ثلاثية السلام والحوار والتسامح .. قراءة من منظور تربوي عالمي

الأربعاء،24 تموز(يوليو)،2019

ثلاثية السلام والحوار والتسامح .. قراءة من منظور تربوي عالمي

صابر جيدوري*

لا شك أن التربية على المواطنة العالمية تعني التربية على الديمقراطية والتعددية والالتزام الجماعي، وقبول الاختلافات الثقافية ومعالجة المشكلات ضمن منظور عالمي، وهي بهذا المعنى تهدف إلى خدمة المجتمعات الإنسانية كافة وليس الأفراد فحسب، ذلك أن استناد التربية على المواطنة العالمية إلى حقوق الإنسان يسمح بفتح النقاش حول البعد العالمي لهذه التربية، وحتى يتحقق هذا بشكله الصحيح لابد وأن تشترك المؤسسة الجامعية العربية عبر برامجها ومناهجها وسياساتها في تدعيم قيم المواطنة العالمية لدى طلابها، كقيمة السلام العالمي والحوار مع الآخر والتسامح معه.. تلك هي القيم العالمية التي يناقشها المقال الحالي.
 1- قيمة السلام العالمي
فكرة السلم فكرة قديمة اتجه إليها حكماء العصور الماضية وحمل لواءها الفلاسفة الرواقيون منذ القرن الثالث قبل الميلاد، حين أهابوا بالإنسانية أن تحرر نفسها مما يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان من فروق اللغات والأديان والأوطان، ونظروا إلى الناس جميعاً وكأنهم أسرة واحدة قانونها العقل ودستورها الأخلاق.
وإلى هذه الفكرة دعا الدين الإسلامي دعوة صريحة فصيحة في قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (البقرة : 208) وقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (الأنفال:61) وقد توالت الدعوات إلى السلم العالمي من قبل الكثير من الفلاسفة والمفكرين على مر العصور، فقد كتب الفيلسوف الألماني “كانت”  كتابه “مشروع للسلام الدائم” أعلن فيه “أن إنشاء حلف بين الشعوب هو السبيل الوحيد للقضاء على شرور الحرب وويلاتها” (كانت، 1952 :64 ) كذلك فعل الفيلسوف الإنكليزي “برتراند رسل” في كتابه “آمال جديدة في عالم متغير” الذي أشار فيه إلى أن بقاء الحضارة الإنسانية مرهون بإنشاء الحكومة العالمية، وحتى يتحقق ذلك لا بد من إرساء فكرة السلم العالمي والتوسع في فكرة المواطنة العالمية (رسل، د. ت : 95) ، كما لعبت اليونسكو في هذا المضمار دوراً رائداً حيث جاء في ديباجة ميثاقها التأسيسي “أنه لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام” (اليونسكو، 1991: 18).
وهكذا نجد من الشواهد السابقة أن قيمة السلام مطلباً ملحاً في جميع المجتمعات الإنسانية، لأن السلام هو الذي يمنح المجتمعات استقراراً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، فالنزاعات المسلحة وغياب الاستقرار السياسي لهما انعكاسات خطيرة على مؤشرات التنمية، يتضح ذلك جلياً في الدول التي تعاني من الحروب والنزاعات المسلحة كالصومال والسودان والعراق واليمن وفلسطين.. ، لذلك فإن القيم الموجهة نحو احترام الآخر والتسامح معه هي القيم التي من شأنها أن تساعدنا في الانتقال من ثقافة الحروب إلى ثقافة السلام المرتكز على حقائق التعددية وآلية الحوار بين الثقافات، لأنه لا يمكن أن يزدهر السلم إلا بإشاعة روح التضامن والاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وبوجود الآخر كخطوة أولى نحو عقد اجتماعي وثقافي وأخلاقي جديد للقرن الحادي والعشرين، ولأن الأمر كذلك فقد قامت اليونسكو بإعداد مجموعة من التقارير عن التربية من أجل السلام كان أهمها تقرير بعنوان : Learning to Live in security “تعليم شروط العيش بأمان” حيث أعطت لمادته التعليمية عناية خاصة للروابط بين السلام ونزع السلاح والأمن والتنمية، وقد أُعدت المادة التعليمية في التقرير من أجل استخدامها في المؤسسات الجامعية بهدف توعية وتعبئة رأي الشباب الجامعي للقيام بكافة أشكال الأنشطة التي تهدف إلى بناء حصون السلام في عقول البشر.(Unesco,1990:8). كما أكدت الحملة العالمية لتربية السلام التي التقت حول نداء لاهاي الصادر عن مؤتمر السلام في هولندا عام 1999 أنه “يمكن تحقيق ثقافة السلام عندما يفهم مواطني العالم المشاكل العالمية ، ويمتلكون المهارات لحل النزاعات بشكل بناء، ويعرفون المعايير العالمية لحقوق الإنسان ويلتزمون بها، ويحققون المساواة بين الجنسين ويحترمون التنوع الثقافي، مع تأكيد الحملة أن هذا النوع من التعلم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تربية متواصلة ومنتظمة ومقصودة من أجل السلام” (Brenes,2010:6)
ومما يستحق التنويه إليه أن التربية من أجل السلام تعمل على ثلاثة محاور، أولهما المحور المعرفي الذي تُقدم فيه للمتعلم حقائق ومفاهيم ومعلومات غرضها توسيع مدارك المتعلم حول ايجابيات السلام وأخطار العنف وأشكاله ونتائجه السلبية على الفرد والمجتمع والعالم، والمحور الثاني يتجه نحو تشكيل مواقف المتعلم واتجاهاته نحو تفضيل السلوك اللاعنفي (السلمي) أما المحور الثالث فيركز على تنمية قدرات ومهارات المتعلم على استخدام وتطبيق الاستراتيجيات والأساليب التي تساعد في حل الخلافات وتجنب العنف، مع ملاحظة أن تعزيز المحاور الثلاثة في سلوك الطلبة يتطلب من أعضاء هيئة التدريس استثمار القيم والمثل الدينية والثقافية والاجتماعية والإنسانية المؤيدة للسلام والنابذة للعنف في تشكيل شخصية تعيش بسلام حقيقي مع ذاتها ومجتمعها المحلي والعالمي.
والواقع أن كل تلك التوجهات الدينية والفلسفية والدولية تؤكد أن هناك حاجة إلى تثقيف وتعليم الشباب قيمة السلام من أجل مقارعة ثقافة العنف السائدة في العالم، والابتعاد عن تمجيد الحرب وتعظيمها، كمدخل إلى خلق اتجاهات ايجابية لديهم نحو السلام واللاعنف والتعاون العالمي، ولذلك فإن إعداد الشباب الجامعي للعيش في عالم يستطيعون فهمه وتطويره باستمرار بوحي من القيم الديمقراطية يُعد من أكبر الواجبات الملقاة على أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية، لأن ذلك من شأنه أن ينزع من نفوس وعقول الشباب الجامعي الميول العدوانية، ويعزز أجواء العفو والصفح والأمان الاجتماعي، بل أكثر من ذلك ينمي ويرسخ في وعي الطلبة مجموعة من القدرات الإيجابية كأهداف نبيلة مثل: تنمية القدرة على تثمين القيم الكونية، وقبول القيم الكامنة في تعدد طبائع البشر(أعراقاً وشعوباً وثقافات) وفض المنازعات بطرق تحول دون استعمال العنف. وبالتالي فإن تمكين الشباب الجامعي من هذه القدرات، وفهم آليات الوصول إليها هي من المسؤوليات التي يجب أن تتحملها كل أطراف العملية التربوية في الجامعة وفي مقدمتهم أعضاء هيئة التدريس.
 2-قيمة الحوار
كما كانت قيمة السلام قديمة كذلك قيمة الحوار أيضاً، فقد ارتبط اسم الكثير من الفلاسفة بهذه القيمة، فالفيلسوف اليوناني سقراط ارتبط اسمه بالحوار حتى أصبحت طريقته الفلسفية والتعليمية تُعرف بالحوار السقراطي، وكذلك تلميذه افلاطون الذي ألف كتبه في صورة حوارات على لسان أستاذه سقراط، حيث أخذ على عاتقه أن يتحدى السوفسطائين بنقل لفظ الجدل من معنى المناقشة المموهة إلى معنى المناقشة التي تولد العلم، وفي العصر الحديث نجد الفيلسوف الألماني هيجل يقيم فلسفته كلها على ما يُعرف بالمنهج الجدلي، حيث يُعبر الجدل عنده عن حركة تطور الفكرة إلى نقيضها، ومن هذا النقيض تتولد فكرة أخرى جديدة، وهكذا يبدأ العقل حوار مع نفسه، فالفكر هنا يعني الحوار سواء أكان هذا الحوار حوار المفكر مع نفسه أم مع شخص آخر.
وإلى هذه القيمة دعا الإسلام دعوة صريحة وواضحة في قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل : 125) ويأخذ هذا المعنى مداه في قوله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت : 46). وهكذا يتضح من هذه النصوص القدسية أنها تتضمن دعوة صريحة لممارسة الحوار العقلي الهادف، دون اللجوء إلى العنف أو إلغاء حق الآخر في التعبير أو الرد أو حق التعرف والمعرفة.
أما في مطلع الألفية الثالثة فقد تبلورت قيمة الحوار من خلال المتغيرات التي حصلت على صعيد الاتصال والتواصل، والقضاء التدريجي على الحدود والحواجز، وتناقل المعلومات والمعارف والقيم، حيث ظهرت آليات واستراتيجيات جديدة تسمح بانفتاح الثقافات والحضارات على بعضها بعد أن أصبح قبول الآخر والحوار معه مطلباً مجتمعياً وكونياً، ومدخلاً مهماً لمستلزمات المثاقفة الكونية، وهذا ما أكده جاك ديلور بقوله: “إن أهداف العملية التعليمية لم تعد قاصرة على تعلم المعرفة وتعلم التطبيق وتعلم الوجود، بل أصبحت تشمل بعداً رابعاً هو كيف نعيش مع الآخرين ونحاورهم” (Unesco,1990:7).
وهكذا فإن الحديث اليوم عن ثقافة الحوار وعن الحوار بين الأديان والتقارب بين الثقافات لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو رهان جديد للألفية الثالثة، لذلك اعتبر فيدريكو مايور “أن عالم الغد ينبغي أن يكون مختلفاً بعمق عن العالم الذي نعرفه اليوم، حيث يرتبط الوعي بصدقية وحتمية هذا الرهان بتجاوز النزعات الدوغمائية المغلقة والانفتاح على فضاء أرحب غنى بتنوعه”  (Unesco,2003,9) . ومن هنا يمكن تقرير أنه لا يستطيع أي كان أن يدعي أنه يمتلك وحده اليقين المطلق، لأن كل الثقافات والحضارات الموجودة على الأرض تمتلك جزءاً من الحقيقة وتحيط بمجال محدد، كما لا يمكن لطرف واحد أن يتحكم في كل الحقائق أو يدعي أن ما يتحكم فيه هو اليقين المطلق، وهذا يعني أن الاعتراف بقيمة الآخر وقدرته والحوار معه يصبح جزءاً من أخلاقيات التفاهم الدولي وبناء أسس التعايش السلمي، مع التأكيد أن قبول الرأي الآخر لا يتطلب فقط معرفة الآخر، بل إن الأمر يقتضي توفر معرفة متناظرة، أي معرفة الذات والآخر بشكل تبادلي، مع التأكيد على ضرورة أن تركز التربية على الحوار داخل البيئة الجامعية على الجانب السلوكي لدى الطلبة للدفع بهم نحو دمج ثقافة الحوار (موقفاً وقيمة)، أي تحويلها إلى سلوك يومي يصدر بكيفية ذاتية تلقائية وواعية على نحو يتجاوز الجانب المعرفي والعلاقات السائدة داخل الفصل الدراسي والبيئة الجامعية إلى المحيط الخارجي، بحيث يعتبر الطالب والمؤسسة الجامعية وعضو هيئة التدريس بمثابة نواة فاعلة لإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع، لأن الهدف الأساسي من التربية على الحوار يشكل الحاجة الماسة إلى بناء مجتمع حداثي ديمقراطي متمثل لروح ثقافة الحوار، متشبع بها ومتصرف على أساسها بكيفية واعية وتلقائية.
من هذه الخلفية الفكرية يجب أن لا يكون الآخر جحيماً نخاف منه، بل بالعكس يجب أن يصبح حافزاً للحوار والتفاهم، لأن اكتشاف الآخر فعل ايجابي، باعتباره اكتشاف لعلاقة وليس لعائق، فالفكر الديمقراطي يفترض الحوار والتفتح على الآخر ونبذ الفكر الأوحد، وهذا يعني أن نشر ثقافة الحوار وقبول الرأي الآخر مرتبط بترسيخ الديمقراطية كمرجعية لتفكير الأفراد وسلوكهم في مختلف المؤسسات الاجتماعية. ومواكبة لذلك يمكن للمؤسسة الجامعية أن تلعب أدواراً مهمة في ترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية والحضارية المعاصرة، ومن بينها الحوار وقبول الرأي الآخر، فإذا كانت الحروب والكراهية ـــ حسب اليونسكو ـــ تنشأ في عقول البشر قبل أن تُنفذ، فينبغي على المؤسسة الجامعية أن تعمل على انتزاعها من عقول الطلبة بواسطة التربية على الحوار والتفاهم والتعاون، وبذلك تصبح الجامعة سنداً لبناء المشروع الديمقراطي، ونواة للمشروع المجتمعي بكامله، وللتفاهم والحوار بين الثقافات.
 3-قيمة التسامح

شغلت قيمة التسامح مع الآخر مساحة واسعة في الفكر الديني عموماً والإسلامي بشكل خاص، فقد جاء في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات الكريمة التي تؤكد بشكل واضح حرص الدين الإسلامي على ممارسة قيمة التسامح مع الآخر، منها قوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت: 34) وقوله جل شأنه: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (الزخرف: 89) كما يتضح من السنة المطهرة أن الإسلام وقف موقفاً حازماً ضد التعصب والعصبية، بدليل قول الرسول ” ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية “.

أما في العصر الحديث فقد مارست اليونسكو دوراً بارزاً في هذا المجال، عندما أكدت في تصريح المبادئ حول التسامح الصادر عام (1995) في مادته الأولى المخصصة لتحديد المفهوم “أن التسامح هو شرط ضروري للسلام وللتقدم الاقتصادي وإشاعة روح التضامن بين الشعوب, وبينت أن المقصود بقيمة التسامح احترام وقبول وتثمين غنى الثقافات وتنوعها في عالمنا, وأنماط التبليغ وأساليب التعبير عن نوعية كينونتنا الإنسانية, أما عن آلية تعزيز هذه القيمة فأشارت اليونسكو إلى أهمية المعرفة وتفتح العقل والنزوع إلى التواصل، والاعتراف للآخر بحق التفكير والشعور والاعتقاد” (القباج، 2006 : 143)، فالتسامح بذلك قيمة تتأسس على التناغم داخل الاختلاف, فهو ليس تنازلاً ولا مجاملة بل موقف فعال يحركه الإقرار بالحقوق العالمية للشخص وبالحريات الأساسية.لأجل ذلك كله يعتبر التسامح مفتاح الدخول إلى حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية ودولة الحق والقانون.

من جهة أخرى يتسم التسامح بالعديد من المميزات الخلقية من بينها إيجابيته بحيث لا يقف الأمر عند حد قبول الآخر، ولكن الاستفادة منه لاكتساب مشاعر الغيرية وزرع روح الأمل، إنه ما يتيح لنا أن نتعلم العيش مع الجماعة ومع الآخرين المختلفين عنا، والأهم من ذلك هو أن نمنح الآخر حق التعبير عن أفكار وقناعات قد تتناقض مع ما لدينا من أفكار وقناعات، بل واحترام الحق في التعبير عن مقاصد قد تبدو لنا غير ذات قيمة أخلاقية، وتجنب فرض تصوراتنا الخاصة لما هو ليس كذلك مما يبرر منع الآخر من الكلام. وعليه فإن الخطورة التي تكتسبها النظريات القائلة بصراع الحضارات والثقافات والديانات هي أنها تؤدي إلى سقوط الأفراد والجماعات في مزالق التطرف والتعصب، وأن السبيل الوحيد للوقوف أمام تلك النظريات التشاؤمية هو تعزيز قيمة التسامح بتعقل وقناعة، لتعزيز القواسم المشتركة وإقصاء الفروق والانفتاح على الآخر المختلف، وهذه دعوة تنسجم مع ثقافتنا الإسلامية شكلاً ومضموناً، بدلي قول الرسول “إنني أُرسلت بحنفَّية سمحة” أي ليس فيها ضيق ولا شدّة, تؤمن بالحوار بديلاً، وتؤكد أن التعددية الثقافية ثراء للفكر, وإن الإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم، لأن حرية الاعتقاد مصانة بدليل قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة: ٢٥٦ ).

وإذا أردنا في حقيقة الأمر توظيف هذه الممارسة التسامحية الإسلامية في حياتنا, فأنه يجب علينا أن ندرك أبعاد هذا المفهوم بدقة وموضوعية عبر التركيز على الجانب الإنساني أو فيما يتمثل بالحق الإنساني، من خلال توظيف الأنساق المعرفية والتربوية كي تعمل على بناء اتجاهات ايجابية لدى الطلبة نحو الآخر، وصياغة ثقافة تسامح ايجابية تعترف بأن نقيض فكرة ما عميقة هو فكرة أخرى من نفس العمق، أي الاعتراف بأن ثمة حقيقة ما في الفكرة المناقضة لفكرتنا، وعلينا احترم تلك الحقيقة، وهذا يتطلب من المؤسسة الجامعية بكل مكوناتها خلق أنشطة تربوية وتطبيقية تمكن الطلاب والطالبات من الانخراط الفعلي في ثقافة السلام والحوار والتسامح وقبول التنوع الثقافي، وإقصاء كل السلوكيات المنافية لهذه الثقافة التي يمارسها البعض داخل الجامعات العربية. ولكي يتمكن أعضاء هيئة التدريس من تعميق قيم التسامح لدى طلبتهم فإنه يتعين عليهم العمل على إحداث تغيرات وتعديلات جوهرية في المناخ العلمي والفكري والاجتماعي داخل البيئة الجامعية من خلال إشاعة القيم الإنسانية والأخلاقية وقيم الترابط الاجتماعي والتواصل الثقافي، كما يتعين عليهم تعميم ونشر قيم التسامح وتقبل النقد وقبول الآخر واحترام الفكر المخالف والإقرار بحق الاختلاف من خلال تهيئة البيئة الملائمة داخل الحرم الجامعي. ولأهمية تأصيل ثقافة التسامح في الفضاء التربوي فقد دعا الأستاذ الدكتور علي وطفة المربين العرب إلى “بناء أنظمة تربوية فاعلة يمكنها العمل على دمج الشعوب العربية في ومضة وجدانية تضعهم خارج السياق المرعب لثقافة التعصب ومفاهيم الانغلاق الثقافي، لأننا بحاجة اليوم إلى ثقافة تُرسخ في الناشئة قيماً جديدة تتمثل في قيم التسامح والرفض المطلق لكل مكونات الفكر الطائفي المذهبي الذي يهدد كيان أمتنا وجوهرها” (وطفة، 2012: 11 ).
تأسيساً على كل ما سبق يُمكن لأعضاء هيئة التدريس في المؤسسات الجامعية العربية الإسهام في تنمية قيم المواطنة العالمية لدى الطلبة من خلال: (الخميسي، 1993: 77- 109 )
–  التحلي بعاطفة قوية نحو قيم السلام والحوار والتسامح، وتجسيدها في الحياة الجامعية والاجتماعية للطلبة.
– المشاركة بفاعلية في الندوات والمحاضرات التي تدعو إليها وتنظمها الجامعة والمؤسسات العامة والخاصة التي تتناول قضايا التربية على قيم المواطنة العالمية، والتي من شأنها نشر قيم السلام والحوار والتسامح وحقوق الإنسان، إلى جانب المشاركة في مختلف الندوات والمؤتمرات والفعاليات المتصلة بهذه القيم.
– المشاركة في إعداد وتنظيم وإدارة دورات تثقيفية وتدريبية للكوادر والشباب الجامعي لحثهم على المساهمة في نشر وتعزيز ثقافة المواطنة العالمية في فضاء المؤسسة الجامعية.
– المشاركة في التخطيط لبرامج التوجيه الديني والقيمي والخلقي في الجامعة، والإسهام في توضيح وترسيخ الجانب التطبيقي لقيم السلام والحوار التسامح والقيم الأخلاقية والإنسانية في حياة الفرد والمجتمع.
– الإسهام في توفير المناخ التربوي والتعليمي وتنشئة الشباب الجامعي على قيم المواطنة العالمية (مفهوماً وممارسة) باعتماد الحوار مع الطلبة حول القيم الإنسانية العليا، والقيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي توجه سلوك عامة الناس وخاصتهم في المجتمع.
–  تعويد الطلبة على التلقائية وروح الجرأة الأدبية والمبادرة في تقديم الرأي وتبريره والدفاع عنه، وكذلك قبول الاختلاف في الرأي والاتجاه، والتسامح بشأن هذا الاختلاف، واحترام الرأي الآخر وتقديره، وتعويدهم آداب الحوار واحترام كرامة الإنسان، ونبذ العنف والكراهية والتعصب، والتأكيد على أهمية التعاون والمشاركة والإيثار، وتبصيرهم بمشروعية الاختلاف وقيمته وحيويته لتجديد الفكر ووضوح الرؤية والوصول إلى الحقيقة.
–  توفير مناخ من الحرية والأمن بعيداً عن التهديد والاستهانة والاستخفاف، ينطلق من احترام الطلبة والثقة بقدرتهم وإمكاناتهم، وتشجيعهم وتحفيزهم في مناخ من المحبة والتسامح، فالمحبة الإيجابية والانفتاح والعدالة والمساواة والديمقراطية والمرونة التي ينتهجها عضو هيئة التدريس، يكون لها بالغ الأثر على تكوين الطلبة القيمي والخلقي، وبالتالي على تعديل سلوكهم واتجاهاتهم إزاء الجامعة والأساتذة وزملائهم الطلاب والمجتمع بشكل عام.

وتأكيداً على ما سبق فقد أشار الأستاذ الدكتور عبد الله المجيدل إلى أهمية التعليم في ممارسة دوراً كبيراً في تصحيح الخلل الذي يعانيه نسق القيم الراهنة، ولا سيما القيم الإنسانية كالتسامح والسلام وحقوق الإنسان، وذلك بما تنقله المؤسسات التربوية للناشئة من مفاهيم تربوية وأخلاقية واجتماعية تدعم من خلالها تأصيل نسق القيم الإنسانية (المجيدل، 2001)
وخلاصة القول: إن هذه المهمة المنهجية تتطلب من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات العربية تحمل مسؤوليات كبيرة في ميدان التربية على قيم المواطنة العالمية، بعد أن أصبحنا اليوم نتحدث عن مواطنة عابرة للقارات، وعن مواطن عالمي، وعن عالم يزداد طابعه العالمي يوماً بعد يوم، وهذا يعني أن هناك رهانات جديدة تُطرح على الأنساق التربوية العربية التي لم تعد مهامها تقتصر على تنشئة الأجيال وفق متطلبات مواطنة محدودة بالإطار الوطني، بل إن المواطنة الإيجابية تقتضي التفتح على المواطنة العالمية، باعتبارها ثقافة جديدة تهدف إلى ترسيخ تربية دولية قائمة على قبول الاختلاف والحوار والتعايش السلمي ونبذ العنف والتطرف.

المراجع:

المراجع
-الخميسي ، السيد سلامة (1993) . تربية التسامح الفكري ( صيغة تربوية مقترحة لمواجهة التطرف الفكري ) سلسلة أبحاث رابطة التربية الحديثة، العدد /26/ السنة العاشرة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
-القباج ، محمد (2006) . التربية على المواطنة والحوار وقبول الآخر في التعليم الثانوي ، مجلة علوم التربية ، العدد (32) ، الرباط.
-اليونسكو (1991) . التفاهم الدولي في المدرسة ، حلقة عمل عن شبكة المدارس المنتسبة ، رسالة اليونسكو ، العدد (61) يونيو/حزيران.
-المجيدل، عبدالله (2001). التربية المدنية: مدخل للارتقاء ببنية العلاقة بين الأسرة والمدرسة، مجلة التربية، المجلد (15) العدد (59) مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت.

-رسل ، برتراند (د. ت) . آمال جديدة في عالم متغير ، ترجمة عبد الكريم احمد ، دار سعد للطباعة والنشر والإعلان ، القاهرة
. كانت ، ايمانويل (1952) . مشروع للسلام الدائم ، ترجمة عثمان أمين ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة
-وطفة، علي (2012). التعصب في العالم العربي خطر وجودي: أين معادلة التسامح في التربية العربية، مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، مسترجع من موقع: http://www. mokarabat.com
– Abelardo,Brenes(1999). Peace Education.J.Education Rivew.Vol,42. No,2, London.Pp
– Aline,M(2010). Peace Education for Children.The American Journal of Economics and sociology.Vol,44.No,1.Pp
– Unesco(1990). Learning to Live in security. by Peter Menze ,Paris,22,April.
– Unesco(2003). The Art Living in Peace : to Wards on new Peace Consciousness .by Pierre Weil. Paris,4,July.

*صابر جيدوري – كاتب وباحث سوري