الأسئلة المتجددة في ذكرى ١١ سبتمبر

الثلاثاء،14 أيلول(سبتمبر)،2021

الأسئلة المتجددة في ذكرى ١١ سبتمبر

د. إدريس لكريني

مرت عشرون سنة على أحداث ١١ سبتمبر التي طالت أهدافاً حيوية واستراتيجية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل غير مسبوق، بعدما تم تحويل طائرات مدنية إلى ما يشبه صواريخ عسكرية موجهة، خلّفت خسائر بشرية جسيمة بلغت نحو ٣٠٠٠ ضحية، إضافة إلى خسائر كبيرة مسّت الاقتصاد الأمريكي والدولي، نتيجة اضطراب الخدمات والمعاملات التجارية ورحلات الطيران المدني عبر العالم.
أتاحت الأحداث طرح مجموعة من الأسئلة المهمة حينها، حول خطورة الإرهاب وتطور أساليب عملياته، ومدى نجاعة الجهود الدولية المتراكمة لمواجهته، وسبل التعامل مع التحديات والمخاطر التي بات يطرحها على السلم والأمن الدوليين، بصور أكثر شمولية وفعالية.
لم يكد يمضي سوى يوم واحد على الأحداث، حتى أصدر مجلس الأمن في الثاني عشر من سبتمبر ٢٠٠١ قراره رقم ١٣٦٨، الذي منح المرجعية والمشروعية للرد العسكري الذي كانت الولايات المتحدة تهيئ له، باستهداف جماعة طالبان في أفغانستان التي كانت تستضيف قادة تنظيم القاعدة حينئذ، بعدما اعترف لها (الولايات المتحدة) بالحق في الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي طبقاً للفصل ٥١ من الميثاق الأممي.
أثار القرار مجموعة من الملاحظات حينها حول السرعة الفائقة التي اتخذ بها، والإجماع الذي حظي به من قبل أعضاء المجلس، فقد جاء بعد يوم واحد فقط من وقوع الأحداث، وهو ما لم يعهد في هذا الجهاز، خاصة عندما كان يتعلق الأمر بتدبير أزمات في عدد من الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجرائم التي مست الفلسطينيين في أعقاب انتفاضة الأقصى عام ٢٠٢٠.
كما طرحت أيضاً مجموعة من الملاحظات بشأن تنفيذه، حيث مارست الولايات المتحدة حينها على عهد الرئيس جورج بوش الابن، ضغوطات كبيرة في سبيل الدفع بأعضاء المجتمع الدولي للدخول معها في تحالفها ضد «الإرهاب»، أو إلصاق تهمة دعم هذه الأخير بكل من يتخلّف عن ذلك، فيما لم تخل العمليات العسكرية الأمريكية داخل أفغانستان من انحرافات، بعدما تحول الأمر إلى حرب عسكرية شاملة ومفتوحة، خلفت عدداً من الضحايا في صفوف المدنيين وألحقت الدمار بالمباني والمرافق المدنية، مع تهميش جهود الأمم المتحدة في هذا السياق.
تحل الذكرى العشرون لهذه الأحداث الأليمة على إيقاع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والذي أثار نقاشات دولية واسعة على المستويات السياسية والأكاديمية والإعلامية، من حيث خلفياته وتوقيته ومراميه.
حقيقة فإن القوات الأمريكية استطاعت ملاحقة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وتمكنت من القضاء عليه، كما هو الحال مع عدد من قادة التنظيم، لكن هذا الأخير ما زال موجوداً؛ بل تمدد في عدد من مناطق التوتر عبر العالم في سوريا، ومنطقة الساحل، واليمن، بينما برزت جماعات مسلحة أكثر خطورة، كما هو الشأن في تنظيم «داعش».
وبعد عودة طالبان إلى السلطة في أعقاب الانسحاب العسكري الأمريكي، يتساءل الكثير من المراقبين عن الجدوى من الوجود الأمريكي لسنوات داخل هذا البلد الذي ما زال مثقلاً بجراحاته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية؛ بل ذهب البعض إلى أن البلاد باتت مرشحة لاستقبال مزيد من الجماعات المتطرفة.
إن المتأمل للجهود التي بذلتها الولايات المتحدة في سبيل مكافحة الإرهاب الدولي، يكتشف بسهولة، أنها لم تكن إجمالاً في مستوى الإشكالات والمخاطر التي تطرحها الظاهرة، فمعظم التدابير المعتمدة في هذا السياق، أخذت أبعاداً زجرية، ولم تقف في معظمها على العوامل الحقيقية في ارتباطها بالجوانب النفسية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تفريخ الأفكار المتشددة وانتشارها بشكل سريع في عدد من مناطق العالم.
إن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان هو تجسيد حقيقي لفشل الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وفي تحقيق الرهانات والشعارات التي رددتها إدارات البيت الأبيض المتعاقبة، بعد خسائر جسيمة منيت بها في معركتها ضد الإرهاب في مناطق مختلفة من العالم، والتي يقدرها بعض الخبراء بأكثر ٧٧٠٠ جندي أمريكي، ونحو سبعة تريليونات دولار.
لم تحل الجهود المبذولة على سبيل الحد من الإرهاب، دون تمدد هذا الأخير، فقد أظهرت التجارب الميدانية على امتداد مختلف بقاع العالم، أن الظاهرة شهدت خلال العقدين الأخيرين تطوراً ملحوظاً من حيث انتشارها ونطاقها وخطورتها، فالمبالغة في استخدام المقاربات الأمنية بهذا الشأن، لم تفض إلا إلى نتائج عكسية، ذلك أن الجماعات المسلحة وجدت في هذه المقاربات فرصة لاستقطاب مزيد من الأعضاء، والاستقرار في مناطق التوتر والأزمات، واللجوء إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في تنفيذ عملياتها بدقة متناهية، وفي التواصل بين عناصرها والترويج لخطاباتها المتطرفة والهدامة.
لا يمكن إغفال الجانب الأمني والقانوني في تطويق الإرهاب، بالنظر إلى ما يحققه الأمر من زجر وردع، غير أن ذلك يبقى غير كافٍ، إذا لم يقترن بالاستثمار في الإنسان عبر ترسيخ تنشئة بناءة، تقوم على المواطنة واحترام الحقوق والحريات، وإرساء تنمية إنسانية مستدامة.
لقد بدا واضحاً اليوم، أن النجاعة المطلوبة في التعامل مع الخطر الإرهابي، تتطلب بداية تحديد مفهوم دقيق ومتفق عليه للظاهرة، وإرساء قدر من التعاون الداخلي والدولي في هذا الخصوص.