ثقافة السلام بين الاهتمام الدولي وحاجة الداخل (ح1)

الإثنين،29 نيسان(أبريل)،2019

د. خليل خيرالله

السلام قيمة تلازم أمن الحياة واستقرارها وتتيح للمجتمع تطوراً سلمياً. لكن بين وضع اللاحرب واللاسلم، وأمام الحروب الذكية التي تخاض من دون مدفع أو رشاش، وأمام السلام بمفهومه الحقيقي خيط رفيع قد لا يسهل تبيّن أسوده من أبيضه.

وحين نتكلم عن تعبير اسمه ثقافة السلام يعنينا منذ البداية تحديد المفردات، لأن التعيين شرط الوضوح ولأن تعيين المقصود بثقافة السلام يدلنا على أي سلام نريد وكيف نرسخه في حياتنا.

يمكن تعريف الثقافة لغوياً بالآتي: ثقف الرجل من باب ظرف صار حازقاً… ومنه المثاقفة، وثقف من باب طرب فهو ثقف، والثقاف هو ما تسوى به الرماح وتثقيفها تسويتها. وثقفه من باب فهم. 1 وقد لا توفر هذه المعاني اللغوية ما نقصده من تعبير ثقافة السلام، لكنني أختار منها تسوية الرماح ثقف الرمح أي سوّاه لارتباطه بالتربية، مع الإشارة إلى أن تعريفات الثقافة كثيرة بدءاً من توصيفها الجامد إلى مفهومها الديناميكي المرتبط بعلاقات الناس ومفاهيم وأنماط حياتهم وتعبيراتهم.

وعن مفردة سلام، جاء في القاموس المحيط: «والسلام من أسماء الله تعالى والسلامة البراءة من العيوب. وسلم من الآفة بالكسر سلامة، وسلمه الله تعالى منها تسليماً وتسلمه أعطيته فتناوله. والتسليم الرضا والسلام وأسلم انقاد وصار مسلماً. وأمره الى الله سلمه وتسالماً تصالحاً وسالماً صالحاً»… 2

ويمكن تعريف السلام بأنه حالة يخلو فيها العالم أو المجتمع من الحروب والنزاعات ويسوده الأمن والاستقرار.

وغني عن البيان أن المعنى اللغوي للمفردتين قاصر عن استيعاب ما يعنيه تعبير ثقافة السلام كمصطلح ديناميكي متحرك، إذ أن صياغة هذا المفهوم تأخذ بعداً فلسفياً واجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً عالي الأهمية في حياة المجتمعات.

وبحسب تعريف الأمم المتحدة، ونحن نعتمده هنا، فإن ثقافة السلام هي مجموع القيم والمواقف والتصرفات وطرق الحياة التي تنبذ العنف وتتدارك النزاعات قبل حصولها فتعالج أصولها بالحوار والتفاوض بين الأفراد والجماعات والدول. 3 وهذا يعني احترام الحياة والإنسان والكرامة الإنسانية.

وعليه ليست ثقافة السلام مفهوماً جامداً أو مجرّد قول مرصوف، بل هي قوة فاعلة متحركة وهي حاجة قبل أن تكون التزاماً داخلياً بين أفراد المجتمع وجماعاته أو عالمياً بين مختلف الدول.

يبقى السؤال كيف نرسخ هذه الثقافة في حياتنا، أي كيف ننقلها من المبادئ وحتى من القلوب والعقول إلى مجاري حياتنا ومؤسساتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحقوقية فتصبح إذاك قوة حياة فاعلة وواقعاً حياً ملموساً؟

نبدأ ببحث ثقافة السلام في اهتمامات الأمم المتحدة وفي حاجات الداخل الوطني أولاً ثم ترسيخ ثقافة السلام عبر التربية ونشاط منظمات المجتمع المدني إضافة إلى عوامل أخرى ثانياً .

أولاً: ثقافة السلام اهتمام دولي وحاجة داخلية

شددت النصوص التأسيسية للأمم المتحدة على السلام ثم، في تاريخ حديث، على ثقافة السلام كاهتمام عالمي قبل أن تتحول الى حاجة وضرورة للأفراد والجماعات ضمن المجتمع الواحد.

1 – السلام وثقافة السلام في النصوص الدولية:

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها تاركة دماراً هائلاً وعدداً من الضحايا فاق عشرات الملايين، تم توقيع شرعة الأمم المتحدة من قبل خمسين دولة، وقد نصت على منع الحروب وفرضت حلّ الخلافات بشكل سلمي جاعلة بذلك من السلام حقاً. وقد تصدرت فكرة العيش بسلام وحفظ السلام كل من مقدمة الشرعة والمادة الأولى منها 4 .

ثم صدر الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 وتضمنت مقدمته، بل المقطع الأول منها، تشديداً على كرامة الإنسان كأساس للحرية وللعدالة وللسلام في العالم.

عام 1976 أكدت هيئة حقوق الإنسان حق كل شخص بالحياة في حالة من السلام والأمن. عام 1978 أكدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في إعلان لها تحضير المجتمعات للعيش بسلام 5 . وأن كل الأمم وكل الكائنات البشرية لها حق أصيل بالعيش بسلام مادة1 وكل الدول عليها واجب أخذ التدابير الكفيلة بتنشيط المثل العليا للسلام.

ومن أبرز النصوص الدولية نجد «إعلان حق الشعوب بالعيش بسلام»، الذي صدقته الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقرارها رقم 39/11 تاريخ 12 تشرين الثاني لعام 1984 وتناول إعادة تأكيد المهمة الأساسية على عاتق منظمة الأمم المتحدة وهي حفظ السلام والأمن الدوليين 6 ، لكنها قصرت حق السلام بالشعوب، من دون ذكر حق الأفراد بالسلام، معتبرة أنه حق مقدس وأن تحقيقه موجب أساس على عاتق كل دولة.

وفي 26 حزيران عام 1989 في ياماسوكرو، عقدت الأونيسكو مؤتمراً بعنوان: «السلام في عقول الرجال»، ومن طروحاته الأساسية تطوير ثقافة السلام… ثم مؤتمر باريس في شباط 1994 بعنوان: «المؤتمر الأول لثقافة السلام» وفيه تم تحديد مفهوم ثقافة السلام. وفي عام 1997 أعلنت الأونيسكو بوضوح إرادتها بأن تجعل من السلام حقاً إنسانياً: «على أن حق الإنسان بالسلام يشكل أساس ثقافة السلام».

وفي 20 تشرين الثاني 1997 صدر قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 52/15 أعلنت فيه السنة 2000 سنة عالمية لثقافة السلام. وكذلك قرارها رقم 53/25 تاريخ 10 تشرين الثاني 1998 أعلنت فيه الفترة الممتدة من 2001 حتى 2010 «عشرية عالمية لتشجيع ثقافة اللاعنف والسلم لمصلحة أطفال العالم» 7 .

وفي 13 أيلول 1999 تبنت الجمعية العمومية إعلاناً حول ثقافة السلام ثم أتبعته بخطة عمل متكاملة وذات أهداف واستراتيجية واضحة تلحظ أهدافاً للمؤسسات الدولية وللمجتمع المدني، كي تشكل أساساً للسنة العالمية لثقافة السلام وللعشرية العالمية المذكورة 8 .

وتجلت هذه العشرية بنشاطات كثيرة قامت بها الدول ونشأت فيها جمعيات مدنية ناشطة في مجال اللاعنف والسلام، حتى تأسس عام 2003 ما سمي بالتنسيق العالمي للعشرية، ونشأت حتى كانون الثاني 2010 في القارات الخمس 1054 جمعية 9 . تنشط هذه الجمعيات وتأخذ شرعيتها من المجموعة الدولية وتقيم في 21 أيلول من كل سنة يوماً عالمياً للسلام. وقد حثّ قرار الجمعية العمومية الأونيسكو على إنشاء صندوق لتمويل مشاريع هذه الجمعيات وحثّ «هيئة تثبيت السلام» على متابعة تنشيط ثقافة السلام في مبادراتها لما بعد النزاعات، كما تم إنشاء «التجمع العالمي للمدربين على ALEP: Association internationale des ducateurs a la paix السلام».

ومن نافل القول إن هذه النصوص وهذه النشاطات، على أهميتها في بناء ونشر ثقافة السلام، تبقى غايتها بعيدة المنال في عصرنا، وقد طاولت الحروب والنزاعات مناطق كثيرة ووقفت الأمم المتحدة عاجزة أمام حل قضايا عادلة أبرزها قضية فلسطين. وغالباً ما تخضع مؤسسات الأمم المتحدة لمصالح الدول الكبرى التي انتصرت مصالحها في الحرب العالمية الثانية، تحركها أو تجمد حركتها بحسب مصالح وقوة الأقطاب أو القطب المهيمن عليها، وهكذا يغيب السلام عن منطقتنا ويحل العنف.

لكن أخطر ما يحدث اليوم هو شن الحروب وتدمير المجتمعات واستباحة الشعوب الأضعف لنهب ثرواتها وضرب وحدتها وترويج صناعة الأسلحة وتجارتها لتنشيط اقتصادات الدول الغازية، وكل ذلك باسم السلام وباسم الديمقراطية وباسم حقوق الإنسان، وتصوير الدول المعتدية نفسها كدول قيّمة على هذه القيم السامية وحارسة لتطبيقها في العالم، وهي دول كواسر، في تاريخها صفحات سوداء من انتهاك القيم وحقوق الإنسان وزرع الموت بين البشر. يبقى أن نرى حاجة مجتمعنا إلى ثقافة السلام وحل نزاعات الجماعات والمواطنين فيه على الأسس والمبادئ التي وضعتها الأمم المتحدة والتي تمليها مصالحنا الوطنية.

——————————————————

هوامش

  1. ص 311 الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر: مختار الصحاح. عني بترتيبه محمود خاطر
  2. الفيروز ابادي، محي الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط. الجزء الرابع. دار الجيل. بيروت 1952م. ص132
  3. R solutions des Nations Unies A/RES/52/13:Culture de la paix et A/53/243:D claration et Programme d action sur une culture de la paix, approuv e en octobre 1999
  4. Le droit humain a la paix dans les texts existants des droits dev l homme. www.graines-de-paix.org/fr/outils-de-paix
  5. ٌRes.33/73
  6. D claration sur les droits des peuples a la paix. www.ohchr.org/fr
  7. www3.unesco.org/iycp