السلام طريق السعادة

السبت،14 آب(أُغسطس)،2021

السلام طريق السعادة

د. أحمد عاطف دره

نحتاج دائما الى البحث عن طرق جديدة تحقق لنا السعادة فى هذا التوقيت الصعب من تاريخ البشرية. وقد يكون السلام أحد هذه الابواب الموصلة الى ذلك. والسلام هو معنى مؤسس فى كل المعتقدات، وكذلك فى كل الثقافات قبل وبعد ظهور الأديان. وهو مرتبط فى الاذهان وفى كل اللغات بالكثير من المعاني. انه يرمز مثلا لحالة تقبل الوجود فى كل صوره. منذ الازل والانسان يحاول اكتشاف نفسه والعالم حوله. معنى السلام اذن هو ان نسالم كل الكون حولنا ونجد طريقا للتعامل معه بتسامح بدلا من العنف. نروض الحيوانات بدلا من إبادة فضائل منها بأكملها، وننمى الطبيعة بدلا من أن نبيدها. فنظرية القوة لا تستطيع ان تستمر مدى الحياة. فنحن اليوم اقوى وغدا يظهر من هو اقوى منا. ولنا فيما يحدث من غضب الطبيعة فى كل مكان فى العالم اكبر مثال. منذ عقود وكل العلماء وأصحاب الضمائر يصرخون ان مآل تدمير البيئة هو الخراب. أطلقنا انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بلا حساب وأزلنا الغابات فأطلقنا غضب الكون تجاهنا. صنعنا من الانبعاثات بطانية حرارية فوق الأرض اذابت الجليد، فحدثت البراكين والفيضانات غير المسبوقة الآن فى المانيا وسويسرا، وكذلك حرائق الغابات فى كل القارات من كاليفورنيا الى الجزائر. ووقوع العالم كله فى موجة احترارية لم نشهدها من قبل. وكل أفلام الخيال العلمى مثل كوكب القرود حذرتنا ايضا ان الحيوانات قد تثور علينا يوما وتجعلنا ندفع ثمن استعبادها لنا. ترى ما سيحدث غدا؟ حتى الكلاب الضالة تعاملك برفق اذا كنت حنونا معها ولم تعاملها باعتبارها شرا، وربما الحشرات أيضا. وعلينا قبل ذلك ان نعامل اشقاءنا فى الانسانية بسلام. ونرسخ فكرة الاخوة الإنسانية بل والاخوة الكونية. ليس لانها أكثر علما او مالا او اعلى مركزا تتصور انك افضل من أى انسان اخر. فآفة الإنسانية الكبرى هى الكبر. من الممكن ان يعتز الانسان بنفسه لكن لا يحول ذلك الى وسيلة للانتقاص من الآخرين. ليس هناك شيء اسمه علو الشأن لان الخالق وحده هو الذى يحدد المراتب والدرجات عنده. اما فى الارض فكلنا سواسية. واى تصور من أى انسان انها قوى ينتهى الى كسر شوكته هو والاستئساد والجبروت و التسيد على خلق الله. لقد عانى الانسان خلال عقود طويلة الاستعباد وتقسيم المجتمعات الى فرق وطبقات وسادة وعبيد وفقراء واغنياء. وافرط الانسان فى صناعة الألقاب التى تميزه عن غيره، فهل أسهمت هذه الألقاب حقا فى إفشاء السلام بين البشر؟ السلام هو عنوان للتقبل والتفهم والتسامح والرحمة وقبل كل شيء هو عنوان للحب. اذا احببت كل شىء حولك بلا شروط حتما ستشعر انك سعيد. واذا مارست السلام مع نفسك سترتاح أيضا لأنك لن تحول كل مشكلة تقابلك الى معركة. كم يتساءل الواحد منا دائما لماذا تطورت الصراعات رغم تطور الحياة؟ هل كل المعارف والعلوم التى راكمها الانسان طوال تاريخ البشرية لم تفهمه ان الصراعات دامية ولا تقود الى أى راحة؟ وان كل منتصر مهزوم فى داخله و مهزوم لان من حاربهم كرهوه؟ هل نصدق من يقولون إن الانسان فطرعلى الصراع وان الضعيف ليس له مكان فى هذا الكون؟اذا تأملنا برفق سنجد ان الطيبين والغلابة والضعفاء – سمهم كما شئت – هم الذين نجوا من صراعات القوة.لكن المتصارعين هم الذين وقعوا فى الشقاء لأنهم عاشوا تحت الضغوط الدائمة للصراع. من ترفع نجا ومن ترك لله اخذ حقه من ظالمه نجا. ومن مارس الحياة برفق وتسليم وسلام، عاش حرا بعيدا عن سجن المعارك. والمعارك فى الدنيا لا تنتهي. من صراعات أطفال الحضانة حتى صراعات العمل وصراعات البزنس. والصراعات تجعلك تريد ان تربح باى ثمن سواء كنت فردا او كيانا. ولهذايلجأ المتصارعون الى الوسائل وربما اكثرها شرا من أجل الفوز. بالطبع هذا المنطق الاستسلامى لا يصلح فى امور الدول والا أصبحت كل دولة مستضعفة ونهبا للاحتلال العسكرى او الاقتصادي، لكن فى المعاملات البشرية السلام هو الأساس. كم نحتاج الى تعظيمه وتبنيه والايمان المطلق به لكى نرتاح ولا نصبح فى شقاء لا ينتهي.

المصدر: الأهرام