حق اختيار الموت

السبت،18 كانون الأول(ديسمبر)،2021

حق اختيار الموت 

كوليت بهنا

في سابقة هي الأولى من نوعها، كشف محام سوري شهير قبل أشهر عن غرابة وقسوة طبيعة استشارة قانونية واجهها تمثلت برغبة شابة جامعية معرفة التبعات القانونية التي يمكن أن تتعرض لها فيما يخص إنهاء حياة والدتها بما يعرف بالقتل الرحيم.  
الشابة التي أوضح المحامي أنها تعاني من وضع نفسي سيء للغاية، تعيش ظروفاً مادية مزرية لاتمكنها من تأمين الطعام والدواء لأبيها العاجز وأمها المصابة بمرض لاشفاء منه، الأمر الذي دفعها للتفكير في إماتة أمها موتاً رحيماً وتخليصها من آلامها المبرحة. 
لايختلف القانون السوري في أحكامه عن قوانين معظم دول العالم بما فيها دول العالم العربي والاسلامي، واعتبار القتل الرحيم جريمة قتل يعاقب عليها بحسب قانون كل بلد. مع أهمية الاشارة إلى أن مجمع الفقه الاسلامي الذي انعقد في عمان ١٩٨٦ كان قد أجاز رفع أجهزة الانعاش عن المريض ضمن شروط قانونية وطبية واضحة وحاسمة لالبس فيها. 
في السنوات الأخيرة لوحظ تزايد ملفت لعدد الدول التي باتت تسمح بالقتل الرحيم أو المساعدة على الموت تحت ضغط متزايد من الراغبين بهذا الموت أو المؤيدين له، من بينها أربع دول أوربية، إضافة إل كندا ونيوزيلاندا وكولومبيا وبعض الولايات الأميركية، وفقاً لقواعد صارمة تشترط معاناة لاتطاق للمريض، وموافقته وهو في وعيه، وتأكيد طبي بأن ليس هناك أي أفق في الشفاء أو التحسن. 
آخر تحديثات هذه القضية التي ترتفع وتيرة الجدل بخصوصها حول العالم بين معارض ومؤيد، تمثلت بما أثارته آلة(Sarco) التي أعلن عنها مؤخراً والمزمع تجربتها مع حلول عام ٢٠٢٢ لمخترعها الطبيب فيليب نيتشكي في سويسرا والتي تمنح حق اختيار الانتحار. وهي آلة تشبه في شكلها التابوت وتسلب حياة الأشخاص “دون ألم وفي غضون دقائق” بحسب تصريحات الطبيب لصحيفة واشنطن بوست.   
السينما بتأثيرها العميق، كانت قد قاربت هذه الموضوعة  الجدلية بعدد من الأفلام المؤثرة، من أبرزها فيلم You don’t Know Jack”- أنت لاتعرف جاك”  ٢٠١٠ الذي لعب فيه النجم العالمي آل باتشينو شخصية الطبيب الأميركي جاك كيفوركيان الذي توفى ٢٠١١ واكتسب شهرة عالمية باسم (عزرائيل) أو ملاك الموت، لترويجه لحق الوفاة طوعاً للمرضى الميؤوس من شفائهم، وساعد منذ عام ١٩٩٠ بحسب اعترافه ١٣٠ شخصاً بالقتل الرحيم. 
والفيلم الأسباني “The Sea Inside” المعرب باسم “البحر بداخلي” من إنتاج ٢٠٠٤ وبطولة النجم الأسباني العالمي خافيير بارديم، الذي نال عدداً كبيرا من الجوائز العالمية من أبرزها فوزه بجائزة الأوسكار ٢٠٠٥ عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويحكي قصة حقيقية للشاعر الأسباني رامون سامبيدرو الذي خاض حملة لثلاثين عاماً من أجل حقه لتخليصه من معاناته في موت رحيم بعد إصابته بالشلل الرباعي إثر حادث غوص في البحر. 
يتقاطع الفيلمان في قضيتهما حول موضوع الموت الرحيم، لكنهما يختلفان بين الموقف الإنساني والقانوني والأخلاقي للجسم الطبي، ممثلاً بمن يقوم بإجراءات الموت ومقدرته الأخلاقية والنفسية والعصبية في مساعدة الآخرين على تحقيقه، كما في قضية الطبيب جاك كيفوركيان، وبين موقف المريض بذاته، صاحب القضية والجدل، مستجدي الموت ومعاناته. 
في الشق الأخير، لاشك أن معاناة مستجدي الموت لعبت دوراً أكثر تأثيراً بين المشاهدين عبر العالم، حيث نجح النجم العالمي خافيير بارديم ببراعة شديدة في إثارة المشاعر والأحاسيس التي يعيشها كمشلول أبدي تحت رحمة وشفقة وإرهاق من يساعده في قضاء احتياجاته، وورط المشاهدين في قصة حب وتعاطف شديد النفاذ وجعلهم يحبونه ويتعلقون به ويتمنون مساعدته ويعارضون فكرته للتخلص من حياته.  
لكنه في الوقت ذاته، تمكن من إقناع الآخرين المحيطين بحياته وفراشه، والمشاهدين الذين أحاطوه وجدانياً، بأن لاأحد بينهم يمكن أن يتحمل مايعانيه، وأن اثبات حبهم له حقيقة يعني موافقتهم ومساعدته على اتخاذ قرار الخلاص مهما كان القرار صعباً وقاسياً على الجميع، لكنه بالنسبة إليه، سيعني حفظ كرامته كإنسان قضى حياته مشلولاً ولارجاء من استمرارها. 
لاأحد يكره الحياة ومفارقتها ومفارقة أسرته ومحبيه إلا من يصل إلى مرحلة من الألم والمعاناة التي لاتطاق، وكل إنسان قد يتعرض لهذا الامتحان الوجودي الأصعب ويستجدي الموت لأجل الراحة الأبدية، حتى لو كانت جميع الشرائع الدينية تعتبر مرحلة الألم بمثابة رحلة تطهير وتكفير عن الآثام وامتحان من الخالق لعبده، إلا أن صاحب الألم قد يكون له رأي آخر ويتمنى مع كل نفس متبق له أن يحظى بخيار الرحيل بكبسة زر. 
كبسة زر وضعها الطبيب السويسري مؤخراً في ماكينة الموت(Sarco) قد تلقى رغم مظهرها المخيف والمؤثر رواجاً كبيراً في السنوات القادمة مع تنامي عدد الأشقياء من كارهي الحياة المصابين بأمراض كثيرة وعصية على الشفاء، أو المكسورين روحياً، أو كبار السن الذين يقبعون في وحدتهم الموحشة في دور العجزة، أو كل من يرى أنه لم يختر ولادته، ويتمنى اختيار النهاية. 
معاناة لايعرفها إلا من يعيشها، ربما لو قدر للشاعر رامون سامبيدرو في قصة فيلم البحر بداخلي أن يكون في مثل الأوقات، لاختار دون تردد اختصارها بعد تشريع الموت الرحيم في بلاده الاسبانية الكاثوليكية مؤخراً. معاناة تدركها الشابة السورية التي أدينت اجتماعياً لمجرد الاستشارة في إنهاء حياة والدتها، دون أن يفكر أحد  فيما سيفكر به وهلة لو كان مكانها، أو  يفكر في مساعدتها في تحسين شروط عيشها الشقي.  

المصدر: موقع “الحرة”