السلام.. ترياق ضد الأحقاد والخصام

الأربعاء،28 تشرين الأول(أكتوبر)،2020

السلام.. ترياق ضد الأحقاد والخصام

إميل أمين

نهارَ الثلاثاء الموافق العشرين من تشرين الأول/أكتوبر الجاري شهدتْ العاصمة الإيطاليّة لقاءً نوعيًّا للسلام في زمن يسوده، ومن أسف، الخصامُ وتعمُّه الحروب، ومن غير أيّ أفق لحلول جذريّة تمدّ الجسور وتهدم الجدران.
اللقاء الذي حمل عنوان “لا يمكن لأحد النجاة بمفرده.. سلام وأخُوّة “، جاء بدعوة من جماعة “سانت إيجيديو”، تلك التي باتت رقمًا قيّمًا ومهمًّا في عالمنا المعاصر، في إطار التوفيق لا التفريق، والسلام لا الخصام. وعلى هامش دورتها الـ ٣٤ بعد لقاء أسيزي الذي كان قد دعا إليه بابا روما الأسبق يوحنّا بولس الثاني عام ١٩٨٦.
جمع اللقاءُ ممثّلين عن كبرى الديانات في العالم مع كبار الممثّلين المؤسّساتيّين.
ولعلّ أهمّيّة اللقاء تنبع من أنّه يجيء في لحظة تخيِّم فيها الغيوم على سماوات العالم من جَرّاء تفشّي وباء كوفيد-١٩ مرّةً جديدة، عطفًا على حالة الخوف والهلع التي تنتاب البشريّة خوفًا من اندلاع حرب نوويّة كثيرًا ما تجنَّبَها العالم من قبلُ. وها هي تطلّ برأسها من جديد، ناهيك عن حروب إقليمية بعضها مستمرّ ومستقرّ منذ عشر سنوات كما الحال في سوريا وليبيا واليمن، وبعضها حديث العهد كما في إشكاليّة ناغورني كاراباخ.
هل كان العالم في حاجة ماسّة إلى سلام أخويّ حقيقيّ، وإلى سلام بين الأمم والشعوب، بين الدول التي عرفت الحروب طويلاً، والمجتمعات العصرانيّة التي تسرّبت إليها روح الكراهية، أكثر من الآن؟
من الكابيتول، وفي قلب روما، ارتفعت أصوات أصحاب الأديان التوحيديّة والوضعيّة، من منطلق واحد وهو الأخوّة الإنسانيّة، تلك الصيحة الخلاّقة التي انطلقت في شباط/فبراير ٢٠١٩ من قلب الإمارات العربيّة المتّحدة، لتسعى إلى تغيير شكل العالم المعاصر مؤخَّرًا.
في كلمته، أشار البابا فرنسيس إلى أنّ الاختلاف في الأديان لا يبرر اللامبالاة أو العداوة، لا بل وانطلاقًا من الإيمان الدينيّ يمكننا أن نصبح صانعي سلام، وليس مجرّد متفرِّجين خاملين إزاء شرّ الحرب والحقد.
من جديد، يؤكّد فرنسيس على أنّ الأديان هي في خدمة السلام والأُخوَّة، لذلك يدفع لقاءُ روما القادةَ الدينيّين وجميعَ المؤمنين للصلاة بحرارة من أجل السلام، ولعدم الاستسلام أبدً إلى الحرب، وللعمل بقوّة الإيمان الوديعة من أجل وضع حدّ للنزاعات.
يؤمن فرنسيس بأنّ هناك حاجة للسلام، بل لسلام أكبر. ولهذا فإنّه لا يمكننا أن نبقى غير مبالين.
إنّ عالم اليوم متعطِّش للسلام.. يعاني الناس في بلدان عديدة من الحروب، التي غالبًا ما تنسى، لكنّ أثرها المتمثّل في الفقر والألم يبقى شاهدًا على قسوتها ومرارتها لأجيال طوال.
وسط روما عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة، والتي تكتسب اليوم قيمة أخلاقيّة من خلال نداءات السلام، ارتفع صوت الإسلام مُمثَّلاً في كلمة الأزهر الشريف ورؤية الإمام الأكبر أحمد الطيب، والذي لم يستطع السفر بسبب القيود الصحّيّة المفروضة، وقد مَثَّلَه في اللقاء في روما المستشار محمد عبد السلام، الأمين العامّ للجنة العليا للأُخُوّة والسلام.
“الأخوّة الإنسانيّة هي الترياق ضدّ أمراض الكراهية والعنصريّة. إنّها مناعة صلبة في مواجهة الأوبئة الفكريّة والأخلاقيّة”.
هكذا تحدّثَ الشيخ الطيب، شارحًا في كلمته أن “وباء فيروس كورونا الذي لم تفلت من تداعياته أيٌّ من الدول، أظهر وباء آخر قديمًا لكن متجددًا، هو وباء العنصريّة والتمييز، ووباءً تآكل الضمير الإنسانيّ”.
وضع الإمام الأكبر العالم أمام حقيقة مؤلمة باتت تمثّل صدمة للإنسانيّة برمّتها، ففي قلب محنة الوباء بدا وأن هناك من يذهب إلى ضرورة تَرْك بعض الفئات لمواجهة مصيرها بدون مساعدة؛ بهدف إعطاء الأولويّة في العلاج لآخرين، ومعتبرًا أنّ هذه الدعوات لا تعبّر إلا عن انعدام إنسانيّة مُطلِقيها، ومشيرًا إلى أنّ العلاج الوحيد للتغلّب على هذا الميل هو تنمية الأخوّة الإنسانيّة وبَذْل الجهود لتأمين سلامة الآخرين.
طرحتْ كلمةُ ممثِّل الأزهر قِبْلة العالم السّنّي تساؤلاً عميقًا دار في عقول ونفوس الحضور: “هل جاءت كورونا لتعلن وفاة العولمة بمظهرها وخبرها اللذَيْن عرفناهما في العقود الثلاثة المنصرمة، وأنّه آن الأوان لتبني شكلاً جديدًا من العولمة التي تتأسّس على الأخوّة الإنسانيّة التي تساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، وتُرسِّخ التعايش الإنسانيّ المشترك”.
في القلب من روما، كانت هناك كلمات تُعبِّر عن قناعة راهب بوذيّ يابانيّ “شوتن مينبغتشي”، صديق جماعة سانت إيجيديو منذ فترة طويلة، والذي دعا بدوره إلى تكثيف التعاون عبر الكرة الأرضيّة بهدف إحلال السلام، بغضّ النظر عن اختلافات الأديان أو المناصب”.
لفت “مينيغتشي” أنظار الحضور إلى أن “الخير والشرّ يمكن أن يكونا موجودَيْن في الشخص نفسه، وإلى أنّ كلّ واحد منّا يمكن أن يكون طيّبًا أو أن يمارس السلطة الشريرة للأسلحة، فالكلمات التي تخرج من أفواهنا قد تجرح الآخر، والنظرة التي نوجّهها نحو الآخر قد تهينه.
إنّنا نميل إلى خَلْق انقسام بين الناس، ويعود لنا أن نحدّد إن كنّا سنتسلّح بهذا، وكيف نفعل ذلك.
الطريق إلى السلام لا بدّ له من المرور بالحوار ليفتح القلوب وليدعونا للقيام بخطوة إضافيّة. هذه هي قناعة الراهب البوذيّ، الذي توصل إلى قناعة مفادها أنّ العنف والحروب هي تصرّفات يوجدها الإنسان، وعليه إذا أردنا أن نتخلّص من الحروب، فلا بدّ لنا من نَزْع السلاح من قلوبنا أوّلاً، وَلْنمضِ معًا في طريق الأُخوّة الإنسانيّة.
يطول القولُ إنّ أردنا أن نتوقّف مع كلمات المشاركين، وهذه يمكن أن نجدها عبر الكثير من المواقع والمواضع الإعلاميّة، غير أنّ الرسالة القيّمة التي بعثها لقاء روما للعالم تتمحور في أنّه آن الأوان لكي نحلم مجدّدًا، وبجرأة، بأنّ السلام ممكن، وبأنّ عالمًا خاليًا من الحرب ليس يوتوبيًّا. لذا يمكن أن نقول معًا: “لا للحرب بعد اليوم”.
لقاء روما أعاد التذكير أُمميًّا وشعوبيًّا بأنّ الحروب والسلام، الجائحات، العناية بالصحّة والجوع والحصول على الغذاء، واستدامة الكوكب والاحتباس الحراريّ، وتنقل السكان ونهاية الخطر النوويّ والحدّ من عدم المساواة هي قضايا أكبر من دولة واحدة.
نداء السلام الذي وجَّهه المُجتمِعون في روما في تلك الأمسية هو دعوة صريحة لنبني هيكليّة جديدة للسلام، لنوحّد القوى من أجل الحياة والصحّة والتربية والسلام.
من أين للبشرية أن تجعل من سيوفها مناجل ومن رماحها سككًا للزرع والحصاد، لا للخصام والموت والعناد؟
لقد حان الوقت حتمًا لكي نستعمل الموارد الموجّهة لصنع أسلحة أكثر تدميرًا إلى فائض اقتصاديّ يستنقذ المحتاجين إلى فرص عمل شريفة.
مواجهة فيروس كوفيد-١٩ اليوم لهو تجربة مثيرة على ألمها تدعونا لإعادة بلورة رؤية لإنسانيّة تعمُّها الأخوّة ويسودها السلام والخير العامّيْن.