الحق في السلام

الأربعاء،26 تشرين الأول(أكتوبر)،2022

الحق في السلام

د. عبد الحسين شعبان

«لما كانت الحروب تتولّد في عقول البشر، ففي عقولهم أيضاً يجب أن تُبنى حصون السلام». بهذه العبارة المعرفية المكثفة العميقة يبدأ دستور اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، مادته الأولى تأكيداً للقيمة الإنسانية السامية للسلام وصون كرامة الإنسان والحفاظ على حياته، ولعل «حق الحياة والعيش بسلام ودون خوف» هو الحق الإنساني الأول الذي تأتي بعده وتتفرّع عنه طائفة الحقوق الأخرى المترابطة والمتكاملة على جميع الصعد، وهو ما تؤكده الشرعة الكونية لحقوق الإنسان.
تحت هذه العناوين الأساسية وبنكهة عربية، التأمت في القاهرة مجموعة السلام العربي في مؤتمرها التأسيسي في جامعة الدول العربية (بيت العرب) برعاية وحضور الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط.
وتضم المجموعة نخبة متميزة من الممارسين السياسيين ممّن احتلّوا مناصب رفيعة في دولهم وفي المنظمات الدولية، إضافة إلى كوكبة لامعة من المفكرين والمثقفين العرب، وبخبراتهم وتجاربهم والعِبر والدروس التي استخلصوها قرّروا تكريس جهودهم لتحقيق السلام العربي العربي، وبدأوا بخطوات حثيثة في هذا الاتجاه لنحو أربع سنوات كجزء من دبلوماسية شعبية لتجسيد الفكرة وتأصيل مضامينها وتأكيد مقاصدها، بالحرص على استقلاليتها وعدم انخراطها في أي نشاط سياسي لصالح حزب أو جهة أو دولة أو تيار أيديولوجي، فضلاً عن كونها مجموعة عابرة للاستقطابات الطائفية والدينية التعصبية.
وتهدف المجموعة إلى المساهمة في حل النزاعات البينية والأهلية وبين الدول العربية، وإطفاء بؤر التوتّر، وصولاً إلى تحقيق مصالحات عربية عربية، بما يحقق المشترك الإنساني وأهداف الأمن القومي العربي، ويضع شعوب الأمة العربية على طريق السلام والتنمية المستدامة.
والسلام بقدر ما هو قيمة إنسانية عليا، فهو حق إنساني جماعي وفردي، وهو جزء لا يتجزأ من الجيل الثالث للحقوق إذا اعتبرنا الحقوق المدنية والسياسية تمثل الجيل الأول، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تمثل الجيل الثاني، فإن الحق في السلام، والحق في التنمية، والحق في بيئة نظيفة، والحق في التمتّع والوصول إلى منجزات الثورة العلمية التقنية، تمثل الجيل الثالث للحقوق، وهي حقوق مترابطة ومتكاملة لا يمكن الانتقاص منها. فاقتطاع أي جزء منها أو إهماله أو تأجيله سيلحق ضرراً ببقية الحقوق.
ومثل هذا الأمر يقتضي العمل بروح الشعور بالمسؤولية إزاء الحق في السلام، بالتعاون والتعاضد والتضامن لحمايته وبلوغ أهدافه؛ إذ إن قضية السلام هي جزء لا يتجزأ من عملية التنمية بجميع حقولها وجوانبها، وهذه مرتبطة بالعدالة على نحو صميم، ولذلك قيل: «حوار ١٠٠ عام خير من حرب ساعة»، فالحوار هو الوسيلة المجربة لفضّ النزاعات بالطرق السلمية وتجنيب البشر ويلات الحرب.
واستحضر المجتمعون ما ورد في ميثاق جامعة الدول العربية التي تأسست في ٢٢ من آذار/مارس ١٩٤٥ وصدر ميثاقها قبل ميثاق الأمم المتحدة ببضعة أشهر، وأهمية توثيق العلاقات المشتركة، وعدم اللجوء إلى القوة، والتوسط في حل النزاعات التي تنشأ بين دولها أو النزاعات بين دولها وأطراف ثالثة، وهو ما استندت إليه المجموعة في رؤيتها التي صدرت بوثيقة مهمة تحت عنوان «نداء القاهرة»، وفي نظاميها الأساسي والداخلي، اللذين تم إقرارهما بعد مناقشات مستفيضة وحوارات جادة ومسؤولة.
إن بناء السلام عملية صعبة ومعقدة والحفاظ عليه بلا أدنى شك أكثر صعوبة وتعقيداً؛ لذلك يقتضي نشر ثقافة السلام وتعميمها وتنشئة الناس عليها، لكي يتحوّل السلام إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها. ولا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي دون عدل، فالسلام مرتبط بالعدالة، وإلا فسيكون له اسم آخر. والسلام سريع العطب مثل الصحة؛ لذلك فإن الحاجة تزداد للحفاظ عليه ورعايته وإدامته، وذلك عبر عمل تربوي وثقافي وفكري وتفاهم وتواصل، والانتصار الحقيقي والدائم هو انتصار السلام وليس انتصار الحرب.
والسلام يقوم على التعايش واحترام الآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وجاء في القرآن الكريم «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله، إنه هو السميع العليم» (سورة الأنفال: الآية ٦١).
ولا يمكن للإنسان أن ينعم بالسلام دون أن يكون حراً.
خطوتان أساسيتان توّجتا عمل مجموعة السلام العربي وكانتا بمثابة رسالة تطمينية إلى جميع الجهات. أولاهما: تسجيل المجموعة رسمياً في الأردن لتكتسب الصفة القانونية بموجب قانون الجمعيات الأردني رقم ٥١ لعام ٢٠٠٨، وبموجب قرار مجلس الوزراء الأردني في ٢٥ من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٢.
وثانيتهما: إعلان تأسيسها بحضور الأمين العام للجامعة الذي قال في كلمته: «إن الجامعة العربية تعلّق آمالاً على مجموعة السلام العربي بوصفها إسهاماً أصيلاً تشتدّ الحاجة إليه، من أجل إنتاج الأفكار والمبادرات».

المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية