دعوة أممية لضمان أن تكون معالجة الصراع في سوريا على رأس الأولويات المشتركة
متابعة مركز عدل لحقوق الإنسان
كانت الأشهر العشرة الماضية الأكثر هدوءا في تاريخ الصراع السوري، لكنه هدوء هش، وفقا للمبعوث الخاص إلى سوريا غير بيدرسون الذي أكد أمام مجلس الأمن، أن هذا الهدوء “يمكن أن ينهار في أي لحظة”.
وفي إحاطته، يوم أمس الأربعاء ٢٠ كانون الثاني/يناير، في جلسة مجلس الأمن الدولي حول سوريا، قال المبعوث الخاص إن “ملايين السوريين داخل البلاد وملايين اللاجئين في الخارج يعانون من صدمات عميقة، وفقر مدقع، وانعدام الأمن الشخصي، وانعدام الأمل في المستقبل”، داعيا إلى ضمان أن تكون “معالجة الصراع في سوريا على رأس أولوياتنا المشتركة”.
وفي كلمته أوضح بيدرسون أن أحداث الشهر الماضي أوضحت لنا هشاشة الوضع في سوريا، حيث كان هناك تصعيد مفاجئ وكبير للوضع حول عين عيسى شمال شرقي سوريا؛ وتكثيف للضربات الجوية المنسوبة لإسرائيل؛ واستمرار هجمات داعش في المنطقة الشرقية والوسطى؛ وقصف وغارات جوية متبادلة في إدلب ومحيطها؛ واضطراب في الجنوب الغربي، قائلا إن “هذا أيضا هدوء نسبي جدا”، إذ لا يزال المدنيون يُقتلون في تبادل إطلاق النار والهجمات بالعبوات المتفجرة المرتجلة. ولا يزالون يواجهون مجموعة من المخاطر الأخرى – من عدم الاستقرار والاحتجاز التعسفي والاختطاف إلى الإجرام وأنشطة الجماعات الإرهابية المدرجة في قائمة الأمم المتحدة.
وفيما يواجه الشعب السوري الفقر وانعدام الأمن، وتبعثر آمال وأحلام كثيرين، حيّا المبعوث الخاص عمل السوريين في المجتمع المدني، قائلا إنهم “يواصلون العمل لفعل ما في وسعهم لتحسين الوضع ودعم العملية السياسية”، مشيرا إلى أنه تمكن من التواصل مع العديد منهم خلال أواخر كانون الأول/ديسمبر عبر غرفة دعم المجتمع المدني.
غير أن المبعوث الخاص أشار إلى أن “العملية السياسية لم تحقق بعد تغييرات حقيقية في حياة السوريين ولا رؤية حقيقية للمستقبل”.
وأوضح أنه لم يتم اتخاذ الخطوات التي يمكن أن تبني الثقة في الواقع، بما فيها وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق؛ والتقدم بشأن مصير المعتقلين والمختطفين والمفقودين، وإطلاق سراح النساء والأطفال والمرضى والمسنين؛ ووقف إطلاق النار على الصعيد الوطني؛ ووضع نهج تعاوني وفعال لمواجهة الجماعات الإرهابية المدرجة في قائمة الأمم المتحدة؛ واتخاذ خطوات لخلق بيئة آمنة وهادئة ومحايدة؛ وخطوات خارجية وداخلية لمعالجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
علاوة على ذلك، لا توجد محادثات سياسية بين السوريين إلا على المسار الدستوري. والانتخابات الحرة والنزيهة التي ستجرى بموجب دستور جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، على النحو المتوخى في قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤، تبدو بعيدة في المستقبل، بحسب بيدرسون.
بينما يواصل المبعوث الخاص تقييم تنفيذ القرار ٢٢٥٤، أكد أنه “لا يمكن لأي جهة فاعلة أو مجموعة من الجهات الفاعلة فرض إرادتها على سوريا أو تسوية النزاع. يجب أن يعملوا معا”.
وقال “يجب أن تكون العملية بملكية وقيادة السوريين. لكن الصراع دولي للغاية، حيث تنشط خمسة جيوش أجنبية في سوريا. لا يمكننا التظاهر بأن الحلول في أيدي السوريين فقط، أو أن الأمم المتحدة يمكنها أن تفعل ذلك بمفردها”.
بينما يتابع بيدرسون هذا المسار الأوسع، يواصل تسهيل عمل اللجنة الدستورية بقيادة وملكية سوريا والتي تيسرها الأمم المتحدة. وأعلن أمام أعضاء مجلس الأمن أن الدورة الخامسة لهيئة اللجنة الدستورية المصغرة ستعقد في جنيف الأسبوع المقبل، في الفترة من ٢٥ إلى ٢٩ كانون الثاني/يناير، إذا سمحت ظروف كوفيد-١٩ بذلك. وستناقش – على النحو المتفق عليه وبما يتماشى مع ولايتها، والاختصاصات والقواعد الأساسية للإجراءات – المبادئ الدستورية / المبادئ الأساسية للدستور.
وكان المبعوث الخاص قد التقى أيضا المجلس الاستشاري للمرأة مرتين في كانون الأول/ديسمبر.
وأعرب عن تطلعه إلى الانخراط في محادثات مع عضوات المجلس مرة أخرى هذا الأسبوع والأسبوع التالي.
وخلال اللقاء الأخير، أكد المجلس الاستشاري للمرأة على أهمية المشاركة الكاملة للنساء.
وشددت العضوات على ضرورة أن تصان الحقوق الدستورية الأساسية للمرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذه العملية.
وضغطن من أجل مزيد من التقدم الملموس والحقيقي في عمل اللجنة الدستورية.
وفي هذا السياق أعرب بيدرسون عن أمله في أن “نتمكن من إعادة عقد المجلس الاستشاري للمرأة شخصيا، حالما تسمح بذلك ظروف الجائحة”.
وقال بيدرسون إن الشعب السوري شهد عقدا من الصراع اتسم بالموت والإصابات والتهجير والدمار والاعتقال والتعذيب والإرهاب والانتهاكات والإهانات وعدم الاستقرار والتدخل والاحتلال والانقسام ونقص التنمية والعوز على نطاق واسع.
لا شك أن هذا زمن تحديات عالمية وإقليمية ضخمة، أضاف المبعوث الخاص مشددا على “وجوب ضمان أن تكون معالجة الصراع في سوريا على رأس أولوياتنا المشتركة. فسوريا لها تاريخ عظيم وجدير بالفخر. لكنها تعاني من أعمق مأساة”.
ودعا إلى إطلاق العنان للتقدم، خطوة بخطوة، بطريقة متبادلة، على طول مسار القرار ٢٢٥٤، محذرا “إن لم نفعل ذلك، فإن الأخطار على المدنيين في سوريا، وسوريا كدولة، ومجتمعها، والمنطقة، ستنمو”.
وقال إن “ذلك لا يمكن أن يكون مقبولا لأي سوري أو لأي منا. لهذا السبب أعول على دعم مجلس الأمن وجميع الجهات الفاعلة الرئيسية للحفاظ على الهدوء على الصعيد الوطني، ودعم بناء الثقة، ودفع العملية السياسية إلى الأمام”.
مؤيدا بشدة كل ما قاله المبعوث الخاص غير بيدرسون أمام مجلس الأمن، أوضح وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية مارك لوكوك، أن السوريين يبدأون عام ٢٠٢١ بعملة انخفضت قيمتها بشكل كبير وارتفاع هائل في أسعار السلع الغذائية الذي يرجع جزئياً إلى رفع الدعم عن السلع الأساسية مثل الخبز.
ففي كانون الأول/ديسمبر، أظهر تقييم لبرنامج الأغذية العالمي ارتفاع أسعار المواد الغذائية مرة أخرى، بنسبة ١٣% مقارنة بشهر تشرين الثاني/نوفمبر، وبنسبة ٢٣٦% مقارنة بشهر كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٩.
وما يقرب من واحدة من كل خمس أسر أبلغت عن نقص استهلاك الغذاء في كانون الأول/ديسمبر. وهذا ضعف المستوى المسجل في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٩.
وأوضح وكيل الأمين العام أنه نتيجة لانخفاض القوة الشرائية، أفاد أكثر من ٨٠% من الأسر بالاعتماد على آليات تكيف سلبية للحصول على الغذاء.
ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الاعتماد المتزايد على عمالة الأطفال، بحسب لوكوك الذي أشار إلى أن “أسرة واحدة من بين كل عشر أسرة تعتمد على أطفالها للمساهمة في دخل الأسرة”.
وأفاد وكيل الأمين العام المعني بحالات الطوارئ الإنسانية بأن ما لا يقل عن ١٣ طفلاً قتلوا في حوادث استخدمت فيها أسلحة متفجرة وذخائر غير منفجرة في جميع أنحاء سوريا حتى الآن هذا العام. وأصيب ١٤ آخرون على الأقل.
وفي مخيم الهول في الشمال الشرقي، يراقب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بقلق الوضع الأمني هناك بعد تصاعد حوادث العنف، مما يقلل أيضا من قدرة المنظمات الإنسانية على العمل بأمان.
وكان مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا) قد أعرب عن قلقه سابقا أمام مجلس الأمن حيال عدم كفاية استعداد العديد من العائلات الضعيفة لفصل الشتاء هذا العام.
لسوء الحظ، ثبتت صحة هذه المخاوف. إذ إن الأمطار الغزيرة أثّرت على آلاف الأشخاص في الشمال الغربي هذا الأسبوع، “يخبرنا الناس أنهم وأطفالهم وآباءهم المسنين يقضون ليالٍ كاملة واقفين في خيامهم لأن المياه غمرتها”.
وهناك مشاكل مماثلة في أجزاء أخرى من البلاد، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في طرطوس في حدوث فيضانات في مخيم واحد على الأقل للنازحين داخليا. ويواجه ريف دمشق طقسا قاسيا بشكل خاص، وكثير من الناس هناك معرضون للخطر.
وأوضح مارك لوكوك أن الأمم المتحدة لم تتمكن من المضي قدما في المهمة الإنسانية الأولى عبر المعابر والتي كان مخططا لها من دمشق إلى إدلب، حيث لا يزال الطرفان من كلا الجانبين غير قادرين على الاتفاق على تشكيل البعثة.
وكانت العملية الإنسانية التي نسقتها الأمم المتحدة قد ساعدت ٧،٦ مليون شخص شهريا في المتوسط في جميع أنحاء البلاد في عام ٢٠٢٠. وهذا يمثل زيادة بنحو ٢٠% مقارنة بعام ٢٠١٩.
وفي ١ كانون الأول/ديسمبر، أصدر مكتب الأوتشا لمحة عامة عن الاحتياجات الإنسانية العالمية لعام ٢٠٢١، بما في ذلك احتياجات سوريا. وبحسب هذا التقرير، هناك ١٣ مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية داخل سوريا، و ١٠،١ مليون شخص محتاج (بما في ذلك ٥،٥ مليون لاجئ سوري) في المنطقة.
ووفقا للوكوك، يتم حساب الاحتياجات على أساس تقييمات مستقلة وهي أساس استجابتنا، التي تركز على الاحتياجات الإنسانية المنقذة للحياة وإصلاح المرافق الإنسانية الحيوية.
وشدد على الحاجة إلى “١٠ مليارات دولار، بما في ذلك ٤،٢ مليار دولار للاحتياجات داخل سوريا، حتى نتمكن من تقديم الاستجابة الإنسانية طوال هذا العام”.
المصدر: مركز أنباء الأمم المتحدة

