تسخير إمكانات الفتيان والفتيات للوفاء بوعد أهداف التنمية المستدامة

ليلى رزوقي
الخميس،11 تموز(يوليو)،2019

By ليلى زروقي

دخلت أهداف التنمية المستدامة حيز النفاذ ويؤمل كثيرا في أن تحدِث من خلال إمكاناتها تغييرا إيجابيا في حياة الملايين من البشر.

وقد تعهدت الدول الأعضاء، حين اعتمدت الخطة الإنمائية الجديدة، بكفالة ألا يتخلف أحد عن الركب، وأن تسعى ”إلى الوصول إلى من هم أشد تخلفا عن الركب“. واعترفت بأنه لا سبيل إلى تحقيق التنمية المستدامة دون سلام، ولا إلى إرساء السلام دون تنمية مستدامة.

وتهدف الخطة الجديدة إلى تحويل عالم يواجه تحديات على مقياس لم نشهد له مثيلا منذ عقود. فالنزاعات العنيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأماكن أخرى تتسبب في تعطيل حياة ملايين الناس، ولا تزال تؤجج أكبر نزوح بشري يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

وننحو في أحيان كثيرة جدا أثناء النزاعات، إلى الاعتقاد بأن تأثر الأطفال بالعنف هامشي فقط؛ بينما هم في الواقع أشد الفئات تضررا جراء الحرب، وتواجه جهودنا الرامية إلى توفير الحماية لهم صعوبات جمَّة. وهم يتعرضون الآن، في بلدان مثل الجمهورية العربية السورية، وجنوب السودان، واليمن وأماكن أخرى كثيرة، للقتل والتشويه والتجنيد والاستخدام في صفوف المقاتلين والاختطاف والوقوع ضحايا للعنف الجنسي. وتتعرض المدارس والمستشفيات للاعتداءات ولا يحصلون على المساعدة الإنسانية الأساسية المنقذة للحياة.

ويظل الأطفال الضحايا، الذين يمثلون قرابة نصف عدد المتضررين من النزاعات على الصعيد العالمي، بعيدا عن الأضواء في معظم الحالات. وهم بلا شك ضمن أشد الفئات عرضة للضرر وأكثرها بعدا عن اللحاق بالركب.

ويعتبر الفتيان والفتيات المتضررون من النزاعات المسلحة أكثر من مجرد ضحايا لظروف صعبة بدرجة لا تصدق. وهم عنصر أساسي لبناء المجتمعات المسالمة القوية المتوخاة في خطة التنمية الجديدة. ويجب علينا تسخير إمكانات الفتيان والفتيات المتضررين من الحرب من أجل استيفاء ما تعد به أهداف التنمية المستدامة.

جدول أعمال يراعي احتياجات الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة

تحتل مسائل السلام والعدالة والمؤسسات القوية موقع الصدارة في خطة التنمية الجديدة؛ التي تشتمل على عدة أهداف متعلقة بالأطفال، من بينها كفالة توافر خدمات تعليم وخدمات صحية جيدة، ووضع حد لتجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال، ووقف جميع أشكال العنف ضد الأطفال.

                 التعليم

تؤكد أهداف التنمية المستدامة حق جميع الأطفال في الحصول على تعليم جيد. إلا أن نشوب النزاعات يعني في كثير من الأحيان توقف ملايين الأطفال عن التعليم.

فالمدارس تدمر أو تصاب بالأضرار، والأطفال يجبرون على ترك ديارهم وقلما يجدون مكانا آمنا لمواصلة تعليمهم أثناء تشردهم. وعلى سبيل المثال، يقدر أن 5 آلاف مدرسة قد دمرت بشكل كامل وقرابة ألف مدرسة أخرى تضررت منذ بداية النزاع في الجمهورية العربية السورية. ولا يحصل أكثر من 60 في المائة من الأطفال اللاجئين من الجمهورية العربية السورية على تعليم. وفي اليمن تعرضت أكثر من 500 مدرسة إلى الضرر أو التدمير خلال عمليات القصف الجوي أو الهجمات البرية. وتفيد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) بأن ثلث أطفال البلد ظلوا بعيدين عن المدارس منذ بدء الضربات الجوية في آذار/مارس 2015. وفي أماكن أخرى، أغلقت آلاف المدارس أبوابها بسبب انعدام الأمن، وتوقف بذلك تعليم ملايين الفتيان والفتيات.

وتهدد مخاطر النزاعات التي طال أمدها تعليم أجيال بأسرها للضرر. ولهذا يجب أن يصبح توفير التعليم في حالات الطوارئ من الأولويات. وإذا تمكن الأطفال من مواصلة تعليمهم في أوقات الحرب، ستصبح البلدان مهيأة بشكل أفضل للتعافي وبناء سلام دائم. وبالمثل، يجب أن نعطي الأولوية لإعادة بناء المدارس حينما يتحقق السلام. وتوضح التجارب أن إعادة بناء كوادر المعلمين المهرة وبناء الهياكل الأساسية المادية اللازمة لتوفير التعليم الجيد قد تستغرق عشرات السنين.

والاستثمار في التعليم أمر أساسي من أجل الوفاء بوعد الأهداف الإنمائية للألفية. ولا يتوقع أن يشارك الأطفال في تنمية بلدانهم إذا كانوا لا يملكون المهارات الأساسية. وستتعرض التنمية للتعويق في غياب التعليم، وتظل الفرص الاقتصادية قليلة ومتباعدة، وسينشأ عن ذلك إحساس بالظلم وتبدأ دورات جديدة من عدم الاستقرار.

ويذكّرنا الهدف رقم 4 بضرورة كفالة فرص التعليم للجميع مدى الحياة. وهي مسألة ذات أهمية خاصة للأطفال الذين يتعرضون للتجنيد والاستخدام في القتال، أو الذين يتوقف تعليمهم لفترات طويلة تجعل عودتهم إلى المدارس النظامية صعبة أو مستحيلة.

ويكون الأطفال الجنود مرغمين على ارتكاب أفعال عنف في أحيان كثيرة. وقد لا يتاح لمثل هؤلاء الأطفال خيار العودة إلى مجتمعاتهم المحلية أو مدارسهم. وقد يواجهون صعوبة شديدة في الاندماج في المجتمع عند انتهاء محنتهم. وإذا لم نشجع إعادة إدماج هؤلاء الفتيان والفتيات في المجتمع ونساعدهم على إيجاد طرائق للإسهام في حياة مجتمعاتهم، بإتاحة فرص التدريب المهني لهم، فقد يسهموا في تعطيل التنمية، أو ربما أسوأ من ذلك، يسهموا في هدمها حينما يكبروا.

ويتطلب دعم عمليات تسريح الجنود الأطفال السابقين وإعادة إدماجهم توافر موارد ضخمة، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتياجات البنات. ويجب أن يكون توفير الدعم المالي لبرامج إعادة الإدماج عنصرا أساسيا في برامج التنمية بعد انتهاء النزاعات.

————————————-

ليلى زروقي هي الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح.

العدد 4 من المجلد الثاني والخمسين (الوقائع – الأمم المتحدة)