د. خليل خيرالله
إن المهمة الأساسية لمنظمة الأمم المتحدة هي حفظ السلام والأمن العالميين.
لن نتناول نصوص ميثاق الأمم المتحدة المناهض للحرب ونصوص القانون الدولي الإنساني وجوهره اتفاقية جنيف 1949 التي تتعلق بالأوضاع الإنسانية في زمن الحرب وما بعدها. هذه النصوص تهدف إلى إقامة الأمن والسلام، لكن تطبيقها غالباً ما كان استنسابياً من قبل الدول العظمى، وخصوصاً بما تعلق بحقوقنا، من دون أن تنسى لحظةً أن تبشّرنا بالسلام وتهيّئ الحرب. لكننا نهتم هنا بسلامنا الداخلي ودور القانون الداخلي في إرساء ثقافة السلام في مجتمعنا.
القانون صورة حية تعكس واقع المجتمعات، وعليه يرتكز بنيانها، فهو ينظمها ويهذبها ويعنى بتطويرها كي يستقر فيها الأمن والعدالة قدر المستطاع. وما الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية التي نصّت عليها الدساتير سوى مؤسسات يتكامل عملها في ضبط السلوك الإنساني وتسيير مرفق العدالة تحقيقاً للأمن الاجتماعي الذي كان وسيبقى مطلباً للإنسان. وبالعمل من أجل العدالة يتحقّق السلام، إذ لا سلام حقيقياً بلا عدالة.
إن الغاية من التشريع في المجتمعات هي تنظيم وترتيب علاقات مؤسساتها وأفرادها عبر وضع قواعد قانونية من أهم صفاتها أنها عامة وأمرة وملزمة، وأنها تضمن توزيعاً منصفاً لخيرات الحياة العامة وأعبائها.
السلطة التشريعية تقر القوانين وبعضها لا يصبح قيد التنفيذ إلا بصدور مراسيم تنظيمية وتطبيقية أو قرارات تتولاها السلطة التنفيذية.
ولا جدال أن النصّ العادل ينعكس عدلاً وسلاماً في المجتمع ولا يكون سبباً لتوترات اجتماعية أو سياسية أو غيرها، كقانون الإيجار، مثلاً، الذي يجعل من المالك والمستأجر أناساً حاقدين متنابذين مظلومين يصرفون عمرهم بالقلق أو بالتظلم وبالدعاوى القضائية لاسترداد أو للحصول على أبسط حقوق الإنسان بالملكية والسكن والأمان الاجتماعي… أو كقانون الانتخاب الذي يفصّل على قياس الحكام ويسبّب الظلم وسوء التمثيل وأسوأ النتائج في جميع مصالح الشعب من دون تمييز مما يصيب السلم الاجتماعي ويشجع بيئة العنف والتنابذ والعقم.
ثم إن النص العادل، الذي لا يفصّل على قياس المصالح الخاصة، يقي المواطنين النزاعات الطويلة واللجوء إلى العنف أو الثأر أو استيفاء الحقّ بالذات ويصبح اللجوء للقضاء استثنائياً عند الإساءة إلى الحقوق. والنص القانوني هو ما ينظم السلطة القضائية وينظم استقلاليتها في تطبيق العدالة تطبيقاً عادلاً وحلّ الخلافات وإعادة الحقوق إلى أصحابها، أي إعادة الأطراف إلى مراكزها القانونية.
وبحسب نوع الأعمال التي يحتاج الإنسان إلى القيام بها انقسم القانون إلى فروع عدّة أهمها قانون الموجبات والعقود كمنظم للعلاقات والاتفاقات بين الأفراد وبالتالي للرضى والسلم بينهم، وقانون العقوبات الذي يضمن حقّ المجتمع بالدفاع عن نفسه وفرض السلم الأهلي عبر السلوك الفردي والجماعي السوي، خصوصاً بما يتعلق بالاعتداءات على الأشخاص ومنها الإرهاب والفتنة.
ومن نافل القول أن للقانون دوراً تربوياً إلى جانب دوره الردعي. وعليه، فإن ثقافة القانون تعطي المواطن ثقة بنفسه وقدرة على معرفة حقوقه وطرق حمايتها والحدود التي تبدأ منها حقوق سواه. ومجتمع تسوده الثقافة الحقوقية مجتمع ينبذ العنف والتطرّف ويحقق الاستقرار.
يبقى أن الأمن والعدالة توأمان وهما شرط السلام الحقيقي. وإن اضطراب الأمن لمدة طويلة في لبنان، وتعطيل عمل مؤسساته إلى حدٍّ كبير، قلّص رهبة الناس من القانون ومن مؤسسات العدالة وشجع على الاستقواء بالقوى النافذة فغاب الأمان.
أخيراً، ولئن كانت ثقافة السلام إعلاناً وخطة عمل صادرة عن الأمم المتحدة وتنفذها بشراكة مع منظمات غير حكومية مرتبطة بها، فإن ما يجب أن تكونه هو خطة وطنية تعتمد المبادئ ذاتها وتتنكبها حكوماتنا وتشرف على تنفيذها لأنها حاجة وتحد فعليان ودعامة من دعائم الديمقراطية ومصلحة عليا تختلف عن أوضاع قهر الناس والتسلط عليهم وإخراس عقولهم وكبت حرياتهم وتسمية ذلك استقراراً!
وعملية التثقيف على السلام يجب أن تأخذ مداها في وعي الشعوب وفي سلوك أفرادها وجماعاتها وأن تضبطها القوانين التي تختلف عن منطق العين بالعين والسن بالسن ويصبح الجميع أعمى غاندي . لكنها تتعارض أيضاً مع فرضها بقوة الصاروخ والطائرة من دول تدّعي أنها أكثر تحضّراً وأنها راعية حقوق الإنسان في العالم فتقتل باسم السلام وتدمر باسم الديمقراطية وتتلاعب بمصير الشعوب فتمزّقها وتنهب ثرواتها وتحوّل ناسها لاجئين وترسل لهم الخيام والفتات باسم الإنسانية والسلام.
وكما هو الإرهاب عقيدة لدى البعض فهكذا يجب أن يكون السلام فنسميه عقيدة السلام الداخلي، وهي أصل التماسك الاجتماعي وحافظ الدولة. وكل الأماني أن تتحول ثقافة السلام إلى قيم حقوقية ملزمة يشكل الاعتداء عليها اعتداء على قيم المجتمع وتقاليده الراسخة.
وأختم بكلمة لفريديريك باس: «الأمم كالأفراد قابلة للتربية1».
————————————————————-
دكتور في الحقوق
1 – Les nations comme les individus sont susceptibles d ducation. Fr deric Passy. 1er Laur at avec Henry Dumant du Prix Nobel de la Paix, 1901

