مناطق خفض التوتر في سوريا تذكرنا بأن لا شيء سوى الحل السياسي سيخفف من معاناة المدنيين
مقال صحافي بتوقيع أعضاء لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، باولو سيرجيو بينيرو، وكارين كونينغ أبوزيد، وكارلا ديل بونتي.

ثلاث فتيات يمشين على طول شارع مزدحم بالحطام في مدينة طبقة بسوريا. عادت الفتيات مؤخرا مع عائلاتهن إلى منزلهن بعد نزوحهن عدة مرات. مايو 2017. الصورة: اليونيسف / سليمان
السبت،8 تموز(يوليو)،2017

عندما بدأت لجنة التحقيق عملها عام 2011 قامت بتوثيق وقائع ضرب وقتل تعرض لها معارضون عُزَّل، وحالات اعتقال تعسفي وتعذيب للمدنيين، كما سجلت فرار الموجة الأولى للاجئين إلى البلدان المجاورة. أي باختصار، سردت اللجنة روايات مواطنين سوريين من رجال ونساء وأطفال تعرضوا للعنف، حتى وصل الأمر بالكثير منهم إلى أن دفع حياته ثمناً لمعارضته. ولم نكن نعلم حينئذ أننا سنواصل إجراء التحقيقات حتى عام 2017. وقد تحول النزاع السوري أمام أعيننا إلى واحد من أشرس وأعقد الحروب بالوكالة في القرن الحادي والعشرين، محطماً أحلام الديمقراطية التي اتسع لها هذا القرن. وبمرور السنين ومع ارتفاع حصيلة الخسائر البشرية، توصلت اللجنة إلى نتائج بشأن الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة. وقد أعدت اللجنة تقاريراً بشأن ارتكاب عمليات إعدام، وعنف جنسي، وتدمير متعمَّد للمنشآت الطبية, واستخدام للأسلحة الكيماوية، وعمليات حصار وتجويع، ولا تزال القائمة مستمرة.

وفي حين يأخذ العنف ضد المدنيين أشكالاً عديدة، تظل السمات الأخرى البغيضة لهذا النزاع لا تتغير:  ومنها على سبيل المثال التجاهل التام للأحزاب المتحاربة لقوانين الحرب، واستهداف السكان المدنيين والبنية التحتية بُغية تحقيق مكاسب استراتيجية، وإفلات المسؤولين الضالعين عن تلك الجرائم من أي عقاب. وعلى مدى سنوات وقف السوريون عاجزين أمام رفض الأحزاب المتحاربة وحلفائهم لكل الفرص التي لاحت أمامهم لحسم النزاع ووضع حد لتصرفاتهم التي تُودي بحياة المدنيين. حيث كانت آخر هذه الفرص اتفاق روسيا، وإيران وتركيا في الأستانة الشهر الماضي على إقامة “أربع مناطق لخفض التوتر” غرب سوريا تكون  على شكل مناطق يتعهد الضامنون الثلاث لهذه الاتفاقية بخفض العنف فيها. وهذا ما حصل في مناطق إدلب وغرب محافظة حلب. لكن على الرغم من ذلك لم يظهر أي تغير ملحوظ في حجم الأعمال القتالية في المناطق المحيطة بحمص ودمشق. ويشتد الوضع ضراوة جنوب درعا, حيث كثَّفت القوات الموالية للحكومة ضرباتها الجوية مؤخراً.  ولم يحقق خفض التوتر أي تحسن يُذكر فيما يتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية الملُّحة, كما لم تحرز أي تقدم نحو تحقيق تسوية سياسية للنزاع, وهما هدفان أساسيان وردا بالاتفاقية. وفي المجمل، فقد أمَّد خفض التوتر  بعض المدنيين بشيء من الراحة قصيرة الأجل، بيد أن هذا النجاح المتواضع قلّما يعتبر كافياً لشعب شهد على مدار ست سنوات متواصلة وحشية لا يمكن لأحد أن يتخيلها. وتبدو الصورة أشد قتامة وبشاعة خارج إطار مناطق خفض التوتر شرق سوريا, حيث أن الهجوم المتواصل الذي تشنه قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الرقّة والذي يدعمه القصف الجوي من قبل التحالف الدولي قد أسفر عن ارتفاع أعداد القتلى المدنيين وتشريد آلاف الأسر داخلياً، مما ضاعف سنوات المعاناة تحت حكم المجموعة الارهابية.

صحيحُ أن تلك الهجمات الموجَّهة في الشمال والشرق السوري قد أدت إلى تقلص كبير للأراضي التي خضعت في السابق لسيطرة التنظيم, إلا أن أوجه التقدم تلك  لا يجب ان تكون على حساب المدنيين الذين تُزهق أرواحهم أو يرغموا على الفرار من منازلهم بحثاً عن الأمان والرعاية. والأدهى من ذلك, أنه على الرغم من استمرار تقهقر تنظيم الدولة عن الأراضي التي استولى عليها لا يزال مقاتلوه يحاولون منع المدنيين من الرحيل عنها، مما يُضعف جدوى توجيه ضربات دقيقة على مواقعهم دون المساس بحياة المدنيين وتعريضهم لضرر بالغ. ونظرياً فإن تهدئة الأعمال القتالية ومكافحة الإرهاب من الأمور الملحة في سوريا. بيد أنه من الناحية العملية يجب المُضي قدماً في الأمر الأول،  على أن يكون الأمر الثاني متناسباً مع الآثار التي ستخلفها تلك التدابير على السكان المدنيين.  ولكن حتى الآن لم يساعد أي من الهدفين في اقتراب النزاع السوري من نهايته.

وقد أعد مجلس الأمن خارطة طريق واضحة المعالم لتحقيق السلام، وردت بقراره 2254 كما ورد في بيان جنيف عام 2012 المبادئ التي ترتكز عليها هذه التسوية، ولكن حتى يُكتب النجاح لهذه الخطة يجب أن يلتزم أطراف النزاع بكليهما. فالسوريون الآن يحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى التزام الأطراف المتحاربة بحل سياسي يتم التفاوض عليه. ولهذا لا يعد خفض التوتر كافياً. فالوقف الشامل لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد هو وحده ما سيرفع المعاناة عن كافة السوريين، الذين ظلوا طويلاً بين مطرقة الأطراف المتحاربة وسندانها، وسيمهد الطريق أمام الأطراف المعنية للدخول في حوار سياسي بنّاء. لقد حان الوقت لإنهاء هذا النزاع في الحال وإلى الأبد.

6/7/2017