عن الحوار الفاعل لا الحوار الخامل

السبت،4 أيار(مايو)،2019

عن الحوار الفاعل لا الحوار الخامل

عبد العزيز التويجري*

شاركت في أعمال المنتدى العالمي الخامس للحوار بين الثقافات الذي عـقـد في باكو عاصمة جمهورية آذربيجان، يومي 2 و3 من مايو (أيار) الحالي. وهو منتدى يعقد دوراته كل سنتين وأصبح محفلاً دولياً، يرأس افتتاحه رئيس الجمهورية السيد إلهام علييف، ويحضره عـدد كبير من المسؤولين ومن الشخصيات الفكرية والعلمية والأكاديمية من مختلف دول العالم.

والواقع أن الحوار بين الثقافات، الذي أنتج التحالفَ بين الحضارات، هو قضية من أهـمّ القضايا الإنسانية الحالية ذات التأثير الواسع على السياسة الدولية. وإذا كان اهتمام المجتمع الدولي بقضايا الحوار قد بـدأ نظرياً، ثم تطـور مفاهيمياً، وتشعب فصارت له فروع يتناولها الباحثون والأكاديميون في دراساتهم، حتى قطع مراحل متوالية خلال العقود القليلة الماضية، فـإن هذا الاهتمام قـد تطور خلال المرحلة الحالية، فخرج من دائرة التنظير الفكري والتأصيل المنهجي، إلى دائرة العمل الميداني المعبّر عن مبادئه.

إنّ الحوار بين الثقافات، منذ ظهور تجلّياته المعاصرة، لم يكن لغرض ثقافي محض، بل كان منذ البداية توجّـهاً يهدف إلى تغيير أوضاع الشعوب إلى الأفضل والأحسن، ونـشـر قـيـم التسامح والتعايش والوئـام بين الأفـراد والجماعات، باعتبار أنه حوار هادف من الأصل، وحوار جـادّ، وحوار منتج للفعل الباني للإنسان وللحضارة، وللسلام، الذي يخدم الأهداف الإنسانية النبيلة.

قبل 14 سنة، نظمت الإيسيسكو في الرباط، مؤتمراً دولياً حول (تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات من خلال مبادرات ملموسة ومستدامة)، بالتعاون مع اليونيسكو، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والمركز الدنماركي للثقافة والتنمية، ومؤسسة أناليند الأورو-متوسطية للحوار بـيـن الثـقـافـات. وخرج ذلك المؤتمر الدولي بتعهـدات وتوصيات مهمّة كانت من المعالم التي أضاءت الطريق نحو تفعيل الحوار، بمفهومه العميق وبمدلوله الواسع، في ممارسات عملية تشارك فيها جميع شرائح المجتمعات الإنسانية، وتنعكس آثارها في مبادرات واقعية تترجم الأهداف إلى أعمال ملموسة ومستدامة، تستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة، بحيث تعبر عن الإرادة الإنسانية في تجديد بناء النظام العالمي، على قواعد راسخة من المنظومة القانونية الدولية، والمبادئ الإنسانية، وتعاليم الرسالات السماوية.

وأحسب أن الدورة الحالية للمنتدى الدولي حول الحوار بين الثقافات تسير في هذا الاتجاه، ونتطلع إلى أن تنتهي إلى نتائجَ أكثر إيجابيةً، وأعمق مضموناً، وأوسع مدى، تساير المتغيّـرات وتتعامل مع التحديات التي يعرفها عالمنا المعاصر.

ونحن جميعاً نعلم ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، وما ينصّ عليه الإعلان العالمي لحـقـوق الإنسـان، ومـا ورد فـي العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وما تتضمنّـه المواثـيـق والأوفـاق والإعلانات الدولية ذات الصـلـة، حول نبذ التـميـيـز بجميع أشكاله، وعن المساواة الواجبة التي هي حـق أصيل من حقوق الإنسان.

وإذا ما كان الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان، جاداً ومسؤولاً وهادفاً وقائماً على أسس سليمة، فإنّـه يؤسّس للتفاهم بين المتحاورين، ويعـزّز الثقة المتبادلة بينهم، ويحمل على التفاهم الذي يؤدّي إلى احترام الحق في الاختلاف، مما يحـفّـز للتقارب في الأفكار والتصوّرات والرؤى الذي يُـفضي إلى التعايش، ويسهم بقوة في معالجة دوافع التميـيـز، ونـوازع اللامساواة، وأعراض الصراعات العنـيـفـة، حتى تـتراجع عواملها، وتتـضاءل تأثيراتها، فتنكمش وتتلاشى، وينقطع أثـرها نهائياً.

ويأتي التميـيـز بكل أشكاله وفي جميع مستوياته، في مقدمة هذه الأسباب ذات التأثير الواسع على العلاقات بين الأمم والشعوب، وبين الأفراد والجماعات؛ لأن التميـيـز إذا ما انتشر واتسع نطاقه وأصبح من الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، كان من العوامل القوية والدوافع الخطرة التي تقوي دواعي الكراهية ونـوازع العـداوة، بـقـدر ما تـتـسـبـب في إذكاء الصراعات، وإشعال فـتيـل النـزاعات التي تـؤدّي في جميع الأحوال، إلى استـفـحال ظاهرة التـطـرف والعـنـف، وتمهّـد السبيـل إلى تنامي آفـة الإرهاب بكـل أنواعـه.

ولذلك كانت مكافحة التمييز، بالأساليب العملية المجدية للقضاء عليه، أو على الأقـل للتخفيف من حدّتـه، وعلى جميع المستويات، من أهداف الحوار بين الثقافات، من خلال نشر قيم الحوار الثقافي والحضاري والديني، وتعزيز مفاهيمه، وتعميق مضامينه، وترسيخ معانيه، وإشاعة ثقافته في مختلف الأوساط. وهو المنهجُ القويم الذي يتوجَّب اتباعُه لمكافحة جميع أنواع اللامساواة.

وبهذا المنهج القويم تـنـفـتـح أمامنا السبل لمكافحة الظاهرة الأشـدّ خطراً والأقـوى تهـديـداً للأمن والسلم في العالم، وهي احتـلال أراضي الشعوب الأخرى، والصراعات العنيفة التي تشمل النزاعات المسلحة المدمّـرة، والأزمات السيـاسية المتـفجـرة، والصدامات العـرقيـة والدينيـة المـمـزِّقـة لوشائج المجتمع، التي تتولد عنها الكراهية والعداوة، وتنمو نزعات الثـأر والانتقام، مما يـتـسبـب في إيجاد بـؤر للتـوتّـر الذي يـهـزّ استـقرار المجتمعات.

فبالحوار الجـادّ والهـادف بين الثقافات، وهو ما أعبر عنه بالحوار الفاعل وليس الحوار الخامل، تنتشر ثقافة الاعتدال وقبول الآخر، والمرونة في التعامل معه، وتغلب حكمةُ المساواة جهـالـةَ اللامساواة، فـتـتـقـلـص دوائر الصراعات العنيفة حتى تنحصر في أضيـق الحـدود، وتضعـف تأثيـراتها على الحيـاة العـامة للأمم والشعوب. فتصبح هـذه القـيـمُ المثـلى قـواعـدَ للسلـوك الراقـي، ومنهجـاً للممارسات الإنسانية السوّية، ومـحـفّزةً للمبادرات العملية الحكيمة، ومُـلهمةً للتضامن الإنساني.

وتلك جميعُها مقوّمات للسلوك الرشيد، وللتفكير السليم، وللحياة الإنسانية الآمنة والمستقـرة.

*أكاديمي سعودي

جريدة الحياة 4 أيار/مايو 2019