خليل خيرالله
دور التربية في ترسيخ ثقافة السلام الاجتماعي
عندما أخذت الأونيسكو تنظر إلى السلم من زاوية ثقافية تربوية، أولت الحوار الثقافي اهتماماً كبيراً في برنامجها الرامي إلى توفير ثقافة سلام عالمية، وهو برنامج طموح شمل عدداً من المجالات التربوية العامة. ويعتبر «مشروع رابطة المدارس من أهم المشاريع التي أقامتها بغية تشجيع الحوار الثقافي وبالتالي ثقافة السلام.
إن ثقافة السلام تعني أن تسود ثقافة الحوار والمناقشة والإقناع في التعامل بين المواطنين بدلاً من فرض الرأي الواحد بالتهديد أو بالقوّة. ويعني ذلك أن يحلّ المواطن خلافاته عن طريق وعي حقوقه أولاً، واعتماد مبدأ الوقاية الحقوقية قبل اضطراره للمفاوضة أو حلّ نزاعاته حبياً أو الاحتكام إلى القضاء حيث تحتكر الدولة العنف والعقوبة ضد المسيء إلى غيره… وفي كل هذه الحالات لا مجال للأفراد لاعتماد الثأر والتشفّي.
لا شكّ أن دور التربية عظيم الأهمية في نقل الثقافة من جيل إلى آخر، وكلنا يعرف قاعدة أن الصغير والد الكبير . والتربية عائلة ومدارس ثم جامعات وجمعيات يمكنها أن تثقف على قيم السلام من تفاهم وتسامح وتضامن لكنها، وهذا الأهم، مناهج تربوية تتضمن قيماً تتفق والفلسفة التي يعتنقها المجتمع، وهي أيضاً معلمون مؤهلون مدربون يتوسلون جميع الأساليب العلمية والتشجيعية في مهمتهم التربوية.
إن غرس قيم العدل والسلام في نفس التلميذ وتعميقها في ذهنه بقصد ترجمتها إلى سلوك يومي، هو غرض التربية. وكل تقصير عن جعل ثقافة السلام الاجتماعي قيمة تربوية، يترك الطفل وبالتالي الشاب أمام قلق تسببه الفوضى السائدة في مجتمعنا، وتؤدي به إلى الخوف من الآخرين واستبعادهم واللجوء إلى العنف لحلّ النزاعات معهم.
ويجب أن تساهم السياسات والمناهج التربوية والدراسية في تحقيق ما يسمى بالاتجاه الوقائي التربوي لجهة تنمية قدرة الطفل على استقلال الرأي والتفكير النقدي والتفكير الأخلاقي، وهذا يسهم في تعزيز قيم التفاهم والتسامح والتضامن بين الأفراد ومحاربة التطرّف وإيجاد المناعة الذاتية التي تقي من خروج السلوك البشري عن دائرة التصرف السوي. وهذا ما دعت إليه منظمة الأونيسكو حين أكدت ضرورة تحسين نوعية المناهج المدرسية بإدراج القيم الإنسانية لتحقيق السلام والتلاحم الاجتماعي، واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وأن تكون عملية تطوير المناهج الدراسية قائمة على المشاركة 1 .
إن لثقافة العنف حلقة مفرغة يرتكبها بعض أفراد المجتمع ويقعون ضحايا لها، بينما تهدف ثقافة السلام إلى ترك العنف في مواجهة النزاعات. أما دور التربية على السلام فهو تزويد الشخص بالمعرفة والمهارات والقيم التي تمكنه من حلّ النزاعات سلمياً.
والمقصود بالمعرفة هنا، معرفة أسباب العنف وتقييم نتائجه قبل البحث عن حلول بديلة منه. وتعني التربية على السلام أيضاً التعرّف إلى الفريق الآخر لأن الإنسان عدو ما يجهل أو من يجهل ولأن الخوف يولّد سلوكاً دفاعياً وعنفاً قد لا يكون بالتحديد جسدياً ولكن أيضاً معنوياً يتمثل في تداول الإشاعات وإعلاء شأن الذات تجاه الشخص الآخر، كما يحصل في أيامنا اليوم بين أتباع المذاهب في بلادنا أو بين الطبقات والفئات والمهن المختلفة.
أما المهارات المطلوبة فتبدأ برؤية النزاع بشكلٍ إيجابي، أي بالتعرف إلى حاجات كل الأطراف قبل إيجاد الحلول المناسبة، لأن النزاع غالباً ما يكون تنازع حاجات، ولأنه غالباً ما ينتهي بما يرضي الطرف الأقوى على حساب الطرف الأضعف: الأهل على حساب الطفل والأخ على حساب الأخت والزوج على حساب الزوجة والأقوى من الأصدقاء على حساب الأضعف… ومن المهارات المطلوبة، بعد التعرّف إلى الاحتياجات سبب النزاع، القدرة على الحوار للوصول إلى حل حقيقي، وهي مهارة في الاستماع والتعبير قبل ابتداع الحلول المناسبة.
وبالنسبة للقيم التي تتضمنها التربية على السلام فأولاها هي تربية الشخص على احترام ذاته وتقديرها واحترام الآخرين وتقديرهم ما يعزز الكرامة الإنسانية وهي أساس حقوق الإنسان وبها تبدأ مقدمة «الشرعة العالمية لحقوق الإنسان» ومن دونها يبدو الإنسان رخيصاً ومن يسهل يسهل الهوان عليه.. ويأتي هنا دور التربية في إفساح المجال للطالب بإبداء رأيه الشخصي بحرية ومن دونها أحادية مفروضة واستبداد في الرأي. ومن المفيد الإشارة إلى أن شعور الإنسان بكرامته الإنسانية ينطوي على قيم التسامح وقبول الآخر والثقة بالنفس وبعدم أحادية الرأي.
وهكذا يكون للتربية على السلام دورها الأساس في ثقافة السلام بما يعني تكوين إنسان إيجابي وبنّاء ينبذ العنف في حياته الخاصة والعامة وفي رأيه السياسي أو انتمائه الطائفي، فيساهم في استقرار مجتمعه وتطويره رغم جميع مظاهر العنف والفساد في المجتمع وسطوة الأقوياء وبؤس الضعفاء وضعف سيادة القانون وتجارة السياسيين بعواطف الناس وغرائزهم الطائفية وحاجاتهم الحياتية وشحنهم وقوداً لمعارك عبثية.

