مجلة السلام تحاور الكاتبة فدوى كيلاني

الأحد،7 كانون الثاني(يناير)،2018

 

1. ما هي برأيكِ أهم أسباب تراجع السّلام العالمي بين البشر؟
-بالطبع، أن الجشع هومن أول الأسباب التي تؤدي إلى إخلال السلام، أي طمع الإنسان بلقمة أخيه، طمعه بأن يعيش سعيداً على حسابه.
2. لماذا ابتعد الإنسان عن السَّلام والوئام بين بني جنسه، سائراً نحو حقول الألغام الَّتي تنسف حيثيَّات السَّلام من جذوره؟
-نتيجة الفعل ورد الفعل، وتضارب المصالح بين الناس، وشيوع روح البغضاء وثقافة الكراهية
3. ما هي أسباب انكفاء الحسّ الأخلاقي والمعايير الرَّاقية عند الكثير من البشر في الوقت الرَّاهن؟

-بسبب الثقافة الاستهلاكية الرخيصة والابتعاد عن القيم النبيلة التي من شأنها أن تعيد المرء إلى صوابه ما إن أخطأ
4. يركّز الإنسان على العلاقات المادّيّة، وغالباً ما تكون على حساب إنسانيّة الإنسان، لماذا يتراجع الإنسان نحو الأسوأ في علاقاته مع بني جنسه: البشر؟!

5. هناك تطوُّر كبير في تقنيات وتكنولوجيا العصر، يسير عصرنا نحو فتوحات كبرى في عالم التّقانة والتَّحديث، لكنَّه فقد الكثير من الحميميّات، كيف ممكن إعادة العلاقات الحميمة الرَّاقية بين البشر؟!.
-أتصور أن تلك الحميميات ضاعت إلى غيرعودة، وأن مالم يضع منها كما جاء في آخركتاب قرأته في هذا المجال، وهواستشرافات على عتبة التحول” فإنه في طريقه إلى المحو والزوال، قد تنعتني أني يائسة، أو أعيش تحت سطوة فكرة مؤطرة، لكن وقائع ماهوجارمن حولنا تؤكد هذه النظرة التشاؤمية، للأسف.

6. لا يتمُّ تأسيس الكثير من الدُّول الشَّرقيّة/ العربيّة وما يجاورها على أسسٍ ديمقراطيّة، غالباً ما تجنح نحو الحروب والدَّمار، متى ستتعلَّمُ هذه الدُّول أنَّ بناء الدَّولة يقوم على بناء المؤسَّسات الدِّيمقراطيّة وتطبِّق هكذا مؤسَّسات؟.
– لأني أوافقك على مضمون السؤال، فإني أضيف عليه بالقول: وإن الكثيرمن الدول باتت تتحايل على فكرة المؤسسات، من خلال تفريغها من محتواها، ولقد كان حزب البعث بشطريه السوري والعراقي أول من قام بتمييع هذه الفكرة من محتواها.

7. جاءت الأديان كلّ الأديان، لتقويم سلوك وأخلاق البشر، ولإرساء أسس العدالة والمساواة بين البشر، لكن واقع الحال نجدُ انشراخاً عميقاً بين المذاهب عبر الدِّين الواحد، وصراعات مميتة بين الأديان، إلى متى سيبقى هذا الصِّراع والتَّناحر مفتوحاً بين المذاهب والأديان؟.

– مايدرج الآن تحت مسمى الدين، من خلال نشرثقافة العنف لاعلاقة له بجوهرالدين، ومن هنا، فإن الدين جاء لمرحلة معينة، ومن حقنا الآن أن ننظر إلى مايخدم استراتيجية مصالحنا، ولابأس من الاستفادة من كل فكر ضمن هذا الإطارأيا كان، شريطة الإجماع الأممي عليه.

8. سمِّي القرن التّاسع عشر بعصر القوميّات، نحن في بداية القرن الحادي والعشرين، وما نزال نتخبّطُ بالحقوق القوميّة وحقوق الأقلِّيات، إلى متى سنظلُّ نتصارع كأنَّنا في غابة متوحِّشة، لماذا لا نركَّزُ على بناء الإنسان وتأمين حقوق المواطن القوميّة والمذهبيّة والدِّينيّة بعيداً عن لغةِ العنف والعنف المضادّ؟!
-عصرالقوميات نفسه تأسس على أساس نبذ قوميات الآخرين، كما يقال إذ يسأل أحدهم: لم يتم تأسيس الدولة المعاصرة على أساس حقيقة حضورالوجود القومي”، وهنا فإنني أجد أن أوربا بمخططها السايكسبيكوي مسؤول تماما عن حرمان بعض القوميات من حقوقها.
9. تحاول الدُّول العظمى أن تنشبَ حروباً في الدُّول النَّامية كي تصنعَ حروباً، فتعيشُ الدُّول المتقدِّمة على حساب المزيد من التّعاسة في الدُّول النَّامية، إلى متى ستبقى هذه المعادلة المخرومة قائمة في أبجديات سياسات بعض الدُّول الكبرى؟
-أجل، أوافقك، أن من مصلحة الدول العظمى إشعال هكذا حروب، ولكن، أليس نحن من لدينا النية في إضرام النار وجعلنا وقودا لها؟، هنا السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده.
10. الإنسان هو المهم، هو جوهر الحياة، وهو العقل المدبّر لقيادة الكون، مع هذا لا أراه مهمَّاً في برامج الكثير من دول العالم، لماذا لا يتمُّ التَّركيز على بناء إنسان خيِّر وحكيم ومحب للسلام والعدالة وبناء الأوطان؟

-منذ بداية التاريخ، والنوايا الطيبة، سواء في حقل الدين، أو افكر، تتوجه إلى نحو هذا المطلب الكوني الذي يخدم تعزيز إنسانية الإنسان، وتحقيقها، وصون كرامته، ولكن، من دون جدوى، وقد آن الأوان للسعي من أجل فعل أي شيء في هذا المجال.
11. عجباً أرى، كيف لا يفهم المتصارعون والمتحاربون أنَّ لا منتصر، في الحروب، حتَّى المنتصر هو منتصر على حساب جماجم آخرين؟ نحن بحاجة أن ننصر قيم الخير والعدالة ونحقِّق الدِّيمقراطيّة والمساواة للجميع من دون هدر الدِّماء!

-بعيداً عن مفهومي الربح والخسارة في الحرب، فإن قوى الشر هي التي تقود هذه الحروب، وهي تضطر قوى الخيرلكي تستجرإلى هذه الأتون، سواء أانتصرهذا الطرف أو ذاك، لكن هناك من هومنتصرعمليا إنه الشر، الشرالذي يجني ثمار هذه الحروب عادة.
12. أبحثُ عن إنسان حكيم، عاقل، جانح نحو السَّلام، خيّر يقود البلاد إلى دفءِ الوئامِ، متى سنرى قائداً بهذه الحيثيّات، يقود البلاد إلى أبهى واحاتِ الأمان والسَّلام؟!.
– من خلال تجربتنا المريرة في بلدنا سوريا نجد أن العقود الأربعة الأخيرة ابتلينا فيها بمن هم سفاحون، قتلة، لصوص، مستبدون، تجارشعارات، ووطنية، وهم سبب كل بلاء نتعرض له، وماخراب بلدنا إلا نتيجة روح الشر في نفوس هؤلاء.

13. الحيوان المفترس يفترس الكائنات والحيوانات الضَّعيفة من بني غير جنسه، من أجل البقاء، بينما الإنسان، هذا الكائن (السَّامي)، يفترس بني جنسه ليس من أجل البقاء، بل بسبب البطر والنُّزوع الحيواني، كأنّه ينافس الحيوان المفترس افتراساً، إلى متى سيفترس الإنسان بني جنسه؟!.
– أتصورأن القتل هواستنساخ حرفي لعالم الوحوش، فإن من يقتل أهلنا في بلدنا فإنما يفعل ذلك كي يهيمن، كي يستبد بكرسي الحكم، وهوما يمكن تعميمه على تجارب الكثيرمن الشعوب في ظل حكم الطغاة: حكم صدام- حكم القذافي- حكم آل الأسد- حكم داعش إلخ إلخ…

14. الإنسان حيوان اجتماعي بالطَّبع، أنا لا أرى فيه هذه الرّوح الاجتماعيّة، بل أرى فيه جنوحاً نحو البوهيميّة والغرائزيّة، كيف ممكن أن ننقِّي هذا النُّزوع البوهيمي وننمِّي فيه إنسانيّة الإنسان؟!.
– أتصورأن الانطلاق من مثل هذه الأحكام يعكس تجنيا على البشر، فإن هناك من هم على خلاف تام مع مع مثل هذه الصفات البائسة والحيوانية والافتراسية.

15. كيف تنسجين خيوط بحوثكِ، وتترجمين أفكاركِ الإبداعيّة وأنتِ غائصة في لجَّة الأحزان المتفاقمة في هذا الزَّمن المفخَّخ بالتَّوهان عن الهدف، أم أنّكِ تزدادينَ ألقاً وعمقاً في صياغة أفكاركِ رغم إنشراخات هذا الزّمان؟! .
لست من هؤلاء الذين يستطيعون الكتابة في ظل هكذا أوضاع كارثية، أعترف أن كتاباتي تراجعت، باتت محصورة في إطار ضيق، لاسيما بعد انتشارشبكات التواصل الاجتماعي التي تتطلب كتابات سريعة جدا.

16. لا أرى أهدافاً عظيمة ممَّا يهدف إليها إنسان اليوم، غالباً ما تكون أهدافاً عقيمة من حيث فائدتها للمجتمع البشري، إلى متى سيغوصُ في ترّهات الحياة، تاركاً أسمى الأهداف بعيداً عن نصبِ عينيه؟!
-ثمة أهداف كبرى ولدت عبرالتاريخ، وضعها مفكرون عظام، لكنها جميعها تفرغ من محتوياتها على أيدي من تتضاد مصالحهم مع مصلحة الإنسان العامة، هنا الإشكال الأكبرالذي نعاني منه.
17. ما هو دوركِ كمبدعة، كمثقّفة، كمفكِّرة، عندما ترين الإنسان يقتل بني جنسه بقلب بارد، من دون أن يرمشَ له جفن؟
-إنه لأمر مرفوض بكل المقاييس، وليس من قبل واحدة مثلي، لكن، ماذا عسى أن تفعله أصواتنا أنا والآخرون؟، ليس لنا إلا أن نحزن، أن نتألم، أن نرثي، وكل هذا مالايغيرفي المعادلة البتة.
18. كيف ممكن أن ننقذ فقراء وأطفال هذا العالم من الخراب والفقر والقحط الَّذي بدأ يستفحل في الكثير من دول العالم؟!

– عندما يتم وضع حد للصوص وتجارالدماء والمفسدين الذين يسرقون قوت هؤلاء، آنذاك، وهذا الأمريحتاج إلى عاملي الوعي والقوة، وإلا فإن هذه المأساة الإنسانية ستظل مستمرة.
19. ما هي أفضل الطُّرق والأسس الَّتي تقودنا إلى تحقيق السَّلام العالمي بين البشر كلَّ البشر؟

– إن أسهل السبل والطرق التي يمكن إتباعها من أجل تحقيق السلام العالمي وجود إرادة دولية لحماية السلام، وهي غيرمتوافرة حتى الآن، لأن بعض القوى التي تدعي الآن أنها تتنطع لمثل هذه المهمة تقوم بمؤازرة القاتل والضحية على حد سواء.
20. لو قام كلُّ إنسان بأعمال الخير والسَّلام والمحبّة، لتحقَّق السَّلام كتحصيل حاصل، ما هو دوركِ في تحقيق هذه الفكرة؟
– هذه الفكرة لايمكن أن تحقق نتائج ملموسة، فالخيروالشرموجودان، ولكن الشر يعرقل مسيرة الخيرباستمرار، لذلك فإن دعم مثل هذه الأعمال الجليلة يجب أن يكون على مستوى عام لا على مستوى فردي خاص، ولا على مستوى أفراد، هنا وهناك..
21. كيف ممكن أن نسخّر أقلام مفكِّري ومبدعي ومبدعات هذا العالم من أجل تحقيق السَّلام والكرامة الإنسانيّة؟
– القطيعة بين المثقفين لاتزال قائمة على مستوى المدينة الواحدة، والبلد الواحد، فكيف بنا أن نقوم بالتوشيج بين المفكرين، عالميا، هنا فإنه لابد من وجود نوايا أممية، من أجل خلق مثل هذه العلاقة.

22. ما رأيكِ بتأسيس تيَّار وفكر إنساني على مستوى العالم، لإرساء قواعد السَّلام وتحقيق إنسانيّة الإنسان، بإشراف هيئات ومنظَّمات دوليّة تمثِّل كل دول العالم، كي يكون لكلِّ دولة من دول العالم دوراً في تحقيق السَّلام؟

-لابد من التأسيس لثقافة أصيلة، قائمة على إيلاء الإنسان مايليق به من منزلة، وجعل هدردمه محرماً، وهومايجب الاهتمام به عبر المؤسسات التعليمية، ولابد من أن تكون هناك إرادة قوية، و خطط لإنجاح هذا المطلب الإنساني الملح.

23. ما هي أفضل الطُّرق لخلق رؤى تنويريّة، ديمقراطيّة، تقدميّة في العالم العربي والدُّول النَّامية في العالم، لتحقيق السَّلام والاستقرار، بعيداً عن لغة الحروب المميتة الَّتي دمَّرتْ وتدمِّر كلَّ الأطراف المتصارعة؟.

– كما لابد من العودة إلى البنى الثقافية التربوية الأولى وإعادة تأسيسها من جديد حتى يتم تأسيس نشء مشرب بثقافة السلام ونبذ العنف، وإلا فإن كل الدعوات إلى تأسيس مجتمع خال من العنف تظل بحسبه نفسه طوباوية، غيرممكنة التحقق.

24. ما رأيكِ بإلغاء وإغلاق معامل السِّلاح في العالم، والوقوف ضد صنَّاع الحروب والفكر القائم على الصِّراعات، ومعاقبة كل مَنْ يقف ضد السَّلام، لتحقيق السَّلام بقوّة القانون العالمي، وذلك بمحاسبة الجّانحين نحو الحروب ودمار الأوطان؟!
– لايمكن لمثل هذه المعامل من أن تغلق، لأن ثقافة القتل موجودة مادامت ثقافة الكراهية موجودة منذ قابيل وحتى الآن فإن السكين لن تستخدم في سبيل تقشير تفاحة بل من أجل جز رقبة وهكذا طبعا بالنسبة إلى بقية الأسلحة التي تتطوريوميا.

25. ألا ترينَ أنّه آن الأوان لتأسيس جبهة سلام عالميّة من خلال تواصل المبدعين والمفكِّرين من شتّى الاختصاصات، والدَّعوة لتأسيس دستور عالمي عبر مؤسَّسات وهيئات عالميّة جديدة، لتطبيق السَّلام عبر هذه التَّطلُّعات على أرض الواقع؟
– المقترح سليم، وصحي، وضروري، الكفاءات كلها موجودة، ولكن، أين هي الحاضنة لمثل هذا المطلب المهم، إذ لابد من وجود نواياأممية جادة من أجل تأسيسه وإنجاحه.

” حاورها الأستاذ صبري يوسف لمجلة السلام “