مشاركة المرأة في تحويل النزاعات وحالات التطرف العنيف

الأربعاء،10 تموز(يوليو)،2019

By مُسرّات كاديم

قليل من البلدان في العالم يماثل باكستان في تعقيدات أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتحديات ذات الصلة بالأمن. وباكستان بلد يبلغ عدد سكانه قرابة مائتي مليون شخص، ينتمون إلى أكثر من عشر طوائف عرقية ومجموعات أقليات وقبائل متعددة ظلت تتعايش سلميا على مدى عشرات السنين. لكنه هو ذات البلد الذي ظل يصارع التطرف العنيف في أشكال وأنماط مختلفة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. وتبلغ حدة العنف أعلى مستوياتها في محافظة خيبر بختونخوا والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، وتتقدم النساء الصفوف على خطوط المواجهة، فمنهن الأرامل ومنهن ضحايا التفجيرات الانتحارية ومنهن الناجيات منها كما منهن المشردات والمنكوبات؛ بينما أقاربهن من الذكور يقاتلون أو يكونون في عداد الأموات. ولذلك تعول كثيرات منهن أسرا معيشية بحكم الواقع، ويتحملن المسؤولية عن إطعام المسنين وصغار السن والمصابين ورعايتهم وإيوائهم([i]). ومع ذلك تعاني النساء قيودا قاسية على تحركاتهن وفرص وصولهن إلى المرافق التعليمية والصحية وقدرتهن على رعاية أسرهن بوجه كامل. ويستغل المتطرفون النساء باسم الدين، بإجبارهن على جمع الأموال وعلى إرسال أبنائهن والآخرين من أبناء وأعضاء أسرهن ومجتمعاتهن المحلية للعمل مع أولئك المتطرفين أو لصالحهم، لا سيما في مقاطعة سوات. وتقدم النساء الدعم إلى المتطرفين في كثير من الأحيان بطريقتهن الخاصة، مثل خياطة السترات الانتحارية وجمع الذهب والنقود والعمل كمخبرات وتوفير المأوى.

أما النساء اللاتي يلتحق أبناؤهن بصفوف الميليشيات فتكون معاناتهن بالغة؛ إذ ينتابهن القلق على حياة أطفالهن، بينما يعشن في مجتمعات قد يتعرضن فيها للانزواء والانعزال وحتى الاعتداء بسبب صلاتهن الأسرية، ولا يجدن ملاذا لطلب الحماية إلا في ما ندر.

وردت السيدة زَرغولا على حديثنا معها بشأن التحاور مع ابنها الذي انضم إلى صفوف المتطرفين بقولها ”يستحيل علي أن أتحدث إلى ابني عن التطرف والمتطرفين“.

وقد أطلقت مؤسسة بيمان ألومني ترست (PAIMAN Alumni Trust) الخيرية، في عام 2008، مبادرة تحت شعار ‘‘دعونا نعيش في سلام’’. ويتمثل أحد الجوانب الهامة لهذا البرنامج في تعزيز قدرة أمهات المتطرفين ونساء المجتمعات المحلية الأخريات من أجل المساعدة على منع التطرف.

                 الانتقال من المستحيل إلى الممكن

لقد قادنا تحليل الحالة إلى التركيز على أكثر الحلول صعوبة وخروجا على المألوف من أجل التصدي لهذا الخطر، أي إشراك الأمهات. وقد أدركت مؤسسة بيمان أنه ينبغي توعية الأمهات البسيطات وتثقيفهن من أجل مكافحة الفكر المتطرف. وقد وضعنا استراتيجيتنا لإشراك الأمهات بناء على الاعتقاد بأن الأم هي المسؤولة عن الأخلاق والقيم التي يكتسبها الأطفال وعن غرس الشعور بالمسؤولية تجاه إقامة علاقات إنسانية إيجابية في محيط الأسرة والمجتمع. وكانت مهمة استدراج النساء والأمهات من بيوتهن وإشراكهن في مبادرتنا لمكافحة التطرف العنيف ضخمة بجميع المقاييس. وقد بدأنا ببناء علاقات مع الأمهات في جميع الطوائف، ودعوتهن كي يتعلمن مهارات كسب العيش ويشرعن في اكتساب بعض المال لأسرهن. وفي الوقت نفسه أجرينا حوارات مع شيوخ الطوائف والمتنفذين من الأقارب الذكور واكتسبنا ثقتهم، بغية تمهيد الطريق لخروج النساء من بيوتهن. وكان عملا ناجحا.

ثم وجهنا تركيزنا إلى مفاهيم الثقة بالنفس والكفاءة والتمكين وشرعنا في تنفيذ برامجنا الطموحة من أجل إشراك الأمهات على مرحلتين.

وعملنا في المرحلة الأولى على تعليمهن مهارات كسب العيش حسب جدارتهن الشخصية، من منطلق ضرورة حصولهن على مركز سلطة في إطار الأسرة؛ لأن الطفل يحترم أمه فقط حينما لا يطعن في مركزها أحد، زوجا كان أو صديقا أو أحد أفراد المجتمع بصفة عامة. وساعد هذا أيضا على مساهمة هؤلاء الأمهات في دخل الأسرة خلال فترة قصيرة من الزمن واكتسابهن الثقة بالنفس.

وعملنا في المرحلة الثانية على تزويدهن بالمعارف اللازمة وتعزيز ثقتهن بأنفسهن كي يصبحن فاعلات في أسرهن والمجتمع. وبنينا قدراتهن على التفكير النقدي، بحيث يتمكّن من التعرف على علامات التطرف العنيف لدى الأفراد وفي مجتمعاتهن المحلية وإيجاد طرائق لمعالجة هذه النذر المبكرة عن طريق تشجيع الحوار وبناء السلام المجتمعي. وشحذنا وعي النساء بالقدرة على التأثير في حياة أطفالهن وتوفير الإرشاد لهم ومنعهم من الانخراط في أنشطة التطرف. وفي جميع الحالات تقريبا كان المتطرفون يستغلون نصوص القرآن لإغراء الشباب وجذب المجتمعات المحلية نحو مفهوم الجهاد العنيف، أو إقناعهم بارتكاب أفعال متطرفة. وقد استخدمنا الآيات القرآنية في سياقها الصحيح بغية المساعدة على تغيير عقلية الأمهات. وتستند منهجيتنا لإحداث التغيير إلى القرآن والسنة، وفقا لما أكده النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من أن دور الأم حيوي في تربية أطفالها وفقا لقيم وتعاليم الإسلام الحقيقية، التي لا تدعو إلى الكراهية أو العنف.

وكانت عملية التحول بطيئة بصفة عامة، لكنها مطّردة وقوية. واكتسبت المرأة الثقة التي تحتاجها للتواصل بشكل صريح مع أبنائها، من خلال المعارف والقدرات الاقتصادية التي حصلت عليها حديثا، وساعد ذلك في تعميق جذور العلاقة بين الأمهات وأبنائهن. وتعمل مؤسسة بيمان من خلال الأمهات اللاتي تتحول مفاهيمهن من أجل الوصول إلى أبنائهن وتشجيعهم من ثم على الانضمام إلى برنامجها للقضاء على التطرف.

وكانت عملية تغيير مفاهيم الأمهات من الاحتفال باستشهاد أبنائهن في هجمات انتحارية ليصبحن عناصر للتغيير الإيجابي في المجتمع مرهقة وشاقة. ووجدت الأمهات صعوبة بالغة في إقناع الآخرين بتبني النهج الذي يدعون إليه في سياق المجتمع الأبوي المحافظ وفي خضم الأثر السلبي للتطرف العنيف أو الاستغلال الذي تمارسه جماعات معيّنة باسم الدين. وبعد أن تلقين التدريب، انضمت النساء إلى عضوية مجموعات أمهات بيمان للسلام، المعروفة باسم مجموعات تولانا (TOLANA) (وهي كلمة تعني ”سويا“ في لغة البشتون)، وبدأن التواصل مع غيرهن من الأمهات. وقد دربت مؤسسة بيمان حتى تاريخه 745 امرأة، ويشكلن الآن 30 مجموعة تولانا في مقاطعة خيبر بختونخوا والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية.

وتعقِد هذه المجموعات الآن جلسات مع الأمهات الأخريات في مجتمعاتهن المحلية، بغرض تعليمهن ودعوتهن إلى اتباع وسائل غير عنيفة لمعالجة خطر التطرف.

وتؤدي مجموعات أمهات تولانا، بالاشتراك مع مجموعات شباب تولانا، دورا محوريا في تحديد الفئات الضعيفة والمتطرفة في أوساط الشباب، من أجل إشراكهم في برنامج المؤسسة للعمل الإيجابي وإزالة التطرف. وتشارك هذه المجموعات بنشاط في المهمة الصعبة لإعادة إدماج الشباب المتطرفين الذين تتحول مفاهيمهم من خلال برنامج المؤسسة. وتعقد المجموعات اجتماعات في إطار مجتمعاتها المحلية لتشدد على أهمية الوقاية من التطرف العنيف وتؤكد الأثر الإيجابي لموقف المجتمع تجاه إعادة إدماج الشباب الذين تتحول مفاهيمهم. ويتحقق ترابط المجتمعات الآن بفضل مجموعات هؤلاء الأمهات، التي تشجع أيضا تحقيق المصالحة من خلال إقامة الصلات وتبادل المعلومات عبر الشبكات المجتمعية. وقد تمكنت المجموعات من تثقيف وتوعية 15 ألف امرأة من أفراد المجتمعات المحلية في مقاطعة خيبر بختونخوا والمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، بحيث أدركن في نهاية المطاف أن لهن دورا في منع التطرف ومكافحة التطرف العنيف في مناطقهن، والإسهام بذلك في صون عملية بناء السلام المجتمعي بكاملها.

وتتولى مجموعات أمهات تولانا مراقبة بيئتهن المحيطة ويبقين متيقظات للتعرف على البوادر الأولى للتطرف العنيف في الأسرة والمجتمع. ومن الأمثلة الدالة على شجاعة المشاركات في مجموعات أمهات تولانا قصة شيبا، التي لاحظت أن أخاها الأصغر، غول ظريف، يتأخر في العودة إلى البيت وأنه صار شديد الهدوء. وسألته مرارا عمّا لاحظته مؤخرا من تغير مواعيد عودته وصمته الملحوظ، لكنه رفض الإجابة. وتذكّرت ما تعلمته من تدريبها في مؤسسة بيمان عن علامات الإنذار المبكر المتمثلة في التغيرات التي تطرأ على سلوك الشباب، فبدأت ترصد تحركاته وتصرفاته عن كثب. وتبعته في إحدى الليالي واكتشفت أنه كان يزور منزلا في شارع مجاور. وناقشت حالته مع النساء الأخريات والشباب في مجموعات تولانا. وبدأ بعض أعضاء مجموعات الشباب زيارة ذلك المنزل واكتشفوا أن أشخاصا غرباء كانوا يأتون إليه ويلقون محاضرات ويستدرجون الشباب إلى الانضمام إليهم في المهمة التي يدعون إليها. وقامت شيبا وعدة أمهات أخريات من مجموعة تولانا بتبليغ الأمر إلى الشرطة المحلية، التي داهمت المنزل وضبطت مواد دعاية متطرفة واعتقلت ثلاثة أشخاص غرباء كانوا قد تمكنوا بالفعل من التغرير بخمسة شبان في ذلك المجتمع المحلي. وقد ساعد ذلك الإنذار المبكر من قبل مجموعة السلام النسائية المجتمعية على إنقاذ أعداد كبيرة من الأولاد في منطقتهن من الوقوع فريسة لجماعة متطرفة.

———————————————–
         مُسرّات كاديم :هي المديرة التنفيذية لمؤسسة بيمان ألومني ترست.
الحواشي:
     ([i]) Bushra Khaliq, “Rising extremism, war on terrorism and women’s lives in Pakistan”, International Viewpoint, (February 2010).
العدد 4 من المجلد الثاني والخمسين 2015 /2016/05 (من الوقائع – الأمم المتحدة)