مرارة في عيون الكرد، ومرارة على شفاههم، فنوروز الملون تحاول ارتكابات السياسيين الذين أكلوا الثورة وأبناءها تلطيخه بالالوان الرمادية.. رزق أبنائهم وقوت عائلاتهم بات مرتهناً لمساجلات ومزايدات وألاعيب مجموعات سياسية تتقن التحايل، والأحلام الكبيرة التي كانت في نوروز الماضي سلعة رائجة لزعماء الإقطاعيات الحزبية، فقدت قدرتها على تكديس الدولارات في خزائن التجار.
ومع كل هذا لا يتنكر الكردي لنوروزه، فالنساء الرائعات صحون اليوم باكراً، تراكضن إلى دواليب الملابس اللامعة، وضعن حليهن الذهبية، وقررن بعث الحياة والانتصار على الوجوم الذي أخفى سماء كردستان لشهور، سيرقصن برغم المرارة وينشرن الروح في نفوس الرجال المحبطين، فالمرأة الكردية سطوة نوروز وعطر نرجسه ومعناه، وهي الحكيمة التي علّمت في شتاء الجبال النائية رجالها أن يستعدوا لآذار كما تستعد أشجار البلوط العظيمة لقدرها الربيعي.
والمرارة لا تكسر الكردي، فصبره صخري، لكن أسئلته كبيرة وغضبه أكبر، ومن أسئلته ان الإقطاعيين الذين قالوا له مرة إن السماء التي تشبهه وعرفها دوماً بلا حدود سيكون لها حدود، وكذبوا… وقالوا إن الأرض البنية التي حملت اسمه ودمه وحمل اسمها وصفاتها منذ مبزغ البشر، ستحصل على كرسي في الأمم المتحدة، وكذبوا… وقالوا له إن خطتنا محكمة، وإن عليه أن يتخلى عن سوار زوجته وأقراط بناته ليعيش أحفاده من بعده من دون حلبجات ولا أنفال ولا مهرجان تنكيل، وكذبوا… قالوا له إن النفط نفطك أنت، لن نسرقه لنخزن ثمنه في المصارف الأجنبية، بل سوف نشيد به أسواراً لا يطاولها الكيماوي، وكذبوا.
لكن الكردي العميق في الأودية الممتدة يعرف معنى الكلمات أيضاً، فهو الذي أجاد نطق كلماته وكلمات كل الشعوب التي جاورته، يدرك أن لكل كلمة وزناً يثقل رقبة قائلها، فلم ينجر يوماً إلى المهرجانات الخطابية، لم يغير أصالته نزق بعض مثقفيه الغائرين في دروشة العنصرية، لم يصدقهم عندما أخبروه أن العربي عدوه، وفي وقت القيظ فتح ذراعيه ومخابئ ينابيع جباله للعرب الهاربين من خناجر أبناء جلدتهم، لم يتوقف أمام بعض المزايدين الذين أخبروه أن لا يزوج بناته من أبناء الأنهار والصحارى، ولم يعبأ عندما عشق ابنه سمراء عربية وقرر تعليمها حروف كلماته.
ليس في قلب الكردي إلا ربيع نوروز، وأغانيه الضاحكة كشلال بيخال يرقص حوله نرجس السفح، يلمح من بعيد قوافل المرابين الذين يريدون له أن يدفع كل يوم ثمن أخطائهم ومغامراتهم، وفي البعيد أيضاً يرى عيون المتربصين، أؤلئك الذين أزعجهم أن يقال إن الكردي عندما سنح له تاريخ المذابح بوقت مستقطع شيّد مدناً جميلة، وشوارع نظيفة، ومدارس ومستشفيات، وحلم بغده المنتظر، ومَن غير الكردي يفعلها؟
حكومته أخبرته أن لا يحتفل هذا العام حداداً على «عفرين» المجروحة بالارتكاب التركي، منحته ربع مرتبه المستقطع منذ سنوات، وقالت له إننا نعيش فترة الاحتباس القومي. أي واهم يطلب من الكردي أن يتنكر لنوروزه؟! لم يفعلها وهو مُبعد في الأنبار والسماوة وكربلاء، يحمل معاني لغته كلقى نفيسة، ويحرص على أن تتعلم بناته خياطة القفاطين الزاهية والأردية المزركشة قبل تعلم المشي.
لا يتنكر نوروز للكرد، ولن يتنكروا، وهذا العام يحتفلون أيضاً، أشعلوا نار كاوا الحداد عند منتصف الليل، أشعلوها على قمم الجبال العالية، وتلقفت نورها النفوس الزكية من كل حدب، وصباحاً يحملون المزامير وطعام الغداء وضحكات الأطفال والأحلام الشاسعة، مستعدين بأمانة لطقس الحياة، ومصرين على إبقاء دفقها من أمسهم إلى غدهم.
—————الحياة ——

