السوريون في تركيا: من “مهاجرين” إلى مبعدين قسرياً
منهل باريش
اتخذ السوريون إجراءات حذرة في تحركهم في مدينة استنبول بهدف مواجهة الإجراءات الصارمة التي بدأتها الحكومة التركية بحق كل من لا يحمل بطاقة الحماية المؤقتة التركية المخصصة للسوريين “الكمليك”.
ويلحظ المتابع خوف السوريين والشباب بالأخص منهم، في المناطق ذات الكثافة العالية للسوريين مثل اسنيورت وايكتيلي، ووصل التدقيق على السوريين إلى مناطق الفاتح وفندق زادة واكسراي قرب الوسط التجاري للمدينة والتي تنتشر فيها المطاعم السورية بشكل كبير.
وفي جولة في المدينة أو عند مخارج ومداخل الميترو يلحظ بسهولة اشتباه رجال الشرطة بالسياح العرب على أنهم سوريون، فيوقفهم شرطي الدورية طالبا “الكمليك” يسال السائح مستغربا ماذا؟ يدرك الشرطي بعد أن يخرج السائح جواز سفره أنه سعودي أو لبناني في مشهد متكرر، أو يمكن أن يخبرك صديق عربي قادم في إجازة إلى اسطنبول انه تعرض إلى سؤال مشابه.
وتداولت وسائط التواصل الاجتماعي فيديوهات وصورا لسوريين في مراكز احتجاز وأخرى في باصات نقل تابعة لمديرية الأمن تقوم باحتجاز اللاجئين الذين لا يحملون “الكمليك” وآخرين يحملونها من ولايات الجنوب التركي.
وطالت الحملة الأمنية منطقة سلطان بايلي القسم الآسيوي من استنبول والتي تعتبر ثاني تجمع للسوريين وقامت البلدية بإنذار أصحاب المحلات الصغيرة والورش بتسوية أوضاعهم القانونية خلال مدة قصيرة، فيما اعتقلت السوريين الذين لا يحملون بطاقة “الكمليك” أساساً وقامت بمخالفة بعض الورش ومعامل الخياطة التي يعمل فيها اللاجئون بدون أذن عمل قانون من وزارة العمل.
التحول في دلال السوريين بدأ مع منذ فترة ليست بالقصيرة، مع عدم إصدار اذونات العمل لموظفي مؤسسات المجتمع المدني في غازي عنتاب منذ سنتين. حيث رفضت أغلب الطلبات التي تقدم إلى وزارة العمل ومع ذلك ظل المفتشون الحكوميون يطالبون بإذن العمل ودخلت المنظمات في دائرة مفرغة وبدأت باختراع البدائل من خلال تسجيلها كشركات تجارية. لكن حتى هذا لم يمنحها فرصة شرعنة وضع العاملين فيها. حيث رفضت اذونات العمل واستمر التضييق عليها وهوجمت مؤسسات بعينها من قبل الصحافة التركية وشكك بارتباطها وأجنداتها، علماً أن كل المنظمات بدون استثناء تتلقى دعما أوروبياً أو أمريكياً.
وظهر السوريون كورقة انتخابية في المناظرة بين المرشحين إلى رئاسة بلدية اسطنبول الكبرى في جولة الإعادة.
وبعد أيام من خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم انتخابات بلدية إسطنبول، وخلال اجتماع هيئة القرار المركزي في الحزب التي انعقدت في 11 تموز/يوليو لتقييم نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، صرح الرئيس رجب طيب اردوغان أن حكومته ستتخذ خطوات جديدة تجاه السوريين في تركيا عبر ثلاثة إجراءات هي التشجيع على العودة وترحيل مرتكبي الجرائم وإيقاف خدمات الطبابة المجانية التي تمنح لحاملي بطاقة الحماية المؤقتة “الكمليك”.
وفي لقاء رسمي دعي إليه نشطاء وصحافيون حضره وزير الداخلية التركية، إسماعيل صويلو ووالي اسطنبول علي يرلي كايا ومدير دائرة هجرة اسطنبول عبد الله إياز، أشار الوزير إلى أن قضية اللاجئين السوريين تحولت إلى قضية تكسب سياسي داخلي وهذا غير مقبول ويجب التوقف عنه، حسب قوله. فيما أعلن والي اسطنبول أن “رواية الأنصار والمهاجرين بدأت تنتهي، نسأل الثواب عن ذلك العمل في نصرة السوريين لكن التحديات أصبحت كبيرة الآن”. وتحدث عن إعادة السوريين غير المسجلين في اسطنبول إلى المدن التي سجلوا بها وسنمنع التنقل بين الولايات بهدف محاربة العمل غير المرخص.
وأكدت مديرية الهجرة التركية عبر حسابها الرسمي الخاص في موقع تويتر وفقا للمادة (23) من لائحة الحماية المؤقتة – على ضرورة التزام السوريين المقيمين في تركيا بالأمور التي تنص عليها المديرية العامة للهجرة والمحافظات.
وقالت إدارة الهجرة، في تغريدتها المعنونة بـ “تحذير هام” أنّ انتهاك الالتزامات المنصوص عليها، سيتعارض مع المواقف والسلوكيات لشروط ومتطلبات النظام العام، ولفتت الإدارة إلى أنّ الإخلال بالنظام العام بحسب المادة (8) من لائحة الحماية المؤقتة، يعدّ سبباً من الأسباب التي تؤدي إلى إلغاء الحماية المؤقتة.
وشددت دائرة الهجرة على ضرورة تقدّم السوريين الراغبين بالسفر والتنقل بين المحافظات التركية إلى مديرية الهجرة في المحافظة أو الوحدات المعنية من أجل الحصول على “إذن السفر” وهدّدت الدائرة في حال المخالفة باتخاذ الإجراءات القضائية والإدارية بحق المخالفين بما في ذلك إلغاء الحماية المؤقتة.
واقتصر دور الائتلاف الوطني السوري المعارض على تحرك بسيط في أول تطورات أحداث العنف ضد السوريين على خلفية اتهام يافع سوري بالتحرش بطفلة تركية في منطقة إيكيتلي في القسم الأوروبي من مدينة اسطنبول.
وحمل المحامي والمعارض أيمن أبو هاشم الائتلاف الوطني مسؤولية التواصل والتحرك السريع مع الحكومة التركية وفتح نقاش قانوني معها من أجل حل مشكلة ترحيل السوريين. وقال المحامي المتخصص بالقانون الدولي الإنساني لـ “القدس العربي”: “كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تؤدي إلى التضييق على اللاجئين السوريين وحياتهم ومصالحم وخصوصا البند المتعلق ببند ترحيل السوريين الذين لا يحملون بطاقة الحماية المؤقتة وهو عمليا مخالف لمبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي. وعلى السلطات الموزانة بين أمنها القومي وقوانين البلد الداخلية بما لا يتعارض مع حقوق اللاجئين. وترحيل اللاجئين الذين لا يملكون البطاقة يؤدي إلى وضع المئات منهم أمام خطر يتهدد حياتهم بسبب عودتهم إلى بلد حرب”. وقال “على السلطات منح فرصة للاجئين الذين لا يحملون الكمليك من التوجه إلى ولايات أخرى واستصدار كمليك بدل ترحيلهم إلى سوريا”.
تبدل موقف حزب العدالة والتنمية والرئيس التركي تجاه اللاجئين الذين وصفوا طوال تسع سنوات بالمهاجرين وتمسك الرئيس اردوغان بها شخصيا وانتهاج سياسة الحماية المؤقتة الذي يشرعن وجودهم بدون السماح للأمم المتحدة بالإشراف على ملف اللاجئين حسب الاتفاقيات الدولية على غرار اللاجئين العراقيين في تركيا جعلهم محط تجاذب سياسي بين تركيا والاتحاد الأوروبي بشكل دائم تهدد من خلاله أنقرة من أجل زيادة المساعدات لها مقابل منع هجرتهم إلى أوروبا. وتركت الضبابية وعدم الشفافية حول من ينفق على اللاجئين السوريين والمبالغ التي يدفعها الاتحاد الأوروبي إلى الحكومة التركية مقابل الرعاية الصحية والتعليم الباب على مصراعيه لانتشار الشائعات التي خلقها منافسو “العدالة والتنمية” ضد السوريين. وتكونت قناعة لدى جمهور عريض من الناخبين الأتراك أن الحكومة التركية تدفع رواتب شهرية للاجئين السوريين من أموال دافعي الضرائب الأتراك، وانتشرت أخبار مزيفة تقول بتجنيس مئات آلاف السوريين من الإخوان المسلمين المقربين من حزب “العدالة والتنمية”.
بالطبع تتحمل المعارضة السورية منذ تشكيل المجلس الوطني وبعدها الائتلاف الوطني وحكوماته المؤقتة مسؤولية ما يحصل مع السوريين في تركيا، فهي التي وضعت بيضها كاملا في سلة الحزب الحاكم ولم تكترث أبدا بالأحزاب التركية ولم تسع إلى التواصل معها أو فتح باب الحوار على المستويين الاجتماعي والثقافي، واصطفت إلى جانب العدالة والتنمية في خصومته السياسية الداخلية، ولم تتمكن من خلق مجلس جالية رغم وجود (305) مليون سوري في تركيا. ومن الصحيح القول أن قسما كبيرا من المعارضين السوريين في تركيا حصلوا على جنسية لتسهيل أمورهم ولا يعنيهم أبداً حال اللاجئين الفقراء من حملة الكمليك.
المصدر: جريدة “القدس العربي”، 21 تموز/يوليو 2019

