وماهي جهود الامم المتحدة التي بُذلت من اجل تعزيز دور المرأة والوصول للمساواة الجنسانية؟ يسرد هذا المقال نظرة تاريخية عن تطور وضع المرأة في منظومة الأمم المتحدة ولمحة عن جهودها العالمية المبذولة لتعزيز مشاركة وتمكين المرأة.
لعبت الامم المتحدة منذ العام الاول من انشائها بعد الحرب العالمية الثانية في العام ١٩٤٥، دورا مهما في تعزيز المساواة الجنسانية. حيث دعمّت قضايا المرأة وضمّنت مواضيع مهمة ترتبط بإشراك وتمكين وحماية وتعزيز المساواة بين الجنسين. حيث تنص المادة ١ من ميثاق الأمم المتحدة على أن “… تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء”. اضافة الى انه وقبل إتمام الذكرى الاولى لتكوين الامم المتحدة، في العام ١٩٤٦ تم إنشاء لجنة وضع المرأةCSW ، وهي لجنة فنية تابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي واعتُبِرت هذه اللجنة الهيئة العالمية الرئيسية المسؤولة عن صياغة وصنع السياسات المتعلقة بتحقيق المساواة بين الجنسين والنهوض بالمرأة في العالم.
ويعتبر أحد اهم إنجازات هذه اللجنة آنذاك، ضمان لغة محايدة بين الجنسين في جميع وثائق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم اعتماده في العام ١٩٤٨ من قبل الجمعية العامة. ووفقا للأمم المتحدة، يجتمع ممثلي الدول الاعضاء والمنظمات غير حكومية وكيانات الامم المتحدة في مقر الأمم المتحدة لمدة اسبوعين بشكل سنوي، لإستعراض وتقييم التقدم العالمي وتحديد التحديات ووضع التوصيات وصياغة سياسات عملية وإجراءات مُحددة تعزّز المساواة الجنسانية. ويقوم المجلس الاقتصادي والاجتماعي بإنتخاب ٤٥ عضوًا في لجنة وضع المرأة بنسبة ممثل واحد عن كل دولة من الدول الاعضاء في المجلس الاقتصادي والاجتماعي على أساس التوزيع الجغرافي العادل وللعمل لفترة زمنية مدتها أربع سنوات قبل أن يتم إعادة الإنتخاب مجددًا.
وبالرغم من توفر القاعدة الاساسية المتمثلة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إستمرت حالة التهميش والإقصاء للنساء في العالم، مما دعا الى ظهور حركات نسوية عالمية تدفع للضغط من أجل تعزيز مشاركة المرأة وتمكينها. وبعد مطالبات نسوية وكفاحٌ لأعوام، تم الاستجابة للمطالب وذلك حين اعتبر العام ١٩٧٥ عام المرأة ونظّمت الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤتمر العالمي الأول المعني بالمرأة، الذي إنعقد في المكسيك في نفس العام، بالرغم من الوضع السياسي المرتبك عالميا إزاء الحرب الباردة آنذاك. واعتُبِرَ أول مؤتمر عالمي معني بقضايا المرأة فقط، حيث شكّل تحولًا جوهريًا في توجهات السياسة العامة العالمية. وقد أفضى هذا المؤتمر العالمي الى تأسيس ما عُرف بمعهد الأمم المتحدة الدولي للبحث والتدريب INSTRAW من أجل النهوض بالمرأة وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة UNIFEM. بينما وفي وقت لاحق، وبدعوة من المؤتمر، أعلنت العشر سنوات من العام ١٩٧٦ الى العام ١٩٨٥ بعقد الأمم المتحدة للمرأة. حيث وخلال هذا العقد تم التقدم في مسيرة تعزيز دور المرأة والمساواة الجنسانية. ففي عام ١٩٧٩، تم اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من قبل الجمعية العامة وعقد مؤتمرين عالميين آخرين، هما مؤتمر كوبنهاجن الثاني للمرأة في العام ١٩٨٠ ومؤتمر نيروبي العالمي الثالث للمرأة في العام ١٩٨٥. وتكمن اهمية هذه المؤتمرات في أنها لفتت انتباه الرأي العام العالمي لدور المرأة، إضافة الى كونها مؤتمرات تقييمية، وتبني على مخرجات بعضها البعض، وتطور السياسات والاجراءات في جوانب مهمة في قضايا المرأة. ومن الجدير بالذكر أن أكثر من ١٥٠٠٠ ممثل وممثلة للمنظمات الغير حكومية شاركن في منتدى موازٍ ضمن مؤتمر نيروبي. وقد أولت منظومة الأمم المتحدة قضية العنف ضد المرأة اهتماماً خاصاً، ففي العام ١٩٩٣ وضعت الجمعية العامة الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة. وتم تعريف العنف ضد المرأة لأول مرة بشكل واضح وشامل. ومثّل هذا الإعلان إلتزامًا للدول الاعضاء بتحمّل مسؤولياتها والمجتمع الدولي للسعي الى القضاء على العنف ضد المرأة. وفي العام ١٩٩٥ عقد المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في الصين سُمي بمؤتمر بيجين، وما ميّز هذا المؤتمر انه تم الخروج بمنهاج عمل شامل لحقوق المرأة (منهاج عمل بيجين)، كما قدمت الدول التزامات شفوية فيما يتعلق بتحسين وضع النساء وتعزيز حقوقهن. وقد حضر هذا المؤتمر أكثر من ٤٠٠٠٠ شخص، منهم مندوبين حكوميين ممثلين عن ١٨٩ دولة، وناشطين اعلاميين، وخبراء، وممثلي منظمات غير حكومية ومجتمع مدني. وكان أحد مخرجات منهاج العمل، انشاء مكتب المستشارة الخاصة للقضايا الجنسانية (OSAGI). كما احتوى منهاج عمل بيجين على ١٢ محورا فيهم محوراً خاصاً بالعنف ضد النساء ومحور آخر يركز على المرأة والنزاع المسلح والذي افضى الى صدور القرار ١٣٢٥ بعد ضغط المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والناشطين. في العام ٢٠٠٠ اعتمد قرار مجلس الأمن (١٣٢٥) حول المرأة والسلام والأمن والذي يحث كلاً من مجلس الأمن، والامين العام، والدول الأعضاء في الامم المتحدة وجميع الأطراف الأخرى، على أخذ التدابير اللازمة في المسائل المتعلقة بمشاركة المرأة في عمليات صنع القرار والسلم، والأخذ بدمج النوع الاجتماعي في التدريب وحفظ السلم، وحماية المرأة، إضافة إلى إدماج النوع الاجتماعي في جميع أنظمة تقارير الأمم المتحدة وآليات تنفيذ البرامج. وتكمن أهمية هذا القرار باعتباره نقطة إرتكاز مهمة. حيث تعتبر اول وثيقة قانونية تصدر عن مجلس الأمن فيما يخص وضع المرأة في مراحل النزاع والصراع وما بعدها. ويركز القرار على اربعة محاور رئيسية وتتضمن: الوقاية، من خلال منع العنف القائم على الجنس والنوع الاجتماعي اثناء وبعد النزاعات. والحماية، عن طريق تحسين أمن الفتيات والنساء، وتمكينهم الاقتصادي والحماية القانونية. والمشاركة، من خلال تعزيز مشاركة النساء في عمليات السلام، و رفع أعداد النساء في جميع منظمات صنع القرار، وزيادة الشراكة مع المنظمات النسائية المحلية. واخيراً، التعافي والانعاش المبكر، ويتضمن توزيع المساعدات الدولية للنساء والفتيات بالتساوي، وتضمين المنظور الجنساني في جهود التعافي والانعاش المبكر والتنمية ما بعد النزاعات. واستمراراً في تعزيز دور المرأة، قامت الامم المتحدة بالدفع بعجلة المساواة من خلال تضمين الهدف الثالث الذي ينص على تعزيز المساواة بين الجنسين ضمن أهداف الألفية للتنمية التي اقرت في العام ٢٠٠٠ وجرى العمل عليها حتى العام ٢٠١٥. وفي العام ٢٠١٠ ادرجت أربع وكالات ومكاتب دولية أممية معنية بالمرأة تحت هيئة واحدة لتنظيم الاعمال المتعلقة بقضايا المرأة لتجميع الجهود. حيث تم جمع كل من: شعبة النهوض بالمرأة (DAW) ومكتب المستشارة الخاصة للقضايا الجنسانية ( (OSAGI وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (UNIFEM) والمعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة (INSTRAW) ليندرجوا تحت كيان جديد هو هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN WOMEN).
وكلفت الهيئة الجديدة بتسريع التقدم في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. في العام ٢٠١٥ وبعد تقديم تقرير التقدم المحرز في أهداف الألفية، اعتمدت الامم المتحدة خطة تنمية عالمية شاملة من خلال العمل على تحقيق ١٧ هدفاً عُرفوا بأهداف التنمية المستدامة في أجندة ٢٠٣٠ وجاري العمل على تحقيقهم بحلول العام ٢٠٣٠. وينص الهدف الخامس منهم على “تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات”.
وبعد كل هذه الجهود المبذولة، نأتي للتساؤل اين نقف الان؟ وفقاً لموقع الامم المتحدة، فقد انضمت الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) الى الأمم المتحدة في ٣٠ أيلول/سبتمبر ١٩٤٧ بينما انظمت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) الى الأمم المتحدة في ١٤ كانون الأول/ديسمبر ١٩٦٧. في ٢٢ أيار/مايو ١٩٩٠، اندمج كلا من اليمن الشمالي والجنوبي لتشكيل الجمهورية اليمنية ومنذ ذلك الحين تم تمثيلهما كدولة عضو واحدة باسم “اليمن”. وقد صادقت اليمن على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام ١٩٨٤ وعلى العديد من الصكوك والاتفاقيات الأخرى المتعلقة بالمرأة وحقوق الإنسان، بما في ذلك التزامها بالعمل على إعلان بيجين ١٩٩٥. وعلى الرغم من أن اليمن قد انضمت إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (مع التحفظ على مادة التحكيم فقط)، وتلتزم بموجب عضويتها في الامم المتحدة ومجلس الامن بالعمل بالقرار ١٣٢٥، الا ان عدد من تشريعاتها وقوانينها لا زالت تتعارض مع تلك الوثائق الدولية. وقد انعكس ذلك على وضع النساء في اليمن بشكل مباشر حيث واجهت وتواجه النساء في اليمن تحديات كبيرة منذ تصاعد الحرب في عام ٢٠١٥.
وتخلص إحدى تصريحات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه إذا استمر الصراع إلى ما بعد عام ٢٠١٩، فلن يحقق اليمن أيًا من أهداف التنمية المستدامة حتى عام ٢٠٦١ – ما يعني ٣١ عامًا بعد التاريخ المخطط له! ولأن مقياس المساواة بين الجنسين متراجع في اليمن بالفعل، قد يتم مضاعفة هذا التقدير فيما يتعلق بتحقيق هذا الهدف.
وفي عام ٢٠١٩، احتلت اليمن المرتبة ١٢٦ من بين ١٢٩ دولة في مؤشر ايكول ميجرمينت للنوع الاجتماعي لأهداف التنمية المستدامة. والمرتبة ١٧٧ من أصل ١٨٩ في مؤشر التنمية الجندرية في تقرير مؤشر التنمية البشرية ٢٠١٩ ل UNDP بالنسبة للدول. إضافة إلى ذلك، تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان للعام ٢٠١٧ الى زيادة معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي منذ بدء الصراع، وأن ٢،٦ مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي. وهذا يشمل الزواج القسري الجنسي، والزواج المبكر، والزواج التبادلي، والتحرش، والحرمان من الميراث، والقيود المفروضة على التنقل. وعند الحديث عن المؤشرات المرتبطة بوضع المرأة المتدني في اليمن، فهي كثيرة. وهذا يتطلب إستجابة عاجلة، والضغط نحو تحقيق الالتزام التي ضُمنت في القرارات الأممية. حيث يُعتبر القرار ١٣٢٥، مرجعية مُهمة لحماية النساء خلال هذه الفترة الحرجة، وضمان لأن تكون النساء جزءًا من عملية السلام القادمة. بينما تظل مسيرة الكفاح من أجل تعزيز مشاركة وحماية النساء في اليمن مهمة طويلة، وتتطلب توحيد وتكثيف جهود النشطاء والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني.
*عضوة شبكة أصوات السلام النسوية ٢٥ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٠

