التنمية المستدامة لخلق السلام

الخميس،6 حزيران(يونيو)،2019

حسين أحمد دخيل السرحان

ثالثا:  مؤشرات التنمية البشرية المستدامة: (تتمة)

تعد مقاييس التنمية البشرية المستدامة ومؤشراتها بمثابة انعكاس للمفاهيم المستخدمة في كل مراحل الفكر التنموي فكلما تطور المفهوم تطورت معه المقاييس لكي تعبر عنه بدقة. فعندما كان الهاجس التنموي يدور حول قياس مستوى الفقر كانت المقاييس تعكس الفقر البشري بإبعاده المختلفة (الفقر الفسلجي والفقر المعرفي والصحي…الخ) وهكذا وصولا نحو استخدام مفهوم التنمية البشرية المستدامة الذي تم تطوير مقاييسه ومؤشراته بما ينسجم وروح هذا المفهوم.

إن المفهوم الأول في دليل التنمية البشرية المستدامة هو مفهوم البعد البشري والذي عبر عن نفسه في أكثر من مقياس. وأبرز تلك المقاييس هو دليل التنمية البشرية الذي يتشكل من ثلاثة مؤشرات هي: ([10])

  1. طول العمر مقاسا بالعمر المتوقع عند الولادة.
  2. التحصيل العلمي مقاسا بمؤشرات فرعية هي:

أ. نسبة البالغين الذين يقرأون ويكتبون.

ب. معدل القيد الإجمالي في  المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والإعدادية.

  1. مستوى المعيشة مقاساً بنصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي بالدولارات الاميركية محسوبا طبقاً لمبدأ تعادل القوة الشرائية.

أما المقاييس الأخرى المرتبطة بالجانب البشري في المؤشر فهي:

دليل التنمية المرتبط بالجنس: وهو مؤشر يشبه دليل التنمية البشرية من حيث المؤشرات الفرعية التي تشكل منها، إلا انه ينصرف إلى دراسة أوضاع المرأة في هذه المؤشرات ويعكس هذا الدليل – فضلا عن البعد البشري – مدى المشاركة في المجتمع أو مظهراً من مظاهر هذه المشاركة.

أما مؤشرات الحرمان البشري فهي:

أ. سجل الحرمان البشري.  (profile of  human Deprivation(P. H. D

ب. دليل الفقر البشري.(H. P. I).

ج. مقياس قدر القدرات.(C. P. M).

وتحتوي هذه المؤشرات على مؤشرات فرعية تتعلق بالوضع الصحي والمدني ومستوى المعيشة اللائق. وتهتم هذه المؤشرات بقياس الحرمان من القدرات الذي هو نتيجة لإنعدام الفرص. أما البعد البيئي في المفهوم فيعبر عن نفسه من خلال سجل التدهور البيئي الذي يتضمن جملة مؤشرات تعكس مدى الضرر أو التحسين الذي يصيب البيئة في سياق النشاط الاقتصادي.

أما الجوانب الخاصة بالمشاركة الاجتماعية أو الاقتصاد الاجتماعي فيعبر عنه بجملة من المؤشرات التي تخص المشاركة السياسية والتمثيل، فضلا عن الدلالات المتضمنة في المؤشرات المتقدمة، فالقيد المادي يعيق مشاركة الفقراء، كذلك الفقر المعرفي بدرجاته المختلفة يعد قيداً حاسماً على المشاركة وسبباً من أسباب تدهور الاقتصاد.

وهناك خمسة جوانب للتنمية البشرية المستدامة تؤثر جميعها على حياة الفقراء والفئات المستضعفة، هي:  ([11])

ـ  التمكـين: أن توسيع القـدرات والخيارات المتاحة أمام الأفراد يزيد من قدرتهم على ممارسة تلك الخيارات، كما أنه يضاعف الفرص المتاحة لهم للمشاركة في صنع القرارات والموافقة عليها.

ـ  التعـاون: تهتم التنمية البشرية بالطرق التي يعمل بها الناس معاً ويتفاعلون في ظل الشعور بالانتماء وبوجود هدف ومعنى للحياة.

ـ الإنصـاف: إن توسيع الإمكانيات والمهارات والفرص يعني ما هو أكثر من زيادة الدخل، إذ يعني الإنصاف مثلاً في وجود نظام تعليمي يمكن للجميع الالتحاق به.

ـ الاستدامـة: لابد من تلبية احتياجات هذا الجيل دون المساس بحق الأجيال المقبلة في التحرر من الفقر والحرمان، وفي ممارسة قدراتها الأساسية.

ـ الأمــن: لاسيما أمن المعيشة فالأفراد يحتاجون أن يتحرروا من الظواهر التي تهدد معيشتهم مثل المرض أو القمع أو التقلبات الضارة المفاجئة في حياتهم.

ويركز برنامج الامم المتحدة الإنمائي على أهداف أساسية ومهمة من أهداف التنمية البشرية المستدامة: القضاء على الفقر، وخلق الوظائف وأستدامة الرزق وسبل العيش وحماية البيئة وتجديدها . ([12])  وتستند هذه الأهداف جميعها عل تنمية التعليم وتطوير قدرات الأفراد المعرفية والتقنية.

المبحث الثاني:ماهية مجتمع المعرفة:

تمهيد:

منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي يشهد العالم مناقشات خصبة حول الطريقة الامثل للتعامل مع ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات . خاصة وان التطورات الايجابية الجارية تبشر بمستقبل جديد على مستوى الانجاز المادي . وكان نتيجة تلك التطورات ان انتشرت مفاهيم جديدة مثل ” مجتمع المعلومات “، ” مجتمع المعرفة ” .

كما ان ثورة المعلومات التي أصبحت الميزة الرئيسة للقرن الواحد والعشرين تداخلت مع ثورة الاتصال وهذا ما ادى الى ثورة معلوماتية اصبح من العسير على الانسان استيعاب كل المعلومات المتوفرة ودراستها واستيعابها. وهذا ما حتم عليه خاصة المجتمعات عامة تطوير تقنيات وأساليب تخزين ومعالجة المعلومات بطريقة رشيدة وذكية.

وفي عصرنا الحالي يتوقع أن تكون المعرفة وتطبيقاتها التكنولوجية أبرز مظاهر القوة مع التحول الذي نشهده في بداية المعرفة. بعدما كانت القوة العسكرية هي الحاسمة في عصر الزراعة، ثم أصبحت القوة الاقتصادية هي المهيمنة في عصر الصناعة .

اولاً: مفهوم مجتمع المعرفة:

ظهر تعبير مجتمع المعرفة في نهاية الستينات من القرن العشرين. وكان المقصود به أن الثروة الحقيقية لدولة معينة تتوقف على طاقتها في إنتاج المعارف وتبادلها وتحويلها وليس فقط على ثرواتها لطبيعية أو إنتاجها المواد المصنعة.([13])

وجاءت القمة العالمية حول مجتمع المعرفة او(مجتمع المعلومات) التي انعقدت في مرحلتها الاولى في جنيف عام 2003 * والتي نظمتها الامم المتحدة المتضمنة أعلان المبادئ المعنون ” بناء مجتمع المعلومات: تحدي عالمي في الالفية الجديدة ” وهي تؤكد وتوضح دور المعلومات والمعرفة في تحقيق التنمية في العالم. ([14])  ثم عقدت القمة الثانية في تونس عام 2005  وكان هدفها وضع خطة عمل جنيف للتحول لايجاد الحلول والتوصل الى اتفاقيات في مجال ادارة الانترنت وآليات التمويل ومتابعة تنفيذ وثائق جنيف .**

ويعرف تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2003، مجتمع المعرفة بأنه: ذلك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وأنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي:الاقتصاد، المجتمع المدني، السياسية، الحياة الخاصة، وصولا لترقية الحالة الانسانية بأطراد، أي اقامة التنمية الانسانية. ([15])

كما يعرف مجتمع المعرفة بأنه: ذلك المجتمع الذي يحسن استعمال المعرفة في تسيير أموره واتخاذ القرارات السليمة، والمجتمع الذي ينتج ويستهلك ويوظف المعلومة لمعرفة خلفيات وخفايا وابعاد الامور بمختلف جوانبها وانواعها. ([16])

وكثيرا ما يترادف مصطلح  ” مجتمع المعلومات ” مع ” مجتمع المعرفة ” على الرغم من وجود اختلافات – تكاد توصف بانها جوهرية- بينهما فنجد ان المصطلح الاول ينحاز الى الجانب التقني، متمثلاً بصورة اساسية في شبكات الاتصالات والبنى الاساسية. اما المصطلح الثاني فهو يشير الى استخدام المعرفة كأهم مورد للتنمية، ويتمحور حول بناء القدرات لاستغلال موارد المعلومات بصورة فعالة وهو امر يتطلب النظر الى عملية اكتساب المعرفة كدورة متكاملة. ([17])

============================

[10]- د.كامل المرياتي، الفكر التنموي ومقاييس التنمية البشرية، مؤسسة مدارك لدراسة آليات الرقي الفكري،شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)على الموقع:www.madarik.net/mag2/10.htm
 [11]-  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، 1997: على الموقع:                                                                   www.poger.org/publications/other/undp/governance/undppolicy
 [12]- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، مصدر سبق ذكره، ص 8.
 [13]-  منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(اليونسكو)، التقرير العالمي (من مجتمع المعلومات الى مجتمع المعرفة): على الموقع: WWW.UNESCO.ORG/SHS
 [14]-   الامم المتحدة، الاسكوا، نشرة المعلومات والاتصالات لتنمية في غربي اسيا، العدد(3)، 2004، ص5.
 [15]-   برنامج الامم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2003، ص57.
 [16]-   نعيم ابراهيم الظاهر، أدارة المعرفة، عمان، عالم الكتب الحديثة للنشر والتوزيع، ط1، 2009، ص30.
 [17]-  المتحدة، الاسكوا، نشرة المعلومات والاتصالات لتنمية في غربي اسيا، 2008، ص9  .