أيمن ملا
بالرغم من تصاعد أعمال العنف والإرهاب العالمي والتي لم يسلم منها جميع دول العالم تقريبا المتقدمة منها والنامية وسواء إرهاب الدولة أو الجماعات المسلحة أو إرهاب الأفراد الأمر الذي أدّى إلى تسميم الحياة الدولية من جديد، خصوصا بعد حادثة تفجير برجي الاقتصاد العالمي في الولايات الأمريكية المتحدة عام 2001 وما أعقبها من حربي أفغانستان والعراق مرورا إلى ثورات ما يسمى بالربيع العربي، إذ خيم على العالم من جديد نوع من الشك والتوتر في العلاقات الداخلية والخارجية بعد لجوء بعض القوى العالمية الكبرى كالولايات المتحدة إلى العنف واستخدام القوة لحل الخلافات السياسية وهيمنة خطر الإرهاب والجماعات المسلحة على عموم العلاقات الدولية والإقليمية وتشتتها .
لذلك فإن الدعوة إلى تسامح دولي باتت ضرورة ملحة إذ ينبغي على الأطراف المتناحرة أخذ فكرة التسامح بعين الاعتبار لإحداث نوع من الترميم للحياة السياسية الداخلية والخارجية فيما بينها واعتماد مبادئ التسامح وفق ما جاءت في المؤتمر العام لليونسكو والذي عقد في فترة 25 تشرين الأول ( إكتوبر ) إلى 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) من عام 1995 إذ نصت المادة الأولى منه على ” أن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد ” فالتسامح إذا هو اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته السياسية المعترف بها عالميا ، ولا يعني ذلك ولو بشكل من الأشكال التذرع بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الأنسان والاعتداء على كرامة الآخرين وهذا ما نوه إليه الإعلان دفعا لأي التباس، وكذلك أيضا الشبكة العربية للتسامح والتي حاولت التفريق ما بين قيم التسامح والدعوة إلى التخلي عن الحقوق والحريات الأساسية .
أما إذا أردنا الولوج إلى الحديث عن فكرة التسامح من نافذة الديانات السماوية فإننا سنجد بأن الديانات الرئيسية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية قد دعت في خطوطها العريضة إلى تناول مبدأ التسامح في كامل القضايا الإنسانية، ففي الإسلام مثلا كانت قيم التسامح أكثر إشراقا خلال الحقبة المحمدية أي قبل ظهور ما يسمى بالإسلام السياسي بقرون بتأكيد احترام الحقوق والإقرار بالتنوع وحق الاختلاف ، ولا يخفى على أحد مقولة النبي عليه السلام عند فتح مكة حيث كانت لها دلالات كبيرة جدا في تهيئة أجواء التسامح عند مخاطبته للأسرى قائلا :” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” وكان ذلك بمثابة عفو عام قد سبقه إعلان ” من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن ” . أما المسيحية فكانت قد سبقت الإسلام بقرون للتبشير بقيم التسامح والتي شكلت في التاريخ الحديث خلفية لحركة التنوير التي دعت إلى ضرورة تحمّل الأنسان للإنسان الآخر عبر فولتير الذي يعتبر الأب الروحي لفكرة التسامح في حقبة التنوير، ولا ننسى هنا عمدتي السلام في العصر الحديث المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا اللذين اشتهرا بإيمانهما بفكرة التسامح والدعوة إليها في مسيرتهما الإنسانية والسياسية.
أما في العصر الحديث وخصوصا بعد الحربين العالميتين حيث دخل مفهوم التسامح في العديد من القوانين والمواثيق الدولية ولعل أبرزها كان مؤتمر فرانسيسكو عام 1945 والذي دعت الولايات المتحدة فيه إلى تعميم فكرة التسامح ، وعقب ذلك وفي عام 1948 حين صدر الإعلان العالمي لحقوق الأنسان والذي يعدّ وثيقة دولية ذات قيمة حضارية والذي أكد أيضا على مبدأ التسامح في مادته الأولى ، بالإضافة إلى العديد من المواثيق والبروتوكلات الدولية الأخرى التي حثت على تناول فكرة التسامح ولعل آخرها كان إعلان اليونسكو عام 1995 والذي نتج عنه تسمية 16 نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتسامح .
لكن في عالمنا العربي والإسلامي وللأسف الشديد لا يزال التسامح غير مقبول لدى الكثيرين بل إن العديد من الاتجاهات المتعصبة تعتبر أن فكرة التسامح هي نبتة شيطانية وبأنها فكر مستورد متغافلين عن أن الإسلام الأول المحمدي والراشدي قد اتسم بروح التسامح أكثر من أي شيء آخر .
لذلك ولوجود نقص تربوي في فكرنا وقصر النظر في سياستنا المستقبلية فإن الغرب لا يزال يتهمنا بأننا السدّ المنيع أمام سير مركبة التسامح والحرية في العالم في حين أن الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية هي أول المعتدين على حقوق الأنسان وخنق حرية الاختلاف والرأي العالمي بهيمنتها على جميع مفاصل الحركة في العالم بحكم القوة والسلطة يساعدها في ذلك المتطرفون فكريا في العالم الإسلامي والعربي .

