أ.د. حاتم بابكر هلاوي
مقدمة:
علي الرغم من عدم وجود تعريف محدد للأمن المجتمعي لارتباط هذا المفهوم بمفاهيم أخرى كالسلام الاجتماعي والتعايش السلمي إلي أن الجانب النفسي فيما يتعلق بالفرد وإحساسه بأن علاقته بالآخرين إنما هي علاقة أمن وتعاون تشكل نقطة الارتكاز في تحقيق الأمن والسلام في المجتمع.
ولعل الأمن والسلام الاجتماعي تماما كما هي الغرائز الأخري يصعب الإحساس بوجوده ولكن غيابه كافيا لخلق العديد من التعقيدات الحياتية بل وإلي تدمير الحياة الاجتماعية بأسرها. وهكذا فالمطلوب ليس فقط تحقيق الأمن والسلام الاجتماعي ولكن ديمومة الأمن واستمراريته لا يقل أهمية عن وجوده. وبمعني آخر فإن السعي لتحقيق الأمن لا بد أن يرادفه سعي آخر في وجود الأليات التي تجعل منه وضعاً مستقراً ودائماً مما يعني وبصورة مباشرة البحث في تلك البؤر التي يمكن أن تهدد الأمن والسلام لتجفيفها.
ما المقصود بالأمن والسلام الاجتماعي:
إن الحديث عن الأمن والسلام الاجتماعي لا ينبغي أن يعني أن لكل من هذه الكلمات معان منفصلة وذلك لإن الأمن بمفهومه العام وليس الخاص إنما هو يرتبط بالمجتمع تماماً كالسلام ولعل الاستخدامات المهنية جعلت من كلمة الأمن وطيدة الصلة بالدولة وبالنظام السياسي وأن تحقيق الأمن (وظيفة) يقوم بها أفراد بعينهم بمقابل وربما كانوا هم أنفسهم غير آمنين، مما يعني أن الأمن الحقيقي هو أمن مجتمعي فالمجتمع هو الذي يحقق الأمن لنفسه وبنفسه وبمعني آخر فإن الأمن الذي تسعي الدولة لتحقيقه هو أمنها وليس أمن المجتمع.
وعلي ذات النسق يتسق الحديث حول السلام الأجتماعي وهو مرادف للأمن المجتمعي ذلك لأنه في ظل الأمن المجتمعي ترفرف حالة من السلام الاجتماعي وبصورة أدق فإن استعداد أفراد المجتمع للتعايش معاً في مكان ما ورغبتهم في التعاون مع بعضهم البعض يفرض حالة من السلام الاجتماعي وتعني أن الأمن يصبح سائد وسط الجماعة ويقتصر دور الدولة في هذه الحالة علي المحافظة علي النظام الاجتماعي من أي احتكاكات قد تنتج من المدافعة لتحقيق التوازن بين الأنساق المكونة للكيان الاجتماعي ولكن عندما تصبح الدولة خارج عن المجتمع أو كيان مستقل عنه فإن التعارض بين أمنها وأمن المجتمع قد يؤدي الي اضطراب الحياة الاجتماعية كما أن رؤيتها لتحقيق السلام الاجتماعي ربما لا تكون هي رؤية المجتمع لتحقيق أمنه وسلامته.
إن أراء دوركيم في سيادة القانون العقابي في المجتمع البدائي (باعتبار مجتمع صغير) مقارنة مع وجود القانون المدني (أو التعويضي) في المجتمع الأكبر وانتقال التعاون من ميكانيكي الي عضوي إنما تعطي اعتقاداً بأن الصراع يرتبط أكثر بالمجتمع الصغير والتي تطلبت وجود ( العقاب) على حين أن الكثير من المفكرين يعتقدون أن التعويض عن الأضرار وتحقيق السلام الاجتماعي إنما يكون في المجتمعات الصغيرة وليست الكبيرة وليس أدل علي ذلك من وجود الشرطة وإلمام المختصين بكل أنواع المجتمعات الكبيرة وغيابها في المجتمع الصغير مما يعني بالضرورة أن السلام الاجتماعي والأمن هو حالة استقرار نفسي لا يمكن توفره إلا في ظل قواعد تحافظ علي كافة حقوقه الإنسانية مما لا يتعارض ويتضارب مع حقوق وحريات الآخرين.
تعريف المجتمع التعددي:
يعرف البعض المجتمعات التعددية بتلك التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار بواسطة ثقافات أو أجناس أخرى والتي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية وتسعى الآن للانتقال إلى الدولة الأمة. وتتميز هذه المجتمعات بالتنوع الثقافي بل بسيطرة إحدى المجموعات على المجموعات الأخرى، وعليه فإن الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال يمكن النظر إليها باعتبارها مجتمعاً تعددياً شأنها شأن السودان أو أي دولة من تلك الدول التي نالت استقلالها مؤخراً على أن الخلاف هنا يرتبط بموضوع الديمقراطية والحرية. فعلى حين أن الديمقراطية هي التي تشكل الحياة في المجتمعات المتعددة (الموحدة) فإننا في المجتمعات التعددية (المنظمة) قد تحتاج لإجراءات غير ديمقراطية مما يعني أن المجموعات الثقافية المختلفة مواجهة بين خيار التذويب في المجتمعات الأخرى أو الحفاظ على خصائصها وهويتها الثقافية في علاقات الهيمنة والدونية مع المجموعات الثقافية الأخرى وعلى هذا الأساس فإن الدولة في المجتمع التعددي الموحد هي التعبير عن وحدة الأُمة وتلاحمها على حين أن الدولة في المجتمع التعددي المنظم هي الممثل السياسي للمجموعة الحاكمة وتُعد وسليتها في السيطرة وهي بهذا تعد تعبيراً لعلاقات الهيمنة سواء إن كان هذا النظام ديمقراطياً أو شمولياً.
—————————–
من موقع: أرنتروبوس.
أ.د. حاتم بابكر هلاوي. (كان أستاذاً في جامعة النيلين/ السودان).

