خمس تحديات لمواجهة العنف

الأربعاء،31 تموز(يوليو)،2019

أليكس ج. بيلامي

١ –   الاتفاق على طبيعة المشكلة

سيكون من الضروري إيجاد فهم مشترك لكيفية قياس العنف، والاعتراف بالعوامل المتصلة بارتفاع معدل مخاطره، واستكشاف سبل للتصدي إلى تلك المخاطر. وسيتعين أيضا على الدول الاتفاق على أداة مرجعية لقياس مدى النجاح المحرز في خفض جميع أشكال العنف. ويشمل هذا أشكالا من العنف لا تحظى بالاهتمام عادة، مثل العنف الجنسي والجنساني، وما يسمى بالعنف ”العائلي“. وتشدد أهداف التنمية المستدامة على ضرورة خفض ”جميع أشكال“ العنف. ولا نستطيع توقع إجراءات تقودها الدول والشراكات العالمية بهدف معالجة مسألتي قياس العنف وفهمه سوى على أساس التوافق في الآراء. وتشكل مبادرة الأمم المتحدة بشأن الإطار التحليلي للجرائم الفظيعة: أداة وقائية (2014)، نقطة انطلاق مفيدة بشأن تحديد المخاطر المرتبطة بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لكن سيكون من الضروري كفالة مشاركة الدول والمجتمع المدني الفاعلة في حوار مفتوح بشأن مصادر الخطورة، وبذل جهود لبناء توافق في الآراء بشأن هذه النقاط.

٢ –   الملكية الوطنية

يمكن القول إن التحدي العملي الرئيسي يكمن في تشجيع الدول والمجتمعات على الاعتراف بالعنف الذي تعانيه وبعوامل الخطورة الناجمة عن أوضاعها الوطنية. فالدول والمجتمعات لن تطلب المساعدة الدولية و”تمتلك“ الوقاية الهيكلية ما لم تعترف بوجود المشكلة. ويتسم بأهمية كبيرة لفعالية الوقاية وجود حس قوي بالالتزامات المتبادلة لدى الدول المضيفة والمجتمعات وشركائهما الدوليين. وهو عمل سياسي دون شك، إذ تنحو الدول إلى الإحجام بقوة عن الاعتراف بوجود العنف وإن كان متواصلا أو وشيك الاندلاع، ناهيك عن عوامل الخطورة المرتقبة. ولذلك قد تنشأ خلافات ومنازعات حادة جراء الوقاية الهيكلية نفسها. ويتعين أن تراعى هذه الحقيقة الماثلة في النُهج العملية للوقاية مع إيجاد طرائق لتشجيع الدول على المشاركة الاستباقية. وقد يكمن الحل البديهي، وهو حل مستقى من ممارسات حماية حقوق الإنسان، في تعميم مرحلة التحليل الأساسي بأن تبلِغ جميع الدول عن أنماط العنف وعوامل الخطورة التي تواجهها في إطار امتثالها لمقتضيات أهداف التنمية المستدامة. وهناك بديل آخر، وهو أن تقدم الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى جميع الدول الأعضاء بيانات تفصيلية عن أحداث العنف وعوامل الخطورة المرصودة.

٣ –   الالتزام بتوفير الموارد

اتضحت حتى الآن صعوبة الحصول على قدر كافٍ من الالتزام السياسي لإدماج الوقاية من الجرائم الفظيعة في الممارسات اليومية للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والوكالات الإنمائية. ويصحب ذلك عدم تخصيص موارد مناسبة لتنفيذ هذه المهمة. وتنبع مشكلة الالتزام السياسي في بعض جوانبها عن تحديد المسؤوليات، أي تحديد الأدوار ومن تناط بهم المسؤولية عنها؟ ولعل إدراج خفض العنف في الأهداف الإنمائية للألفية يساعد على إنهاء مشكلة الالتزام، لأن مجموعة الدول بأسرها معنية بخفض النزاعات على نطاق العالم.

٤ –   إقامة الشراكات من أجل خفض العنف

على الرغم من حتمية أن تتحمل الأمم المتحدة جزءا كبيرا من عبء خفض العنف، فإن المسؤولية عن تحقيق هذا الهدف أوسع بكثير من نطاق المنظمة. وأكثر من ذلك بداهة، أهمية التأكيد مجددا على أن المسؤولية الرئيسية تقع على عاتق الدول نفسها منفردة. لكن من المهم أيضا أن تشمل المعادلة المجتمعات المدنية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص في داخل البلدان، وتمكينها بوصفها عناصر وقاية، وتحديد الجهود الدولية بعناية من أجل دعم المصادر المحلية لقدرة المجابهة. وأخيرا، ينبغي أن نسلم بأن الأفراد هم الذين يحددون، في نهاية المطاف، ما إذا كانت المجتمعات ستنعم بالسلام أو تغرق في العنف.

٥ –   بذل العناية الواجبة

سيكون من الصعوبة بمكان تخمين الآثار السلبية غير المقصودة والحد منها عن طريق بذل العناية الواجبة. ويتطلب هذا نهج ”عناية واجبة“ من النوع الذي سبق أن استخدمته بعض المنظمات العاملة في حالات النزاع، ونادى به المساهمون الآخرون في إعداد هذا المجلَّد. وتوظِف بعض البرامج الحكومية التي تقدم المعونة في سياق النزاعات أطرا محددة لتقييم أثر المعونة التي تقدمها على البيئة الاجتماعية، في ما يعرف باسم ”مراعاة ظروف النزاع“. ومن المهم أن ينفَّذ هذا العمل بشكل منهجي، وأن يشمل التوعية بمخاطر الأنواع المختلفة من العنف.          وسيساعد على دفع هذا الأمر إلى الأمام أن ينظر الأمين العام المرتقب للأمم المتحدة في وضع استراتيجية شاملة للمنظمة من أجل خفض جميع أشكال العنف. وينبغي أن توفر تلك الاستراتيجية: ’1‘ الأساس لوضع نهج أكثر انتظاما وشمولا للإنذار المبكر والتقييم؛ ’2‘ الإرشاد بشأن كيفية تعميم الوقاية من العنف في أنشطة العمل اليومي لمنظومة الأمم المتحدة؛ ’3‘ التوجيه بشأن تحديد التوقيت المناسب لمنح الوقاية من العنف الأولوية على الاعتبارات الأخرى؛ ’4‘ الإرشاد بشأن تحسين توجيه قدرات الأمم المتحدة في مجالات المشاركة الدبلوماسية وبث رسائل التوعية العامة وتنفيذ عمليات الرصد والتقييم وإقامة الشراكات دعما للوقاية من العنف؛ ‘5’ المشورة بشأن أنسب الترتيبات لوجود الأمم المتحدة الميداني في البلدان التي تواجه مخاطر عنف جماعي؛ ’6‘ إمكانية تعزيز الشراكات، لا سيما بين الأمم المتحدة والترتيبات الإقليمية، من أجل الوقاية من العنف وإنهائه؛ ’7‘ التوجيه والدعم للدول وتنظيمات المجتمع المدني كي تتمكن من أداء دورها على أكمل وجه.

وقد واجهت أهداف التنمية المستدامة انتقادات فعلية في بعض الأوساط بوصفها مفرطة في التكلفة والطموح. بيد أن هذا هو الغرض منها على وجه التحديد، أي رسم التطلعات واستنفار العالم من أجل إنجاز ما يرى كثيرون أنه لا يمكن إنجازه. ومن شأن الاتفاق على خفض العنف بجميع أشكاله أن يتقدم خطوة هامة إلى الأمام إذا انتقلت قدرة الأهداف الإنمائية للألفية على حشد الشراكات الدولية إلى أهداف التنمية المستدامة. ولن يساعد ذلك على توجيه منظومة الأمم المتحدة بأسرها نحو تحقيق هدف خفض العنف فحسب، بل سيؤدي أيضا، في ما يبدو، إلى حشد طاقات الدول وخبراتها ومواردها بغية تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل غير مسبوق. وتتمثل المهمة الراهنة في التخطيط لتحقيق تلك الأهداف ورصد التقدم تجاهها. ثم تأتي بعد ذلك المهمة الصعبة، وهي كفالة توافر ما يتطلبه ذلك من موارد والتزام سياسي. وسنرى ما إذا كانت عزيمة العالم على خفض العنف على مستوى التحديات. وليس الاتفاق على الأهداف سوى خطوة صغيرة فحسب، لكنها هامة. ونتحمل جميعا الآن مسؤولية العمل معا من أجل تحديد الأدوار الهامة التي نستطيع أداءها من أجل خفض العنف على نطاق العالم.

—————————

أليكس ج. بيلامي: هو مدير مركز آسيا ومنطقة المحيط الهادئ للمسؤولية عن الحماية، وأستاذ دراسات السلام والنزاع في جامعة كوينزلاند، أستراليا.

  • العدد 4 من المجلد الثاني والخمسين 2015 2016/05 (الوقائع – الأمم المتحدة)