خفض جميع أشكال العنف

الجمعة،12 تموز(يوليو)،2019

By أليكس ج. بيلامي:

ترمي الغاية الأولى من الهدف 16 في أهداف التنمية المستدامة، المدرجة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، إلى ”الحد بدرجة كبيرة من جميع أشكال العنف ومعدلات الوفيات المتصلة بها من في كل مكان“. بيد أن ”محاربة الحرب“. على قول جوشوا غولدشتاين – لا تسير على ما يرام. إذ شهدت السنوات الأربع الأخيرة زيادة في النزاعات المسلحة وأحداث العنف ضد المدنيين وغير ذلك من أشكال العنف الأخرى على مستوى العالم، بعد عقود من التقدم تجاه تخفيف عبء النزاعات العنيفة عن كاهل العالم. واقترنت هذه الزيادة بأزمة عالمية لم يسبق لها مثيل من التشرد والتدهور المريع في أوضاع حياة الناس في المناطق المنكوبة بالنزاعات. ويجب على المجتمع الدولي في مواجهة هذا التحدي، شحذ الطاقات ووضع الاستراتيجيات وكفالة الالتزام وتوفير الموارد تلبية لاحتياجات خفض العنف بجميع أشكاله، من خلال منع نشوب النزاعات وحماية السكان الضعفاء وإعادة بناء الدول والمجتمعات في أعقاب أحداث العنف. وقد مهَّدت الأمم المتحدة لتحقيق هذه الغرض بعينه حين أدرجت الحد من جميع أشكال العنف في أهداف التنمية المستدامة. ولا تختلف أهداف التنمية المستدامة عن الأهداف الإنمائية للألفية التي سبقتها من حيث أنها لا توفر إجابات على جميع التساؤلات، لكنها تبرز التوقعات والأولويات العالمية، وتضع معايير للأداء نستطيع من خلالها قياس التقدم المحرز، وتمثل أيضا إشارة الانطلاق نحو تضافر الجهود العالمية. وقد أضحى الحد من العنف ضمن تلك الأهداف الآن. ويكمن السؤال في كيفية تحقيق ذلك الغرض؟

وقد تشعَّبت العلاقة بين التنمية الاقتصادية والنزاعات العنيفة منذ وقت طويل. فمن ناحية، يرتبط السلام بالتنمية ارتباطا وثيقا. والنزاعات المسلحة ليست ربما أكبر عوامل تثبيط التنمية الاقتصادية فحسب، إلى درجة أنه يشار إليها أحيانا بعبارة ”التنمية العكسية“، بل يرتبط النمو الاقتصادي المستدام بشكل وثيق أيضا بتعاظم فرص تحقيق السلام. وليس مستغربا في ذلك السياق أن تحقق منطقة شرق آسيا معدَّل أداء أفضل من غيرها في تنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية، في ضوء ”السلام المستديم“ الذي شهدته منذ عام 1979، وهي فترة لم تشهد فيها المنطقة أية نزاعات بين الدول، بينما تراجعت بشكل حاد أحداث الحرب الأهلية والعنف الأحادي الجانب معا. وليس مستغربا بذات القدر أن أقل البلدان إنجازا في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية هي الدول المتضررة من النزاعات (مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكوت ديفوار، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأفغانستان)، أو الدول التي تشهد عنفا مجتمعيا مستديما (مثل بابوا غينيا الجديدة). وانتقلت سوريا، منذ اندلاع الحرب في عام 2011، من موقعها بين أفضل البلدان أداء لتصبح من أسوئها. وبذلك أثبتت التجارب بما لا يدع مجالا للشك، ضرورة أن يكسب المجتمع الدولي صراعه مع الحرب كي ينتصر في الحرب على الفقر. لكن العكس صحيح أيضا، فالحرب لن تنهزم سوى من خلال التقدم تجاه تخفيف حدة الفقر ورفع مستويات المعيشة. ويتضح من التمعُّن في التجارب الماضية، حيث تحققت الأهداف الإنمائية للألفية، أن تحقيقها ساعد في تعزيز الضغط من أجل انحسار النزاعات المسلحة. وفي الوقت نفسه، نتجت عن انخفاض النزاعات المسلحة زيادة كبيرة في فرص التحرك الإيجابي على طريق التنمية. وهي علاقة وعاها بشكل جيد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي والوكالات الإنمائية الرائدة الأخرى، منذ عشرين عاما على الأقل.

ومع ذلك، وبرغم ما ذكر، أبدت بعض الأوساط مقاومة سياسية قوية لتدابير ربط الجهود الإنمائية الدولية بمساعي تحقيق السلام والأمن الدوليين. وقد حاجَّت البرازيل، والهند، وباكستان في البدء، في سياق التفاوض بشأن أهداف التنمية المستدامة، بأن إدراج السلام ضمن تلك الأهداف سيطمس الخطوط الفاصلة بين التنمية الاقتصادية والأمن، ويشجع تدخل مجلس الأمن في أعمال الجمعية العامة بالأمم المتحدة. وشكك بعض خبراء التنمية أيضا في رجاحة فكرة إدراج الحد من جميع أشكال العنف ضمن أهداف التنمية المستدامة. وأعربوا عن قلقهم من أن يؤدي ذلك إلى توجيه التمويل بعيدا عن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الأساسية صوب الأهداف المتصلة بالأمن الوطني، مثل مكافحة الإرهاب. لكن التجارب المريرة أثبتت لنا أن الاستثمار في التنمية الاقتصادية من غير استثمار في السلام أيضا هو مجرد إهدار للموارد. لأن فترة قصيرة فقط من النزاعات العنيفة قد تبدد فعليا نتاج سنوات من العمل الإنمائي الدؤوب. ويتطلب خفض العنف على الصعيد العالمي أن تتخذ منظومة الأمم المتحدة بأسرها وشركاؤها إجراءات حازمة. وقد أطلقت خطة التنمية المستدامة نداء قويا لاتخاذ إجراءات حين أدرجت خفض العنف ضمن أهدافها. وينبغي أن يدخل منع النزاعات العنيفة في صلب هذه الخطة الجديدة.

وجرت العادة منذ صدور التقرير المرجعي للجنة كارنيغي لمنع النزاعات في عام 1977، على تقسيم الوقاية إلى عنصرين: الوقاية العملية التي تهدف إلى منع العنف الوشيك والسيطرة عليه، والوقاية الهيكلية الرامية إلى خفض المخاطر الكامنة وراء النزاعات العنيفة أو تخفيف حدتها. بيد أن الخطوط الفاصلة بين المسألتين مبهمة تماما في الممارسة العملية. ومثال ذلك أن عمليات الأمم المتحدة ذات الأبعاد المتعددة لحفظ السلام تتضمن عادة عناصر من كليهما. ويشير هذا إلى أن الوقاية الفعالة تقتضي تنفيذ أنشطة تهدف إلى معالجة مصادر الخطر الكامنة ومسببات العنف الوشيك في آن واحد. وعلى غرار الوقاية من الحرائق المنزلية التي تتطلب مزيجا من الأعمال الهيكلية الأساسية (فيما يتصل بالتصميم ومواد البناء) والتدابير التنفيذية الإضافية (مثل توفير مضخات إخماد النيران)، تتطلب الوقاية من الفظائع أيضا معالجة كلٍ من المسببات العميقة والأزمات التي تفجر العنف. فالأرجح هو أن المنزل الذي توجد فيه مدفأة مفتوحة مشيدة من مواد ذات قابلية اشتعال عالية سيحترق في نهاية المطاف، حتى وإن زود بمنظومة من مضخات الإطفاء. وهكذا الحال أيضا في مجال منع النزاعات؛ حيث لا يكفي أحيانا اتخاذ إجراءات حازمة عند نقطة انطلاق الأزمة لمنع نشوب العنف. وقد حظيت الاستجابة الدولية للأزمة التي نشبت في أعقاب الانتخابات في كينيا، في الفترة 2007-2008، على سبيل المثال، بالإشادة على نطاق واسع باعتبارها مثالا يحتذى للوقاية الفعالة. ومع ذلك بلغ عدد القتلى من المدنيين قرابة 500 1 فرد قبل اتخاذ قرارا بشأنها.

وشهد العقد الماضي إحراز تقدم مطرد تجاه تطوير الوقاية العملياتية من النزاعات المسلحة. فقد عززت الأمم المتحدة نظمها للإنذار المبكر وقدراتها للتقييم، من خلال إدارة الشؤون السياسية، وعززت أيضا تركيزها على الوقاية من الفظائع من خلال المكتب المشترك المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية؛ وحددت أولويات لحماية المدنيين أثناء عملياتها الميدانية، ووضعت خطة العمل المتعلقة بمبادرة حقوق الإنسان أولا، التي تهدف إلى تعزيز قدرة منظومة الأمم المتحدة بأكملها على التنبؤ بحالات الطوارئ المتعلقة بحقوق الإنسان والتصدي لها، بما في ذلك الحالات التي قد تنطوي على جرائم فظيعة.

وأحرِز تقدم أقل نسبيا بشأن تفعيل الوقاية الهيكلية، ويعزى ذلك بقدر كبير إلى أنها أنشطة تمهيدية غير مرتبطة بحالات الطوارئ الملفتة للانتباه ولم تدمَج في العمل اليومي للوكالات الإنمائية. يضاف إلى ذلك أن الوقاية الهيكلية لا تحركها عادة الجهات الفاعلة الدولية الملتزمة، بل الحكومات الوطنية والجهات الفاعلة المحلية الأخرى المدفوعة بالشواغل المحلية. وهذا هو السبب في أن التزام جميع الدول بخفض العنف أمر بالغ الأهمية، وأن خفض العنف صار جزءا من اهتمامات الجميع. وإذا أريد للأمم المتحدة أن تضطلع بدور ريادي في مساعدة الحكومات والجهات الأخرى على الوفاء بالتزامها المشترك، فلا بد من أن تصبح أنشطة الوقاية ”التمهيدية“ جزءا من أنشطتها الأساسية.

————————————————
أليكس ج. بيلامي: هو مدير مركز آسيا ومنطقة المحيط الهادئ للمسؤولية عن الحماية، وأستاذ دراسات السلام والنزاع في جامعة كوينزلاند، أستراليا.
العدد 4 من المجلد الثاني والخمسين 2015 2016/05 (الوقائع – الأمم المتحدة)