المجتمعات الجديدة والإدماج الاجتماعي

الثلاثاء،11 حزيران(يونيو)،2019

By خالدة بوذر*

نهج إدارة الموارد

وفي بلدان أخرى من منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، مثل السودان والصومال، تتشابك الأزمات ذات التاريخ الطويل مع الضغوط البيئية وظروف تغير المناخ. وقد يكون لتفاوت درجات الحرارة، في الفترة من 1997 إلى 2009، أثر في ربع حالات الأحداث العنيفة في السودان([v]). ويتعرض لهذا التأثير بوجه خاص المزارعون الذين يربون الماشية.

ويقدَّر أن مخاطر النزاع ستزداد في السودان بنسبة تتراوح بين 20 و 30 في المائة بحلول عام 2030، بسبب تضافر الآثار الضارة الناجمة عن تغير المناخ والتنافس على الموارد الطبيعية. وتتسم بأهمية خاصة للرعاة استراتيجيات بناء القدرة على التحمل والتعاون مع الحكومات الوطنية وتعزيز دور المجتمعات المحلية، وكذلك الاستثمارات في إمدادات المياه ونظم الري وإدارة الموارد الرعوية ونظم الإنذار المبكر. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التنمية المجتمعية، التي تكمّل النهج الاستراتيجي التنازلي بممارسات تشاركية تعزز الديمقراطية المحلية.

وفي السودان، يتزايد التنافس بين المزارعين الذين يمارسون الزراعة البعلية والرعاة على الحقوق المتعلقة بالحصول على المياه والوصول إلى الأراضي والمراعي واستخدامها. وقد تسببت آثار تغير المناخ، من انخفاض معدلات هطول الأمطار والتفاوت الكبير في مقاديرها، في تدهور المراعي بشكل مريع. وتتضافر عوامل قصور آليات التكيف علاوة على النزاعات الاجتماعية والسياسية لتزيد قابلية المزارعين الريفيين للإصابة بالضرر. ونعمل نحن هنا على تقليل النزاعات بين طوائف الرحل والمجتمعات المحلية المستقرة وطائفة المزارعين بشأن الموارد الطبيعية في خمس مناطق مستهدفة بالبلد. وتوظَّف الحوارات التي ييسرها الزعماء المحليون على مستوى الدول في تسوية المنازعات على الأراضي والتوصل إلى ترتيبات جديدة واتفاقات مُرضية بشأن حقوق المستخدمين وإمكانية الوصول. ويضاف إلى ذلك استثمار جهود كبيرة في ترسيم الأراضي وإصلاح دروب الرعي واستصلاح المراعي ووضع خطط لتكيُّف المجتمعات المحلية وتوفير الدعم للمشاريع التجارية الصغيرة بغية تعزيز التنوع.

ومن أمثلة ذلك برنامج إدارة موارد غرب السودان الذي يموله الإيفاد، ويتعلق بدعم جهود تطوير نظام لإدارة الموارد الطبيعية على نطاق شمال وجنوب كردفان. وقد أمسك المجتمع المدني بزمام جهود التعبئة على صعيد المجتمعات المحلية، وتولَّى التفاوض بشأن مسارات القطعان؛ حيث أصلِحت مصادر المياه أو شيّدت على امتداد تلك المسارات، ونثرت البذور في المراعي وزرعت الأشجار. وأنشئت محاكم محلية لفض المنازعات على الموارد الطبيعية.

ويمكن بذلك تصميم طائفة من التدخلات ذات الخواص المتآزرة التي من شأنها تحقيق فوائد في مجالات التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، حتى في ظل السياقات الهشة على الدوام والمؤسسات الضعيفة، أو في عدم وجود مؤسسات. فالمهم هو تسخير القوة الكامنة في المجتمعات المحلية نفسها: أي قدرات أفرادها. وفي الصومال، أحد أشد البلدان معاناة من انعدام الأمن الغذائي في العالم، أدت عشرات السنين من عدم الاستقرار والحروب الأهلية إلى تدهور القطاع الزراعي وتعطيل نمط حياة الرعاة الرُحَّل. ويزيد تأثير تقلص الموارد الطبيعية وحالات الجفاف والفيضانات المتكررة من قابلية التعرض للضرر. ومع ذلك، يمكن تحقيق التنمية في المناطق الريفية حتى في مثل هذه الظروف الذي لا تبعث على التفاؤل، وتحقيق تحسُّن في الأمن الغذائي والاستقرار. وتؤكد تدخلات الإيفاد ضرورة كفالة توافر المياه للري والثروة الحيوانية، علاوة على توفير إمكانية الحصول على التمويل في المناطق الريفية، وهو شيء لم يكن متاحا في السابق. غير أنه يتعين تركيز الاهتمام بشكل رئيسي على تعزيز المؤسسات في ضوء الحالة الراهنة. وساعدت المجتمعات المحلية، لا سيما الشيوخ والزعماء، على إقامة روابط فعالة بين الناس على مستوى القاعدة الشعبية وبين السلطات المحلية. وساعد هذا على ملء الفراغ الناجم عن غياب سلطة الدولة، مما هيأ بيئة أكثر سلما من أجل تنفيذ المشاريع، وعزز القدرة على استهداف احتياجات السكان بفعالية.

المجتمعات الجديدة والإدماج الاجتماعي

تشكل أنشطة بناء قدرات الفقراء وتمكينهم من خلال المنظمات المجتمعية، وتعزيز المشاركة والإدماج الاجتماعي والمساواة بين الجنسين، جوهر عمل الإيفاد. وقد انعكس هذا بوضوح شديد في المشاريع التي أثبتت حرفيا إمكانية إقامة مجتمعات زراعية جديدة في الأراضي المهمشة قليلة الاستخدام.

وقد شهدت تونس ومصر، في أعقاب ثورات عام 2011، اضطرابات سياسية سببتها عوامل كثيرة، تشمل انعدام الفرص الاقتصادية وعدم الإدماج الاجتماعي، لا سيما في أوساط الشباب والنساء. وبما أن استثماراتنا مملوكة بالكامل للمجتمعات المحلية، فقد واصل الإيفاد عمله في تونس ومصر خلال فترة الانتفاضة.

وبدأت حكومة مصر العمل على استصلاح الأراضي الجرداء من أجل الزراعة، وهو عمل ذو فائدة مزدوجة تتمثل في توفير فرص كسب الرزق للمستوطنين، بمن فيهم خريجون جدد من العاطلين في المناطق الحضرية، بالإضافة إلى توسيع الرقعة الزراعية في البلد. والإيفاد هو الجهة الوحيدة من بين الشركاء في التنمية، التي تدعم إقامة مشاريع في أراضٍ جديدة في الوقت الراهن. وقد أثبتت هذه المشاريع نجاحها برغم الظروف الصعبة: حيث حققت زيادة بنسبة 400 في المائة في متوسط الدخل السنوي للأسر المعيشية؛ وزيادة في أسعار بيع المنتجات في المزارع بنسبة تصل إلى 33 في المائة؛ إضافة إلى إنشاء رابطات لتسويق المنتجات الزراعية ومراكز لجمعها. وساعدت هذه المبادرة المنظمات المجتمعية أيضا في إدارة الهياكل الأساسية الصحية والتعليمية بشكل مستدام يتيح الاستمرار في توفير الخدمات بعد اكتمال المشاريع. ولا تزال هناك تحديات، مثل عدم تكافؤ الفرص المتاحة للجنسين وبطالة الشباب. ويشار بوجه خاص إلى أن الخريجات، علاوة على النساء من الأسر المعيشية الزراعية الصغيرة، يؤدين دورا حيويا في تنمية الأراضي الجديدة. غير أن فرصهن محدودة في العمل المنتج خارج إطار المزارع، ويسعى الإيفاد بقوة إلى وضع سياسات من أجل إيجاد فرص أفضل للنساء والشباب.

استنتاج

يتضح من تجربة الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أن الاستثمارات المسؤولة ذات الأهداف المحددة في الزراعة والتنمية الريفية، يمكن أن تسهم بقدر ملموس في الحد من النزاعات وتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وتزداد ضرورة الاستثمار في الزراعة والتنمية الريفية في ضوء تزايد أعداد السكان وارتفاع الطلب على الأغذية. وتفوق فعالية الاستثمارات الزراعية في الحد من الفقر فعالية جميع أوجه الاستثمار في القطاعات الأخرى([vi])، بما يتراوح بين مرتين وأربع مرات، ويمكن أن تساعد في زيادة فرص العمالة ووقف هجرة اليد العاملة. وهي بذلك تعالج جميع أبعاد الأمن الغذائي، بدءا بتوافر الأغذية وإمكانية الحصول عليها واستخدامها والاستفادة منها في أغراض التغذية، وصولا إلى تعظيم فوائد الزراعة والتنمية الريفية في مجال السلام.

وفي نهاية المطاف، يشكل الاستثمار في الأمن الغذائي أيضا وسيلة لمعالجة النزاعات. بيد أن الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي يعتمدان أيضا على تعزيز قدرة المؤسسات وتحسين بيئة السياسات من أجل استدامة الزراعة. ومن شأن هذه البيئة التمكينية أن تشجع ممارسة الاستثمار والأعمال التجارية بطريقة مسؤولة في المناطق الريفية، وتحث على الابتكار وتدفع إلى رفع الإنتاجية وإيجاد فرص العمل، وتحفّز النمو الاقتصادي في المناطق الريفية، وجميعها عوامل أساسية في إنجاز خطة عام 2030.

والشكر موصول إلى بروس ف. ميرفي، وعبد الحميد عبدولي، ونيرينا موزوروفيتش، ودينا صالح، ورامي سلمان، ومحمد عبد القادر، وليون ويليامز.

——————————————

الحواشي

([v]) Jean-François Maystadt, Margherita Calderone and Liangzhi You, “Local warming and violent conflict in North and South Sudan,” Journal of Economic Geography, (September 2014), p. 19.
([vi]) البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم في عام 2008: الزراعة والتنمية (واشنطن العاصمة، 2007). ص 6. متاح على الرابط:
http://siteresources.worldbank.org/IN1WDR2008/Resources/WDR_00_book.pdf.