“العدالة التصالحية” ويسألونك عن التطرف والعنصرية!

الإثنين،21 كانون الأول(ديسمبر)،2020

“العدالة التصالحية” ويسألونك عن التطرف والعنصرية!

بسام يوسف

تتصاعد حدة المواجهة السياسية بين الاتحاد الأوروبي والحكومة المصرية، لتصل إلى مطالبة ما يزيد على مئة نائب أوروبي بقطع العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، وذلك بعد اتهام إيطاليا لعدد من ضباط الأمن المصريين بقتل الباحث الإيطالي “جوليو ريجيني”، تعذيبا في السجون المصرية.
قد يتذكر الكثيرون الجملة الصادمة التي قالتها والدة الباحث الإيطالي “جوليو ريجيني”، والذي عثر عليه مقتولاً في مصر، في الثالث من شباط ٢٠١٦م، عندما وقفت أمام البرلمان الإيطالي، وقالت بمنتهى الصدمة: (لقد عذبوه وقتلوه كما لو كان مصريا!).
بدأت حكاية “ريجيني” في أيلول من عام ٢٠١٥م، عندما توّجه إلى مصر للإعداد لرسالة الدكتوراه التي يحضر لها في جامعة “كامبريدج”، وكان قد اختار “النقابات العمالية في مصر” موضوعاً لبحثه، وخلال فترة وجوده في القاهرة كتب عدة مقالات باسم مستعار، تحدث فيها عن الوضع في مصر، وعن هيمنة الأجهزة الأمنية والجيش على الحياة فيها، وكان ينشرها في جريدة “مانيفستو” الإيطالية. 
في ٢٥ من كانون الثاني، ٢٠١٦م، اختفى “ريجيني”، وبعد تسعة أيام فقط عثر على جثته مرمية على الطريق الصحراوي، وكانت عارية، وآثار تعذيب شديد واضحة عليها.
كما العادة في الأجهزة الأمنية القمعية، والتي لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان، أو حقوقه، فقد سارعت الأجهزة الأمنية المصرية إلى إحدى الروايات الجاهزة المستعملة بكثرة، فاتهمت ريجيني بالشذوذ، ثم بالمخدرات، ثم أضافت تهمة التجسس، وأخيراً وجدت أن تهمة العمل لصالح جماعة الإخوان المسلمين قد تكون أكثر وقعاً، فاتهمته بها.
في لقاء جمع وزير الخارجية المصري “سامح شكري” مع وزير الخارجية الأميركي “جون كيري” حينها، وبعد سؤال الأخير عن قصة الباحث الإيطالي، أجابه الوزير المصري بمنتهى البساطة: أن ريجيني قتل أثناء حفلة جنسية جماعية، كانت تضم ساديين ومازوشيين.
لكن الحكومة الإيطالية لم تقنعها الرواية المصرية، وقررت إرسال فريق تحقيق خاص، لمعرفة حقيقة مقتل مواطنها، فتفتقت العقلية الأمنية المصرية عن رواية جديدة مفادها أن عصابة مصرية تلاحق الأجانب وتبتزهم، هي من اختطفت ريجيني وقتلته، ولكي يُغلق الملف، فقد أعلنت أنها اشتبكت مع أفراد العصابة الخمسة وقتلتهم، وعثرت بحوزتهم على متعلقات تخص الضحية الإيطالي.. “وربي يسّر”.
واصلت الجهات الإيطالية بحثها، متجاهلة رواية الأجهزة الأمنية المصرية، وفي نوفمبر من عام ٢٠١٨م، أعلنت هذه الجهات أن الأجهزة الأمنية المصرية هي المسؤولة عن مقتل ريجيني، ليبدأ فصل جديد من هذه القضية، فقد اضطرت الحكومة المصرية إلى تعاون حكومي رسمي بخصوصها، واضطر النائب العام المصري للقول: (إن من قتل ريجيني لايزال مجهولاً)، متناسياً رواية الجهات الأمنية المصرية بأن هناك خمسة مصريين قتلوا بحجة أنهم العصابة، والتي اختطفت “ريجيني” وقتلته.
منذ أسبوعين أعلن النائب العام المصري إغلاق ملف قضية “ريجيني”، لكن البرلمان الإيطالي فجّر قنبلته المدوية منذ عدة أيام، وأعلن امتلاكه لأدلة تثبت تورط خمسة ضباط أمن مصريين في مقتل “ريجيني”، الأمر الذي أربك الحكومة الإيطالية ذات العلاقات الجيدة مع مصر، فاضطرت إلى مخاطبة الجهات الرسمية المصرية، والطلب منها التعاون في استجواب ومحاكمة الشخصيات المتهمة، ولم يكتفِ البرلمان الإيطالي بذلك، بل أعدّ مشروعاً لنقاشه أمام البرلمان الأوروبي، يطلب فيه قطع العلاقات مع مصر، وإقرار استجواب ومحاكمة المشتبه بهم، ووقف المساعدات، وغير ذلك.
هكذا تحولت قضية اختطاف مواطن إيطالي إلى قضية تكبر شيئاً فشيئاً، لتضع الاتحاد الأوروبي كله أمام أزمة ديبلوماسية مع مصر، التي عاد رئيسها قبل أيام من زيارة إلى فرنسا، حاملاً الوسام الأعلى في فرنسا، “وسام جوقة الشرف الفرنسي”، الذي هو أعلى تكريم رسمي فرنسي، تُقلد به الشخصيات السياسية والعام في العالم. 
من حسن حظ “ريجيني” أنه لم يكن مصرياً، فلو كان كذلك لكان قد أصبح مجرد صورة معلقة على جدار في غرفة بيته تبكيه عائلته، أما لو كان سورياً، فربما لم يحظَ حتى بشرف أن تعلق عائلته صورته أيضاً، وربما اضطرت إلى الخروج على شاشة قناة المقاومة والصمود، لتعلن تبرؤها منه، ووقوفها إلى جانب القيادة الحكيمة السورية.
من جهة أخرى، وفي إحاطته التي قدمها أمام مجلس الأمن يوم ١٦ من كانون الأول/ديسمبر الجاري، أعلن السيد “بيدرسون” المبعوث الأممي في الملف السوري، عن مصطلح جديد سماه “العدالة التصالحية”، ورغم اعتراض أصوات سورية عليه، واعتبار الأمر مجرد تحايل تتعمده ترجمة متواطئة، لإزاحة المحتوى باتجاهات أخرى، إلا أن الفاجعة أكبر من أن تُداريها شطارة المصطلحات السياسة، وأكبر من أوسمة تقلدها حكومات لطغاة لا يتقنون إلا قمع شعوبهم.
لم يكن كل الدم السوري المسفوك على مدى عشر سنوات، ولم تكن خمس وخمسون ألف صورة لسوريين معذبين حتى الموت، تناقلها العالم كلّه، في أكبر جريمة عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن لعشرات الهجمات بالأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً على الشعب السوري، كلها لم يكن لها أن تدفع مبعوث هيئة الأمم المتحدة لاعتماد مصطلح لا لبس فيه، ينصف الشعب السوري، ولايزال العمل جارياً لدفع الشعب السوري، ليس للتنازل عن محاكمة المجرم فحسب، بل وللقبول به حاكماً عليه، أية فضيحة هذه؟
ما فعله الاتحاد الأوروبي ويفعله في قضية “ريجيني” هو فعل صحيح، ويستحق الاحترام، فكرامة الإنسان وحياته هي قيمة من العار إغماض العين عنها، لكن كيف ستقنع هذه البشرية المتشدقة بكرامة الإنسان وحقوقه، الشعبَ السوري الذي يُباد منذ عشر سنوات أنها تحترم كرامة الإنسان، وأن حقوق الانسان ليست أكثر من فعل عنصري يختلف من ضحية لأخرى؟
هذه العنصرية في التعامل مع آلام البشر، وحقوقهم هي التي سمحت لأبشع جريمة في العصر أن تمر، وكأنّ شيئا لم يكن، وأن يبقَ مرتكبها طليقاً، لابل وأن تتواطأ الجهة الدولية الأهم على عدم محاسبته، وتعويمه مرة أخرى، وكأنّ مئات آلاف الضحايا السوريين، لا يستحقون أن يكون الضمير والعدالة مرجعاً وحيداً في محاكمة من أجرم بحقهم، وأن المصالح تبقى أهم من شعب بكامله.
لكن هل يكفي اتهام “بيدرسون” والجهة التي يمثلها، أم أنه لابدّ من القول وبملء الفم: (أنه لو وجد “بيدرسون” وغيره في المتنطعين لتمثيل السوريين، سواء في المعارضة أو الموالاة، سورياً حقيقياً واحداً لما احتاج السوريون إلى ولوج لعبة تدقيق المصطلحات والترجمات، ولما كنا اليوم نقف أمام هذه المتاهة).
هنيئاً لك في موتك “ريجيني”، فقد أقام موتك الدنيا، أما نحن السوريين، فلم يحن الوقت لكي يوقظ موتنا المستمر منذ عقود، ضمير هذا العالم القذر.