الجيل الثالث لـ حقوق الإنسان والجدال حولها (٣/٣)
عبد العزيز بدر القطان*
نكمل سلسلة موضوع الجيل الثالث لـ حقوق الإنسان التي بدأناها بالأمس وتناولنا شرح الفكرة المتعلقة بها، حيث سنتطرق اليوم إلى الجدال حول علاقتها بالقضاء والنزاعات المتعلقة بها وخطورتها إن وجدت وتضاربها مع الحقوق الأخرى وغير ذلك.
إن اعتبار حقوق الإنسان التي تنتمي للجيل الثالث مجرد طموحات أخلاقية لا تؤدي للإنصاف القضائي، فقد رد المؤيدون للفكرة بالقول: إن كل حقوق الإنسان كانت في بدايتها عبارة عن مطامح، عبرت بعد التطور إلى مستوى الحقوق المعترف بها، وقد ذهب رأي آخر إلى القول بأن إمكانية الانتصاف القضائي لا تشكل وحدها معياراً سليماً للحق، فالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في كثير من الأنظمة لا يضمنها مؤيد قضائي، وبعض الحقوق تناسبها أحكام خاصة للحماية والضمان والرقابة كالحقوق الواردة في العديد من اتفاقيات العمل الدولية، فضلاً عن ذلك، فإن بعض هذه الحقوق الجديدة بدأت تأخذ مجالاً في الانتصاف القضائي.
وبالتالي، إن ما يهم ليس وجود محكمة للبت في النزاعات المتعلقة بحقوق الجيل الثالث، ولكن وجود قناعة راسخة بأن تجاهل هذه الحقوق يهدد المجتمع الداخلي والدولي، لا سيما وأنها في خصوصيتها كحقوق مركبة ترتب التزامات على عدد من الأطراف، وتطال عدداً من المستفيدين، الأمر الذي يوجب وجود شبكة من الالتزامات والمؤسسات التي تسمح باستخلاص الواجبات وتوزيع الفوائد.
أيضاً، وجود قوى مجتمعية قوية بما فيه الكفاية للدفع نحو إعمال حقيقي لـ حقوق الإنسان من الجيل الثالث، كما في حادثة “تشرنوبل” في الاتحاد السوفيتي السابق العام ١٩٦٦، حيث لم يمضِ ثلاثة أسابيع على الحادثة حتى تم التوقيع على اتفاقيتين دوليتين بشأن التبليغ السريع عن أي حادث نووي، وحول المساعدة في أية حالة من هذا النوع.
وأما بخصوص خطورة مفهوم حقوق الإنسان من الجيل الثالث وتضاربها مع حقوق الأجيال الأخرى، فإن الانتقاد غير وجيه، لأن كل حقوق جديدة لا بد أن تتعارض مبدئياً مع تفسيرات الحقوق السابقة، ولكن الأمر يتوقف على تأويل سليم يُراعي التوازن الضروري بين القديم والجديد، وليس بمستحيل أن توفر هذه الحقوق الأرضية الدولية والداخلية اللازمة لإعمال كل حقوق الإنسان إلى جانب حقوق الشعوب والدول، ولا يسوغ مطلقاً التوقف عند الادعاء بتناقض حق الملكية مع حق البيئة مثلاً عند مفهوم إطلاقية الحقوق وأنانية أصحابها، فكثيراً ما تتعارض حقوق فردية مع غيرها كحالة الإعدام والحق في الحياة والجوار والملكية، ولكن العقل النيّر يستطيع التمييز بين مدى كل حق وعلاقته بالآخر، ففي مناخ السلم وحده يمكن ضمان حقوق الإنسان خاصة الحق في الحياة مما يوضح العلاقة بين الحق في السلم والإنسان وحقوقه، كذلك فإن الحق في التنمية يشكل البُعد الجماعي للحق في الحياة.
وبالنسبة لمن يرون إمكانية استعمال هذه الحقوق ضمن حقوق الإنسان الفردية من قبل الأنظمة الديكتاتورية فإن المدافعين عن هذه الحقوق من الجيل الثالث يرون أن الدولة ستكون أول مدين للشعب، الذي يمكن أن يثير ضدها حقه في التنمية إذا لم تسهر على تحقيقه في قيادة سياستها الداخلية في علاقاتها مع الخارج.
أخيراً، إن العالم اليوم يسوده عنف شامل من حروب أهلية ودولية منتشرة خاصة في بلدان العالم الثالث من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لتكون الحقوق مهدورة لا يمكن لها أن تقف وتنهض بهذا العالم في ظل كل هذه الفوضى الكبرى حول العالم.
- مستشار قانوني – الكويت

